لم تكن شويكار مجرد فنانة أضحكت الجمهور، بل كانت صاحبة حضور يصعب تكراره، جمعت في أدائها بين خفة الظل والأنوثة والقدرة على تجسيد الشخصيات المختلفة، فتركت بصمة خاصة في السينما والمسرح والتليفزيون، وأصبحت أعمالها جزءًا من ذاكرة أجيال متعاقبة.
وفي ذكرى رحيلها التي تحل اليوم 14 أغسطس، نستعرض رحلتها التي بدأت من الإسكندرية، وعاشت طفولة مختلفة، ودخلت عالم الفن بالمصادفة، قبل أن تصبح واحدة من أبرز نجمات الكوميديا في تاريخ الفن المصري.
البدايات
نشأت شويكار المولودة في 4 نوفمبر 1938 بمدينة الإسكندرية، في أسرة متعددة الأصول، فوالدها مصري من أصل تركي، بينما كانت والدتها شركسية.
حملت طفولة شويكار العديد من التفاصيل التي أسهمت في تكوين شخصيتها، ومن بينها تجربة الإقامة في مدرسة داخلية لمدة نحو أربع سنوات.
وخلال لقاء تليفزيوني سابق، روت شويكار أن ظروفًا خاصة دفعت والديها إلى السفر في وقت كانت الدراسة فيه مستمرة، فكان التحاقها وإخوتها بمدرسة داخلية هو الحل المناسب حتى انتهاء تلك الظروف.
وأكدت أنها لم تشعر بأن التجربة تركت أثرًا سلبيًا كبيرًا عليها، خاصة أن والديها كانا يحرصان على زيارتها، كما أنها كانت محبوبة ومتوفقة وتشارك في الأنشطة المختلفة.
ورأت أن سنوات المدرسة الداخلية ساعدتها على الاعتماد على نفسها، وجعلتها أكثر اجتماعية وانفتاحًا على الآخرين، كما عززت لديها الاهتمام بمن حولها ومحاولة إسعادهم.
وبعيدًا عن صورة الفتاة المتفوقة، كشفت شويكار عن جانب مشاغب من طفولتها، إذ لم تكن راضية دائمًا عن القيود التي فرضتها عليها الحياة داخل المدرسة الداخلية.
وروت أنها كانت تهرب أحيانًا من سور المدرسة، ثم تستقل الترام بطريقة غير تقليدية، معتبرة أن هذه التصرفات كانت نوعًا من الشقاوة والاحتجاج على عدم حصولها على الحرية التي كان يتمتع بها الآخرون.
ومع ذلك، ظلت محبوبة لدى إدارة المدرسة، خاصة أنها كانت متفوقة وتشارك في الأنشطة المختلفة، وكان المسؤولون يعتمدون عليها.
الزواج في سن مبكرة
دخلت شويكار الحياة الزوجية في سن مبكرة، إذ تزوجت للمرة الأولى وهي في السادسة عشرة من عمرها من المحاسب حسن نافع، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة منة الله.
وكشفت في حديث سابق أن الزواج جاء عن طريق ترشيح الأسرتين، موضحة أنها عندما رأت زوجها الأول أعجبت به، مشيرة إلى أنها رغم صغر سنها آنذاك كانت تجيد الطهي.
وبعد وفاة زوجها، بدأت شويكار البحث عن عمل، وتقدمت لاختبار في إحدى الشركات ونجحت فيه، إلا أن القدر كان يخبئ لها طريقًا مختلفًا تمامًا.
مصادفة صنعت نجمة
بعد وفاة زوجها الأول، كانت شويكار تستعد لبدء مرحلة جديدة في حياتها العملية، لكن لقاءها بالفنان الراحل محمود السباعي غيّر مسار حياتها.
فقد ساعدها "السباعي" على التعرف إلى الوسط الفني والمخرجين، لتبدأ في الحصول على فرص للظهور أمام الكاميرا، وتتجه بعيدًا عن الوظيفة التي كانت تستعد لها، وتفتح لنفسها بابًا إلى عالم السينما.
ومع الوقت، بدأت موهبتها تلفت الأنظار، لتصبح السينما محطتها الأولى نحو الشهرة، قبل أن تتوسع تجربتها لتشمل المسرح والتليفزيون والإذاعة.
مكتشف موهبتها الكوميدية
كان اكتشاف موهبتها في الكوميديا نقطة تحول رئيسية في مسيرتها، إذ استطاعت شويكار أن تثبت أنها تمتلك حسًا خاصًا في الأداء، وأنها قادرة على صناعة الكوميديا من خلال تعبيرات الوجه وطريقة إلقاء الحوار وحضور الشخصية.
ولم تحصر نفسها في قالب واحد، بل قدمت أدوارًا متنوعة بين الكوميديا والدراما، وهو ما ساعدها على الاستمرار والاحتفاظ بمكانتها لدى الجمهور.
وقدمت خلال مسيرتها السينمائية أكثر من 80 فيلمًا، من أبرزها "الزوجة 13"، و"آخر فرصة"، و"عروس النيل"، و"الباب المفتوح"، و"الرجال لا يتزوجون الجميلات"، و"الراجل ده حيجنني"، و"مراتي مجنونة مجنونة مجنونة"، و"أرض النفاق"، و"العتبة جزاز"، و"رضا بوند"، و"مدرسة المراهقين"، و"الكرنك"، و"الكداب"، و"سنة أولى حب"، و"القرش"، و"درب الهوى"، و"الطيب أفندي"، و"سعد اليتيم"، و"اليوم السادس"، و"بنت الباشا الوزير"، و"أمريكا شيكا بيكا"، وكان فيلم "كلمني شكرًا" عام 2010 آخر أفلامها السينمائية.
