كانت الأغنية قديمًا تُبنى على قوة الصوت وصدق الإحساس، وليس على الشكل؛ ولذلك استطاع الفنان الشعبي المصري محمد عبد المطلب أن يصنع لنفسه مكانة لا تشبه أحدًا، فامتلك حنجرة قوية ونبرة متفردة جعلت صوته حاضرًا بمجرد أن يبدأ الغناء. لم يكن مجرد مطرب شعبي، بل أحد الذين أسهموا في تشكيل ملامح الأغنية المصرية، وتركوا وراءهم رصيدًا فنيًا لا يزال حاضرًا رغم مرور عقود على رحيله.
وفي ذكرى ميلاده في (13 أغسطس 1910)، تعود سيرة «ملك الأغنية الشعبية»، والتي صنع خلالها محطات فنية وإنسانية، بدأت من شغفه المبكر بالغناء، مرورًا بصعوده إلى عالم الاحتراف، وصولًا إلى أعمال خالدة مثل «رمضان جانا» و«ساكن في حي السيدة» وغيرها.
بدايات الرحلة
نشأ محمد عبد المطلب محبًا للغناء، كما حفظ القرآن الكريم في طفولته، قبل أن يجد نفسه مأخوذًا بأصوات المطربين والأسطوانات التي كان يستمع إليها في مقاهي بلدته.
ومع انتقاله إلى القاهرة، بدأ رحلة البحث عن فرصة في عالم الفن، فالتحق بفرقة الموسيقار داود حسني، وعمل «مذهبجي» يردد الأغنيات وراء الفنان، ثم انتقل إلى فرقة محمد عبد الوهاب، حيث شارك ضمن الكورس، ليقترب أكثر من أجواء الموسيقى والغناء، ويتعلم من كبار فناني عصره.
وفي عام 1932، كانت له تجربة مع مسرح بديعة مصابني، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة كمطرب مستقل، ويحقق انتشارًا لافتًا بأغنية «بتسأليني بحبك ليه»، من ألحان محمود الشريف.
صوت لا يُشبه سواه
كان صوت محمد عبد المطلب أبرز أسلحته الفنية؛ حنجرة قوية، ونبرة شعبية أصيلة، وطريقة أداء يصعب تقليدها، وهو ما جعله واحدًا من أكثر المطربين حضورًا وتأثيرًا في عصره.
وبمرور الوقت، أصبح عبد المطلب نموذجًا فنيًا يقلده عدد من أصحاب الموهبة في فن المونولوج، وكان المونولوجست سيد الملاح من أشهر من قدموا تقليدًا لصوته، في دليل على مدى انتشاره وتأثيره بين الجمهور والفنانين.
على مدار مسيرة امتدت من عام 1932 حتى عام 1980، قدم محمد عبد المطلب أكثر من 500 أغنية، تنوعت بين الشعبي والعاطفي والمواويل، ونجح من خلالها في التعبير عن تفاصيل الحياة ومشاعر الناس ببساطة وقرب.
ومن أشهر أعماله «اسأل مرة عليا»، و«الناس المغرمين»، و«حبيتك وبحبك»، و«ساكن في حي السيدة»، و«مابيسألش عليا أبدًا»، و«ودع هواك»، و«يا حاسدين الناس»، و«يا أهل المحبة».
رمضان جانا
ورغم تعدد أعماله، ارتبط اسم محمد عبد المطلب بشكل خاص بأغنية «رمضان جانا»، التي أصبحت أشهر أغنية مرتبطة بالشهر الكريم في الوطن العربي والعالم.
الأغنية من كلمات حسين طنطاوي وألحان محمود الشريف، وما زالت تُسمع مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، محتفظة بمكانتها في وجدان الجمهور، وكأن صوت عبد المطلب يعلن قدوم الشهر الكريم في موعده.
لم يحصر عبد المطلب موهبته في الغناء، وإنما خاض تجربة التمثيل وشارك في عدد من الأفلام، من بينها «علي بابا والأربعين حرامي»، و«كدب في كدب»، و«الصيت ولا الغنى»، و«ابن الحلال»، و«ليلة غرام»، و«5 شارع الحبايب».
كما دخل مجال الإنتاج السينمائي، وشارك في إنتاج عدد من الأعمال بالتعاون مع زوجته نرجس شوقي.
امتد تأثير محمد عبد المطلب إلى الأجيال التي جاءت بعده، إذ ارتبط اسمه بتقديم ودعم عدد من الأصوات التي أصبحت لاحقًا من أبرز نجوم الغناء الشعبي، ومن بينهم شفيق جلال ومحمد رشدي ومحمد العزبي.
وفي عام 1964، جاء تكريم الدولة لمسيرته، بعدما حصل على وسام الجمهورية من الرئيس جمال عبد الناصر، تقديرًا لما قدمه من إسهامات فنية.
حكاية ساكن في حي السيدة
تظل "ساكن في حي السيدة" واحدة من أكثر أغنيات محمد عبد المطلب ارتباطًا بسيرته الشخصية، إذ ارتبطت بحكاية تعود إلى أزمة مر بها في بدايات مشواره.
فخلال إحدى حفلاته في دار الأوبرا، واجه عبد المطلب موقفًا صعبًا عندما شعر بالارتباك أمام جمهور الحفل، قبل أن يفاجأ باختناق صوته وعدم قدرته على استكمال الغناء، لتنتهي الحفلة بإسدال الستار.
أصيب المطرب الكبير بعدها بحالة نفسية صعبة، وابتعد عن الغناء لفترة، بينما بدأت الشائعات تنتشر حول اعتزاله الفن.
وخلال تلك الفترة، وجد عبد المطلب في منطقة السيدة زينب ومسجد الإمام الحسين ملاذًا له، حتى استعاد صوته بشكل مفاجئ، ليعيش لحظة امتزجت فيها الفرحة بالدموع بعد انتهاء أزمته.
وفي عام 1960، قرر تحويل تجربته إلى أغنية، فكلف الشاعر زين العابدين بكتابة كلمات تعبر عن الحالة، فجاءت حكاية عاشق يسكن في حي السيدة، بينما يقيم حبيبه في حي الحسين، ويقطع المسافة بينهما مرتين كل ليلة.
وتولى الموسيقار محمد فوزي تلحين الأغنية، بعدما اقتنع بأن الكلمات تتناسب أكثر مع شخصية وصوت محمد عبد المطلب، لتخرج "ساكن في حي السيدة" إلى الجمهور وتصبح واحدة من أشهر بصماته الفنية.
في 21 أغسطس 1980، رحل محمد عبد المطلب عن عمر ناهز 70 عامًا، بعد رحلة طويلة مع الغناء امتدت لنحو نصف قرن.
لكن رحيله لم يكن نهاية حضوره؛ فصوته ما زال يتردد، وأغنياته لا تزال تعيش بين الأجيال؛ لتبقى تجربته واحدة من الصفحات المهمة في تاريخ الأغنية الشعبية المصرية، ويبقى محمد عبد المطلب نموذجًا لفنان استطاع أن يجعل من صوته هوية فنية لا تُنسى.