الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل تنجح الآلية الخماسية في كسر جمود الأزمة السودانية؟

  • مشاركة :
post-title
علم السودان وسط العاصمة الخرطوم

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية و"قوات الدعم السريع"، دخلت البلاد في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في تاريخها الحديث، بعدما تحولت المواجهات العسكرية إلى صراع ممتد ألقى بتداعياته على الأوضاع السياسية والاقتصادية والإنسانية، وأدى إلى نزوح ولجوء الملايين، فضلًا عن تراجع مؤسسات الدولة وتفاقم المخاوف من اتساع رقعة عدم الاستقرار إلى منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وخلال السنوات الثلاث الماضية، تعددت المبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية، سواء عبر منبر جدة أو الاتحاد الإفريقي أو الهيئة الحكومية للتنمية "إيجاد" أو الأمم المتحدة، إلا أن تلك الجهود لم تحقق اختراقًا حقيقيًا؛ بسبب استمرار العمليات العسكرية، وغياب التوافق بين الأطراف السودانية، وتضارب أجندات بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين.

وفي إطار هذه الجهود، أطلقت الآلية الخماسية (تضم جامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية) أولى جولات مشاوراتها مع القوى السياسية والمدنية السودانية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026؛ بهدف استكشاف فرص استئناف العملية السياسية وتشكيل لجنة تحضيرية لحوار سوداني شامل. ومع استمرار تعثر مسار التسوية، استأنفت الآلية اجتماعاتها مجددًا خلال الفترة من 29 إلى 31 يوليو 2026، بالتزامن مع عودة السودان إلى ممارسة نشاطه داخل منظمة "إيجاد"، وإعادة افتتاح بعثتها في الخرطوم.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل إلى الإجابة عن سؤال: هل تنجح الآلية الخماسية في كسر جمود الأزمة السودانية؟

فرص النجاح

ترتبط فرص نجاح الآلية الخماسية بمجموعة من المقومات التي قد تمنحها قدرة أكبر على تحريك مسار التسوية مقارنة بالمبادرات السابقة، وإن كانت هذه المقومات لا تضمن نجاحها بصورة كاملة، وتتمثل أبرزها في:

(*) توحيد الوساطة: تمثل الآلية الخماسية محاولة لتوحيد جهود الوساطة الإقليمية والدولية بعد سنوات من تعدد المبادرات التي افتقرت إلى التنسيق، إذ تجمع في إطار واحد الاتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية للتنمية "إيجاد". ويمنح هذا التشكيل للمبادرة ثقلًا سياسيًا ودبلوماسيًا أكبر، كما يقلل من حالة التنافس التي طبعت جهود الوساطة السابقة، والتي أتاحت للأطراف السودانية هامشًا واسعًا للمناورة بين المبادرات المختلفة. ومن ثم، فإن توحيد الرؤية الدولية والإقليمية قد يسهم في بناء موقف أكثر تماسكًا تجاه الأزمة، ويزيد من فرص دفع الأطراف نحو الانخراط في عملية سياسية جادة.

(*) انفتاح الخرطوم: تشير عودة السودان إلى استئناف نشاطه داخل منظمة "إيجاد"، وإعادة افتتاح بعثتها في الخرطوم، إلى وجود تغير نسبي في موقف الحكومة السودانية تجاه المنظمة بعد أشهر من الخلاف بسبب اعتراض الخرطوم على إدارة "إيجاد" لملف الوساطة. ويعكس هذا التطور استعدادًا لإعادة تفعيل قنوات الاتصال مع المنظمات الإقليمية، بما يمنح الآلية الخماسية فرصة أكبر للتحرك داخل السودان، ويساعد على متابعة تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية بصورة مباشرة. كما أن استعادة التعاون مع "إيجاد" قد تسهم في تعزيز الثقة بين الحكومة السودانية والوسطاء الإقليميين، وهي خطوة ضرورية لإنجاح أي عملية تفاوضية.

(*) الضغوط المتزايدة: لم تعد الأزمة السودانية شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبحت تمثل مصدر قلق إقليمي ودولي نتيجة اتساع تداعياتها الإنسانية والأمنية، سواء من خلال موجات النزوح واللجوء، أو تأثيرها في أمن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وفي ضوء ذلك، تتزايد الضغوط الدولية من أجل التوصل إلى تسوية سياسية توقف الحرب، خاصة مع إدراك المجتمع الدولي أن استمرار الصراع يهدد استقرار المنطقة بأكملها. ويمنح هذا الإجماع النسبي الآلية الخماسية دعمًا سياسيًا يمكن استثماره في ممارسة ضغوط على الأطراف السودانية للعودة إلى طاولة الحوار، وربط أي دعم اقتصادي أو جهود لإعادة الإعمار بإحراز تقدم في المسار السياسي.