قصة حب بدأت بالمسرح
من أكثر الفصول حضورًا في سيرة شويكار علاقتها بالفنان فؤاد المهندس، التي بدأت من خلال العمل الفني، قبل أن تتحول إلى قصة حب وزواج.
التقى الثنائي خلال العمل في مسرح التلفزيون، ومع تكرار اللقاءات والتعاون الفني بدأت المشاعر تتشكل بينهما، حتى تحولت العلاقة إلى حب انتهى بالزواج.
وتحدثت شويكار عن هذه المرحلة في لقاءات تليفزيونية، موضحة أن فؤاد المهندس كان يبدو وكأنه يحمل لها مشاعر خاصة في البداية، بينما لم تكن تعرف بالتحديد متى تحولت العلاقة بينهما إلى حب.
ومع الزواج، أصبح الثنائي واحدًا من أشهر الشراكات الفنية في تاريخ الكوميديا المصرية، إذ قدما معًا أعمالًا تركت حضورًا خاصًا لدى الجمهور.
لم تكن الكيمياء بين شويكار وفؤاد المهندس مرتبطة بحياتهما الشخصية فقط، وإنما انعكست بقوة على أعمالهما الفنية.
وعلى خشبة المسرح، قدما مجموعة من الأعمال التي أصبحت علامات في تاريخ المسرح الكوميدي، من بينها "أنا وهو وهي"، و"أنا فين وأنتِ فين"، و"حالة حب"، و"حواء الساعة 12"، و"سيدتي الجميلة"، و"هالو دوللي"، و"إنها حقًا عائلة محترمة"، و"الزيارة انتهت"، و"روحية اتخطفت".
ونجح الثنائي في خلق حالة خاصة من التفاهم الفني، جعلت مشاهدهما وحواراتهما حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى بعد مرور سنوات طويلة على عرض أعمالهما.
رغم قصة الحب التي جمعت بينهما، انتهى الزواج بالانفصال، وهو القرار الذي تحدثت عنه شويكار بصراحة في أحد لقاءاتها التليفزيونية.
وأكدت أن قرار الطلاق لم يكن بسبب الفن، موضحة أن فؤاد المهندس كان داعمًا لها، وأسهم في حماية مسيرتها الفنية.
وأشارت إلى أنها كانت تحبه وتحترمه بشدة، لكنها شعرت في مرحلة معينة بأن الانفصال قد يكون الحل الأفضل للحفاظ على مشاعر الحب والاحترام التي تجمعهما، بدلًا من أن تتحول العلاقة مع الوقت إلى شيء مختلف.
وبحسب رؤيتها، كانت ترغب في الاحتفاظ بالصورة الجميلة لفؤاد المهندس في حياتها، ولذلك فضّلت إنهاء الزواج في الوقت الذي لا تزال فيه تحمل له كل هذا التقدير.
على الرغم من انتهاء الزواج، لم تنتهِ العلاقة الإنسانية بين شويكار وفؤاد المهندس، بل تحولت إلى صداقة استمرت لسنوات.
وكانت شويكار تؤكد أن الانفصال لم يجعلها تشعر بأنها خسرت، بل على العكس رأت أنها "كسبت صديقًا"، في إشارة إلى استمرار المودة والاحترام بينهما.
ولم تتوقف العلاقة عند الجانب الإنساني، إذ عادا للعمل معًا بعد الطلاق في عدد من المسرحيات والمسلسلات، واستمر التعاون بينهما قائمًا على التفاهم والثقة.
لم تتوقف مسيرة شويكار عند السينما والمسرح، بل كان لها حضور واسع على شاشة التليفزيون، حيث شاركت في عشرات المسلسلات، من بينها "مليون في العسل"، و"بين القصرين"، و"قصر الشوق"، و"كلام رجالة"، و"عفوًا وظيفة هانم"، و"اللعب في الوقت الضائع"، و"أولاد حضرة الناظر"، و"بيت الأزميرلي"، و"يوم عسل يوم بصل"، و"هوانم جاردن سيتي"، و"مرات جوزي"، وكان مسلسل "سر علني" عام 2012 آخر أعمالها التليفزيونية.
إلى جانب السينما والمسرح والتليفزيون، شاركت شويكار في عدد من الأعمال الإذاعية، من بينها "شنبو في المصيدة" و"دليلة والفك المفترس"، لتؤكد تنوع تجربتها وقدرتها على الانتقال بين وسائط فنية مختلفة.
وفي 14 أغسطس 2020، رحلت شويكار عن عالمنا عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد صراع مع المرض، لتنتهي رحلة فنانة تركت خلفها رصيدًا ضخمًا من الأعمال والشخصيات.
لكن رحيلها لم ينهِ حضورها؛ فما زالت شخصياتها وأعمالها حاضرة في وجدان الجمهور، وما زالت تجربتها مع فؤاد المهندس واحدة من أشهر قصص الحب والشراكة الفنية في تاريخ الفن المصري.