الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل يعيد تقارب الجزائر وباماكو رسم خريطة النفوذ في الساحل؟

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون ونظيره المالي أسيمي جويتا

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

شهدت العلاقات الجزائرية المالية تدهورًا حادًا منذ أبريل 2025، على خلفية إسقاط الجزائر طائرة مُسيَّرة مالية اخترقت مجالها الجوي قرب الحدود المشتركة، وهو ما نفته باماكو، وتطور الخلاف إلى سحب السفراء وإغلاق المجال الجوي بين البلدين، كما جاء في سياق توترات أوسع مرتبطة بقرار مالي الانسحاب من اتفاق السلم والمصالحة الموقَّع عام 2015 بوساطة جزائرية، والذي كان يستهدف إنهاء النزاع بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة في شمال البلاد.

وفي 10 يوليو 2026، أعلنت الجزائر ومالي استئناف العلاقات الدبلوماسية من خلال إعادة السفراء وإعادة فتح المجال الجوي أمام الرحلات بينهما، لتُنهيا بذلك قطيعة استمرت أكثر من عام. وجاءت الخطوة في وقت تواجه فيه مالي تصعيدًا أمنيًا، مع استمرار هجمات الجماعات المسلحة في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك هجمات منسقة نفذتها جماعة" نصرة الإسلام والمسلمين" الإرهابية و"جبهة تحرير أزواد" خلال يوليو 2026.

تأسيسًا على ما تقدم؛ يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: هل يعيد تقارب الجزائر وباماكو رسم خريطة النفوذ في الساحل؟

أهمية التقارُب

يحمل التقارب الجزائري المالي أهمية سياسية وأمنية تتجاوز حدود البلدين، وتمتد تداعياته إلى منطقة الساحل، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

(*) إعادة تفعيل الدور الجزائري في حل الأزمة المالية: يمثل استئناف العلاقات فرصة لعودة الجزائر إلى موقعها التقليدي كوسيط إقليمي في الأزمة المالية، فقد امتلكت الجزائر لسنوات خبرة واسعة في التعامل مع الأطراف المالية، وكانت راعية لاتفاق السلام الموقَّع عام 2015، قبل أن تتدهور العلاقات مع باماكو وتنسحب مالي من الاتفاق لاحقًا.

وتكتسب عودة التواصل أهمية خاصة لأن الأزمة المالية لم تعد أمنية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بقضايا سياسية وعرقية ومجتمعية، ولا يمكن التعامل معها عسكريًا بصورة منفردة، وبالتالي فإن استعادة قنوات الحوار بين الجزائر وباماكو قد تفتح المجال أمام مقاربة أكثر شمولًا تجمع بين الأدوات الأمنية والسياسية والدبلوماسية.

(*) تعزيز أمن الحدود الجزائرية المالية: تشكل الحدود الممتدة بين الجزائر ومالي أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للبلدين، نظرًا لنشاط الجماعات المسلحة وحركة العناصر والمقاتلين عبر الحدود، ولذلك فإن عودة التنسيق بين الحكومتين يمكن أن يساعد في تحسين تبادل المعلومات وتعزيز مراقبة الحدود والحد من انتقال التهديدات الأمنية، كما أن التعاون بين البلدين قد يساهم في معالجة إحدى المشكلات الأساسية في منطقة الساحل، وهي الطبيعة العابرة للحدود للجماعات الإرهابية، فالجماعات المتطرفة والإرهابية لا تتحرك داخل نطاق الدولة الواحدة، وإنما تستفيد من المساحات الحدودية الواسعة وضعف السيطرة الحكومية عليها.

(*) منح الأزمة المالية فرصة لمسار سياسي: أثبتت التطورات الأخيرة في مالي أن المقاربة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار، فقد شهدت البلاد خلال عام 2026 هجمات واسعة نفذتها جماعات مثل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الإرهابية وحلفائها، كما تمكنت الجماعات المسلحة من الضغط على مناطق إستراتيجية وتهديد طرق الإمداد المؤدية إلى باماكو.

ومن ثم، يمكن للتقارب الجزائري المالي أن يوفر مساحة لإعادة التفكير في سبل حلحلة الأزمة من خلال الجمع بين الضغط الأمني والحوار السياسي، خاصة مع امتلاك الجزائر خبرة طويلة في الوساطة بين الحكومة المالية وبعض القوى الموجودة في شمال البلاد.

(*) إمكانية تخفيف عزلة باماكو الإقليمية: أدت القطيعة مع الجزائر إلى زيادة عزلة مالي إقليميًا في وقت تواجه فيه باماكو بالفعل تداعيات انسحابها من ترتيبات إقليمية ودولية سابقة، وبالتالي فإن عودة العلاقات مع الجزائر تمنح القيادة المالية هامشًا أوسع للمناورة، خصوصًا أن الجزائر تمثل قوة إقليمية رئيسية تمتلك وزنًا دبلوماسيًا وأمنيًا في شمال وغرب إفريقيا، وقد يسمح ذلك بفتح قنوات اتصال بين باماكو وأطراف إقليمية كانت العلاقات معها متوترة، بما يساعد على الحد من الاستقطاب الذي أصبح يميز منطقة الساحل.