(*) التوافق الدولي: تحظى الآلية الخماسية بميزة تتمثل في توافق نسبي بين الأطراف الدولية والإقليمية الداعمة لها على أولوية الحفاظ على وحدة السودان ومنع انزلاقه نحو مزيد من الانقسام. كما تؤكد جميع الأطراف المشاركة في الآلية أن الحل يجب أن يكون سودانيًا، مع توفير الدعم اللازم لتيسير الحوار دون فرض تسويات من الخارج. وإذا استمر هذا التوافق، فإنه قد يوفر مظلة سياسية أكثر استقرارًا للعملية التفاوضية، ويعزز فرص الوصول إلى تسوية تحظى بقبول إقليمي ودولي، بما يسهم في كسر حالة الجمود التي هيمنت على الأزمة خلال السنوات الماضية.

تحديات راهنة

رغم ما تمتلكه الآلية الخماسية من مقومات قد تعزز فرص نجاحها، فإنها تواجه، في المقابل، مجموعة من التحديات التي قد تحد من قدرتها على إحداث اختراق حقيقي في الأزمة السودانية، وتتمثل في:

(-) استمرار الحرب: يظل استمرار العمليات العسكرية بين القوات المسلحة السودانية و"قوات الدعم السريع" العقبة الأكبر أمام نجاح أي مبادرة سياسية، إذ لا تزال المواجهات مستمرة في عدد من الولايات، بينما يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه العسكري قبل الدخول في أي مفاوضات. ويؤدي هذا الواقع إلى تراجع فرص بناء الثقة بين الأطراف، كما يجعل أي تفاهمات سياسية عرضة للانهيار في ظل غياب وقف شامل ومستدام لإطلاق النار. ومن ثم، فإن نجاح الآلية الخماسية يرتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على تقريب وجهات النظر بشأن الترتيبات الأمنية ووقف القتال باعتباره المدخل الأساسي لأي تسوية سياسية.

(-) الانقسام السياسي: تعكس مقاطعة تحالفي "إعلان نيروبي" و"صمود" لاجتماعات أديس أبابا استمرار حالة الانقسام داخل القوى السياسية والمدنية السودانية، إذ ترى بعض الأطراف أن أولوية المرحلة يجب أن تكون وقف الحرب قبل الشروع في أي ترتيبات سياسية، بينما تدفع أطراف أخرى نحو إطلاق عملية سياسية بالتوازي مع جهود وقف القتال. ويؤدي هذا التباين إلى إضعاف فرص التوصل إلى رؤية وطنية موحدة، كما يحد من قدرة الآلية الخماسية على جمع مختلف الفاعلين حول طاولة تفاوض واحدة.

(-) تعقيد المصالح: لا تنفصل الأزمة السودانية عن محيطها الإقليمي والدولي، إذ تتداخل فيها مصالح عدد من القوى الخارجية المرتبطة بأمن البحر الأحمر، ومنطقة القرن الإفريقي، والموارد الاقتصادية، وهو ما ينعكس على مواقف بعض الأطراف السودانية. ويؤدي اختلاف أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى صعوبة بناء موقف موحد تجاه آليات إنهاء الأزمة، كما قد يمنح أطراف الصراع مساحة للمناورة وإطالة أمد النزاع، بما يضعف فعالية جهود الوساطة.

(-) ضعف الضمانات: رغم الثقل السياسي الذي تتمتع به الآلية الخماسية، فإنها تفتقر إلى أدوات تنفيذية ملزمة تضمن التزام الأطراف السودانية بما قد يتم الاتفاق عليه. فقد أثبتت التجارب السابقة أن توقيع الاتفاقات لا يعني بالضرورة تنفيذها، في ظل غياب آليات رقابة فعالة أو إجراءات رادعة بحق الطرف الذي يخرق كل التفاهمات السابقة. ولذلك، فإن نجاح الآلية لا يتوقف على التوصل إلى اتفاق سياسي فحسب، وإنما يتطلب أيضًا توفير ضمانات إقليمية ودولية لمتابعة التنفيذ، بما يمنع تكرار إخفاقات المبادرات السابقة، ويعزز فرص الانتقال من التفاهمات النظرية إلى التطبيق الفعلي على الأرض.

ختامًا؛ يمكن القول إن نجاح الآلية الخماسية يبقى مرهونًا بقدرتها على الانتقال من مرحلة المشاورات إلى التوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام، وإشراك جميع القوى الفاعلة في عملية سياسية شاملة، إلى جانب توفير ضمانات إقليمية ودولية لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه. أما في حال استمرار الانقسامات والمواجهات العسكرية، فمن المرجح أن تظل الآلية إطارًا للتشاور أكثر منها أداةً فاعلة لإحداث تحول حقيقي في مسار الأزمة السودانية.