كشفت برقيات دبلوماسية ووثائق مُسرَّبة أن بريطانيا أوقفت، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مشروعًا لاستعادة كنز ذهبي تُقدَّر قيمته الحالية بنحو 5.5 مليار جنيه إسترليني، يُعتقَد أنه غرق مع سفينة البحرية الملكية إتش إم إس ساسكس قبالة جبل طارق عام 1694.
كنز غارق
وبحسب صحيفة «ذا تليجراف» البريطانية، تراجع الوزراء عن محاولة انتشال الحطام، رغم اعتقادهم بأنه تابع لسفينة حربية بريطانية؛ خشية أن يؤدي المشروع إلى تأجيج الخلاف مع إسبانيا، التي كانت تعترض على عمليات البحث؛ بسبب مطالبتها بجبل طارق والمياه المُحيطة به.
وتُظهر الوثائق أن بريطانيا كانت قد وقّعت اتفاقية مع شركة أوديسي مارين إكسبلوريشن الأمريكية لتحديد موقع الحطام واستخراجه، وتقاسم أي كنز يُعثَر عليه، قبل أن يتحول المشروع سريعًا إلى نزاع دبلوماسي مع مدريد.
وتُشير الأبحاث إلى أن السفينة كانت تحمل ما يصل إلى 10 أطنان من العملات الذهبية المخصصة لفيكتور أماديوس الثاني، دوق سافوي، لتمويل حملته ضد الملك لويس الرابع عشر خلال حرب السنوات التسع مع فرنسا.
وبحسب التقديرات الواردة في الوثائق، فإن قيمة الكنز، إذا عُثِر عليه اليوم، يمكن أن تصل إلى 5.5 مليار جنيه إسترليني، وهو ما سيجعل إتش إم إس ساسكس واحدة من أكثر حطام السفن قيمة على الإطلاق.
موقع الحطام
بعد ثلاث سنوات من البحث، باستخدام السونار والمركبات التي يتم تشغيلها عن بُعد، أعلنت شركة أوديسي مارين إكسبلوريشن، عام 2001، أنها متأكدة بنسبة 99 بالمائة من تحديد موقع إتش إم إس ساسكس.
وقالت الشركة إن الحطام يقع على عُمق 821 مترًا تحت سطح البحر في غرب البحر الأبيض المتوسط، قبل أن تدخل في اتفاق مع الحكومة البريطانية لتحديد موقعه واستخراجه وانتشاله، وتقاسُم أي كنز يتم العثور عليه.
لكن المشروع واجه سريعًا اعتراضات إسبانية، إذ طالبت مدريد بسلطة على المياه المحيطة بجبل طارق، رغم أن إتش إم إس ساسكس سفينة حربية بريطانية، وبالتالي فإن الحطام يُعَد ملكية بريطانية.
وسعت إسبانيا إلى عرقلة العملية؛ لأنها تتمسك بمطالبة غير مُعترَف بها بجبل طارق، كما اعتقدت أن الحطام ربما يكون جزءًا سفنها، رغم عدم وجود أي دليل على ذلك.
خلاف مدريد
تكشف برقيات دبلوماسية أمريكية سرية سابقة، نشرها موقع ويكيليكس، أن مسؤولين بريطانيين اشتكوا سرًا من أن النزاع حول المشروع بدأ يضر بالعلاقات الأوسع بين لندن ومدريد.
وفي إحدى البرقيات، حذرت السيدة دينيس هولت، التي كانت آنذاك نائبة رئيس البعثة في السفارة البريطانية في مدريد، من أن نزاع أوديسي يُمثّل «تهديدًا غير ضروري» لعلاقة بريطانيا مع إسبانيا.
وقالت البرقية إن المسؤولين البريطانيين كانوا يعتزمون مراجعة اتفاق بريطانيا مع شركة أوديسي، في محاولة «لإنهاء» العقد، مع رفع تقرير إلى لندن بشأن تأثير الجدل على العلاقات الثنائية، وكذلك على قضايا جبل طارق.
ضغط إسباني
مع غياب الدعم الحكومي البريطاني، توقف المشروع وانتهت الاتفاقية المُوقَّعة مع شركة أوديسي، لتغلق بذلك الطريق أمام مهمة استعادة الحطام والكنز الذي يُعتقَد أنه كان على متن السفينة.
وأثبتت صحيفة «ذا تليجراف» لأول مرة أن موقع الحطام يقع شرق جبل طارق، في مياه لم تطالب بريطانيا رسميًا بالسيادة عليها.
ويسمح القانون الدولي للدول الساحلية بالمطالبة بما يصل إلى 12 ميلًا بحريًا من المياه الإقليمية، لكن بريطانيا لطالما حددت المياه الإقليمية لجبل طارق عند ثلاثة أميال بحرية فقط.
وقال نيل كانينجهام دوبسون، عالم الآثار البحرية في المشروع، إن زوارق الدورية الإسبانية كانت «تُرهب» العاملين في محاولة الإنقاذ، مضيفًا أن زورقًا كان يصل ويوقفهم ويطلب رؤية جوازات سفرهم ثم يغادر.
وقال توم ديتويلر، أحد مديري المشروع، إن شركة أوديسي حثت بريطانيا مرارًا على توسيع نطاق مطالبتها البحرية حول جبل طارق، لكن أُبلغت بأن الوزراء لا يريدون استفزاز إسبانيا.
قال ديتويلر إن وضع جبل طارق كان حساسًا للغاية بين بريطانيا والمنطقة، مضيفًا أن الحكومة لم ترغب في التسبب في حادث كبير، ولذلك تراجعت باستمرار عن توسيع المطالبة البحرية.
رحلة السفينة
وكانت "إتش إم إس ساسكس" فخر البحرية الملكية للملك ويليام الثالث، عندما أبحرت من بورتسموث عام 1694 على رأس أسطول من 214 سفينة.
كان الأسطول مُتجهًا إلى البحر الأبيض المتوسط لدعم حلفاء إنجلترا في حرب السنوات التسع، وبعد رُسوّ السفينة في جبل طارق، ضربت عاصفة عنيفة الأسطول في فبراير 1694، وغرقت إتش إم إس ساسكس مع فقدان جميع أفراد طاقمها البالغ عددهم 550 شخصًا، باستثناء اثنين.
كان الناجيان الوحيدان من أفراد الطاقم اثنين من شمال إفريقيا قفزا من السفينة قبل لحظات من اختفائها تحت الأمواج.
واستثمرت شركة أوديسي ملايين الدولارات في البحث عن الحطام، بعدما كشف الباحثون عن أدلة تشير إلى أن "إتش إم إس ساسكس" ربما كانت تحمل ثروة من الكنوز.