(*) انعكاسات محتملة على دول تحالف الساحل: لن يظل تأثير التقارب محصورًا في مالي؛ إذ يمكن أن يمتد إلى بوركينا فاسو والنيجر، خصوصًا في ظل الترابط الأمني والجغرافي بين الدول الثلاث ضمن تحالف دول الساحل، فإذا نجحت الجزائر ومالي في بناء آلية تعاون فعالة فقد تتحول التجربة إلى نموذج للتنسيق بين دول الساحل ودول شمال إفريقيا، بما يفتح المجال أمام مقاربة إقليمية أوسع لمكافحة الإرهاب وضبط الحدود والتعامل مع الأزمات السياسية.

حسابات دولية

يمتد تأثير التقارب الجزائري المالي إلى حسابات القوى الدولية في الساحل، خاصة روسيا وفرنسا، فمن المرجَّح:

(-) ألا تكون روسيا الخاسر المباشر من التقارب الراهن: على الرغم من أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي قد يحد من قدرة روسيا على تقديم نفسها باعتبارها الشريك الأمني الخارجي الرئيسي لباماكو، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع النفوذ الروسي، فموسكو أصبحت لاعبًا أساسيًا في مالي من خلال فيلق إفريقيا الذي يمثل امتدادًا للحضور الروسي الذي بدأ مع فاجنر.

وقد أصبح الوجود الروسي أكثر ارتباطًا بمؤسسات الدولة الروسية، وليس مجرد نشاط لشركة عسكرية خاصة، وتشير تقديرات حديثة إلى أن مالي تمثل أكبر انتشار روسي في منطقة الساحل، ومن ثم يمكن لباماكو أن تستفيد من علاقتها مع الجزائر دون التخلي عن شراكتها مع موسكو، بما يعكس رغبة القيادة المالية في تنويع الشركاء بدلًا من الاعتماد على طرف واحد.

(-) تَحوُّل الجزائر إلى عنصر توازن أمام النفوذ الروسي: قد يمنح التقارب الجزائري المالي باماكو بديلًا دبلوماسيًا وسياسيًا عن الاعتماد الكامل على موسكو، لكنه لا يعني بالضرورة منافسة الجزائر لروسيا، فالجزائر تمتلك أدوات مختلفة عن الأدوات الروسية، إذ يعتمد نفوذها بدرجة أكبر على الجغرافيا والروابط التاريخية والدبلوماسية والقدرة على الوساطة، بينما يرتكز النفوذ الروسي بدرجة كبيرة على التعاون العسكري والأمني. وبالتالي قد ينشأ نوع من تقاسم الأدوار، إذ إن موسكو تقدم الدعم العسكري والأمني، بينما تؤدي الجزائر دورًا سياسيًا ووسيطًا في الملفات المرتبطة بالحوار والأمن الإقليمي.

(-) كَشْف حدود المقاربة الروسية: في المقابل، فإن التطورات الأمنية في مالي تفرض تساؤلات حول قدرة روسيا على تحقيق الاستقرار الذي وعدت به، فقد تعرضت قوات مالية مدعومة من فيلق إفريقيا لهجمات قوية، بما في ذلك هجوم قرب أنفيف في يوليو 2026 أدى إلى مقتل عشرات الجنود، وهو ما عكس استمرار قدرة الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية على تحدي الجيش المالي وشركائه الروس، كما تواجه القوات الروسية اتهامات بانتهاكات ضد المدنيين، الأمر الذي قد يضعف صورتها على المدى الطويل، خصوصًا إذا استمرت الأوضاع الأمنية في التدهور.

(-) إرباك الحسابات الفرنسية: تمثل عودة الجزائر إلى المشهد المالي تحديًا لفرنسا التي فقدت جزءًا كبيرًا من نفوذها التقليدي في منطقة الساحل، بعد تراجع وجودها العسكري والدبلوماسي في عدد من دول المنطقة. ومن هنا يمكن تفسير الانتقادات داخل البرلمان الفرنسي بأنها تعبير عن إدراك متزايد بأن تجاهل الدور الجزائري في الساحل قد يؤدي إلى مزيد من تراجع النفوذ الفرنسي، فالجزائر تمتلك قُربًا جغرافيًا وخبرة تاريخية في التعامل مع ملفات الساحل لا تستطيع باريس تعويضها بسهولة، لكن محاولة فرنسا إعادة اكتشاف أهمية الدور الجزائري لا تعني بالضرورة استعادة نفوذها السابق، إذ تغيرت البيئة السياسية في الساحل بصورة جوهرية، وأصبحت حكومات المنطقة أكثر حساسية تجاه أي تدخل فرنسي مباشر.

(-) احتمال ظهور توازن نفوذ جديد في الساحل: قد يؤدي استئناف العلاقات إلى انتقال المنطقة من حالة التنافس الصفري بين القوى الخارجية إلى تعدد الشركاء، فمالي تستطيع الاحتفاظ بعلاقاتها مع روسيا، واستعادة التعاون مع الجزائر، والانفتاح على قوى أخرى مثل تركيا والصين، بدلًا من العودة إلى نموذج الشراكة الأحادية مع فرنسا، وهذا يتوافق مع اتجاه أوسع في الساحل نحو تنويع الشركاء الدوليين، ومن ثم فإن التقارب الجزائري المالي قد يكون جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي، يصبح فيه النفوذ موزعًا بين قوى إقليمية ودولية متعددة.

ختامًا؛ يمكن القول إن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي يمثل أكثر من مجرد تسوية لخلاف ثنائي، فهو قد يشكل فرصة لإعادة بناء آليات التعاون الإقليمي في الساحل، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الأمنية وتراجع قدرة المقاربات العسكرية المنفردة على احتواء الأزمة المالية.