الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

صيف الجحيم يضرب أوروبا.. حرائق قياسية وأنهار تجف وطاقة مهددة

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

تعيش أوروبا صيفًا استثنائيًا تتداخل فيه الحرائق واسعة النطاق مع موجات الحرارة والجفاف، في مشهد بات يفرض ضغوطًا متزايدة على السكان والاقتصاد والبنية التحتية وقطاع الطاقة في أنحاء القارة.

ففي فرنسا وإسبانيا، التهمت حرائق ضخمة مساحات واسعة وأجبرت مئات الآلاف على مغادرة منازلهم، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء التي شهدتها الدولتان خلال فترات السلم. وفي مناطق أخرى من القارة، لم تكن المشكلة النيران، بل شُح المياه، بعدما انخفضت مستويات الأنهار الرئيسية إلى معدلات قياسية.

وفي نهر الدانوب، أحد أهم الشرايين المائية في أوروبا، أدى الانخفاض الحاد في منسوب المياه إلى ظهور بقايا سفن حربية ألمانية غرقت خلال الحرب العالمية الثانية، في مشهد يعكس حجم الجفاف الذي يضرب المنطقة.

الجفاف يهدد الطاقة

لم يعد نقص المياه أزمة بيئية فحسب، بل تحول إلى مشكلة تمس أمن الطاقة الأوروبي. ومع انخفاض مناسيب الأنهار وارتفاع درجات حرارة المياه، تواجه محطات الطاقة، وعلى رأسها المحطات النووية، صعوبات متزايدة في الحصول على كميات كافية من مياه التبريد.

وفي بعض الحالات، وصلت الأزمة إلى حد اضطرار السلطات إلى تفجير أجزاء من قيعان الأنهار للمساعدة في إعادة توجيه المياه نحو منشآت نووية تحتاج إلى التبريد.

وفي المجر، دفعت أزمة المياه السلطات إلى إيقاف محطة باكس النووية، التي تمثل مصدرًا لنحو نصف الكهرباء التي تنتجها البلاد، في خطوة تعكس حجم التداعيات التي يمكن أن يخلفها الجفاف على منظومة الطاقة.

كما أدى الطقس الحار والجاف إلى الضغط على إنتاج الطاقة الكهرومائية وشبكات الكهرباء، ودفع أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة عادة ما ترتبط بأشهر الشتاء.

ولم تسلم حركة التجارة والنقل من تداعيات الجفاف. فقد تراجعت مستويات المياه في نهر الراين إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1880، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وإجبار سفن الشحن على تقليص حمولاتها أو اللجوء إلى سفن أصغر.

ويعد الراين أحد أهم الشرايين التجارية في أوروبا، إذ ينقل عادة قرابة 300 مليون طن من البضائع سنويًا.

ويعني انخفاض منسوب النهر أن المصانع قد تواجه صعوبة في شحن منتجاتها أو الحصول على المواد الخام والإمدادات اللازمة للإنتاج، ما قد يؤدي إلى تأخيرات وخسائر اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة.

البنية التحتية تنهار

وتكشف موجات الحر المتكررة أيضًا مدى عدم استعداد كثير من البنية التحتية الأوروبية للتعامل مع عالم ترتفع حرارته بوتيرة متسارعة.

ففي ألمانيا، تسببت درجات الحرارة الشديدة في تضرر خطوط السكك الحديدية، بعدما أدى ارتفاع الحرارة إلى تشوه الأسفلت والمواد المستخدمة في البنية التحتية للقطارات، ما أعاق حركة النقل في بعض المدن.

ويرى خبراء أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل بأن معظم البنية التحتية الحديثة صممت وفق ظروف مناخية أصبحت تختلف بصورة متزايدة عن الواقع الحالي.

فاتورة اقتصادية ثقيلة

وتتزايد تكلفة الظواهر المناخية المتطرفة على أوروبا بصورة سريعة. ووفق تحليل نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، تجاوزت تكلفة حرائق الغابات في الدول الأوروبية الخمس الأكثر تضررًا 3 مليارات دولار.

كما قدرت خسائر موجة الحر التي ضربت أوروبا في يونيو وحده بأكثر من ملياري دولار من محصول الحبوب في القارة.

أما الثمن البشري فكان أكثر قسوة، إذ شهدت أوروبا أكثر من 10 آلاف وفاة إضافية خلال موجة الحر الشديدة التي ضربت القارة، وكان معظم الضحايا من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا.

ويحذر علماء المناخ من أن هذه الأحداث لا يمكن النظر إليها باعتبارها ظواهر استثنائية عابرة، بل تأتي في سياق اتجاه عالمي متسارع نحو ارتفاع درجات الحرارة.

القارة الأسرع احترارًا

تعد أوروبا أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، بينما شهدت السنوات الأخيرة مستويات قياسية من الحرارة على نطاق عالمي.

كانت السنوات الإحدى عشرة الماضية الأكثر حرارة على الإطلاق وفق البيانات المشار إليها في التقرير، في حين سجلت درجات حرارة سطح المحيطات مستويات قياسية، ووصلت درجات الحرارة في مناطق من القطب الشمالي إلى أكثر من 90 درجة فهرنهايت (32.2 درجة مئوية- سيلزيوس).

وفي فرنسا، سجلت مدينة بوردو خلال عام 2026 وحده عددًا من الأيام التي تجاوزت فيها الحرارة 104 درجات فهرنهايت يفوق ما شهدته خلال قرن كامل، بحسب البيانات الواردة في التقرير.

وأكد علماء أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري وحرق الوقود الأحفوري أسهم في زيادة حدة الظروف الحارة والجافة التي غذت حرائق الغابات في فرنسا وإسبانيا، وحولت أجزاء واسعة من أوروبا إلى بيئة شديدة القابلية للاشتعال.