مع إعلان حركة "أنصار الله" اليمنية، 20 يوليو 2026، فرض حصار بحري على حركة الملاحة السعودية بالبحر الأحمر وعبر باب المندب، توالت التطورات في المشهد اليمني مع وقوع احتكاكات على خطوط التماس بين قوات الحكومة الشرعية وعناصر الحوثيين بالتزامن مع ضربات جوية استباقية من قبل الحكومة على مواقع لتخزين الصواريخ والمسيّرات والذخائر. وفي موازاة خطاب حوثي حمَل المملكة العربية السعودية مسئولية تردي الأوضاع في مناطق سيطرته والتهديد باستهداف الملاحة السعودية تحت غطاء حماية السيادة والثروات، كانت القيادة اليمنية تبشر باستئناف تصدير النفط بعد 4 سنوات من التوقف جراء استهدافات حوثية لمنشآت التصدير، وهو ما ترافق مع محاولات تسلل إحبطتها القوات الشرعية في حضر موت استهدفت تنفيذ عمليات تخريبية تستهدف البنية التحتية النفطية.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي أبرز تطورات التصعيد في الداخل وتقيييم فرص عودة التصعيد في المشهد اليمني.
مقدمات التصعيد
برزت تطورات ميدانية وسياسية عديدة، خلال شهر يوليو 2026 وتعززت خلال الأيام الأخيرة في الداخل اليمني، ما يمكن استعراضه على النحو التالي:
(*) خطاب استعادة الدولة: برزت تحولات عدة في معسكر الحكومة اليمنية الشرعية عقب إحباط تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر ويناير الماضيين، ما مهد الطريق لإعادة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي وتعزيز التكامل بين التشكيلات العسكرية. وبالتزامن مع تحركات عسكرية لافتة لصد الخروقات الحوثية، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، في بيان للشعب 20 يوليو 2026، مكونات الشعب اليمني للالتفاف حول القوات المسلحة ضمن معركة "استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي"، مضيفًا أن "الوقت قد حان لإنهاء المعاناة التي صنعتها ميليشيا الحوثي الإرهابية". خطاب العليمي بدى تعبويًا استهدف حشد الشرعية لمعركة استعادة الدولة وانتظار أي تغير جوهري في الموقف لإطلاق معركة حاسمة ضد الحوثيين، معلنًا العمل على استئناف تصدير النفط للوفاء بالتزامات الرواتب وتحسين الخدمات العامة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وبالتزامن مع تلك التطورات جاء التعديل الوزاري المحدود بتعيين أفراح الزوبة، أواخر يوليو 2026، وزيرة للخارجية وشؤون المغتربين، بعدما ظل المنصب لأكثر من عامين في عهدة شايع الزنداني الذي تولى المنصب في حكومتي أحمد عوض بن مبارك وسالم بن بريك ومع تكليفه رئيسًا للوزراء، لضفي طابعًا من الاستقرار والرغبة في تحريك ملف السياسة الخارجية ليتواكب مع أولويات المرحلة ممثلة في "تثبيت الرواية الوطنية في مواجهة حملات التضليل الحوثي" وتعزيز دور البعثات الدبلوماسية في حشد الدعم السياسي والاقتصادي للجمهورية اليمنية و"إسناد جهود استعادة الدولة".
(*) تطورات ميدانية: شهدت الساحة الميدانية تحركات متعددة سبقت محاولات هبوط طائرة خطوط "ماهان" الإيرانية في مطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرة الحوثيين وإعلان قصف الجيش اليمني لمدرج الطائرات بعد تدمير الحوثيين لأسطول طائرات الخطوط الجوية اليمنية. شملت التطورات قصفًا جويًا يمنيًا على محور إب-تعز-الضالع استهدف مستودعات صواريخ وذخائر بمنطقة حبيل السماعي وتجمع تعزيزات وآليات عسكرية للحوثيين في منطقة نقيل الخشبة.
كما أظهرت تطورات الأسابيع الأخيرة تراجع الحاضنة الشعبية للحوثيين في محافظة إب وفشل جهود تعبئة وحشد المقاتلين من أبناء المحافظة، بالتزامن مع الدفع المبكر بدفعات جديدة من المجندين بعد تلقي تدريبات سريعة في معسكر اللواء 55 بمدينة يريم إلى جبهات دمت والعود، فضلًا عن الدفع بعناصر أمنية من مديريات جبن ودمت والحشاء إلى خطوط التماس مع قوات الحكومة الشرعية في المناطق الفاصلة بين محافظتي الضالع وإب. وترافقت تلك التطورات في المعسكر الحوثي مع استحداث عشرات نقاط التفتيش على تقاطعات الطرق الرابطة بين مديريات يريم والنادرة والسدة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى وجود مواجهات على مختلف محاور التماس فيما يبدو محاولة حوثية لاختبار مدى جاهزية قوات الحكومة الشرعية وثغرات الخطوط الأمامية ومحاور القتال الرابط بين المحافظات اليمنية؛ إذ أعلن المركز الإعلامي لمحور تعز (التابع للحكومة اليمنية الشرعية) مقتل 5 عناصر حوثية في إحباط لمحاولة تسللهم إلى مواقع الجيش في جبهة جبل هان الإستراتيجي غرب محافظة تعز. وأحصى تقرير لموقع "يمن مونيتور" المحلي مقتل 93 عنصرًا حوثيًا موزعين بين جنود ورتب عسكرية مختلفة بالتنظيم، استنادًا لبيانات التشييع التي نشرتها وسائل إعلام تابعة للجماعة خلال شهر يوليو، في ظل تصعيد ممتد على محاور صعدة ولحج وتعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب.
وعلى صعيد متصل، برزت عمليات اغتيال في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية باغتيال قائد اللواء الرابع في الفرقة الثانية بقوات درع الوطن، أبو العز أسامة الردفاني، مطلع أغسطس 2026، على الطريق الرابط بين الوديعة والعبر بمحافظة حضر موت الغنية بالنفط، بالتزامن مع إعلان الفرقة الأولى بقوات الطوارئ التابعة للحكومة الشرعية، 3 أغسطس الجاري، إلقاء القبض على (علي عبد الله الصعيري والمُسمى حركيًا بـ"أبو زامل") أحد قادة أمن واستخبارات جماعة الحوثي وضبط معمل لتصنيع متفجرات ومعدات عسكرية وكميات من المواد المخدرة ضمن عملية نوعية بمديرية العبر في محافظة حضر موت، وأشار بيان الإعلام العسكري للفرقة إلى أن منزل القيادي الحوثي كان يُؤوي عناصر تابعة للجماعة للتخطيط لعمليات اغتيال واستهداف منتسبي قوات الحكومة الشرعية واستهداف خطوط الإمداد بالمنطقة، التي تربط محافظات شبوة ومأرب والجوف إلى جانب حضر موت.
(*) تبديل الجبهات: أفادت وكالة رويترز، 30 يوليو 2026، بأن الهجمات التي استهدفت منشآت النفط في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية نفذها الحوثيون انطلاقًا من الأراضي العراقية بالتنسيق مع الميليشيات الموالية لإيران. ويشير التصعيد الحوثي إلى الرغبة في تعظيم كلفة التصعيد مع الرياض بما يشمل استهداف حركة الملاحة السعودية دون اللجوء إلى الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب.
إعلاميًا ركزت خطابات ومداخلات الجماعة وقيادتها على تحميل المملكة العربية السعودية مسؤولية الأوضاع داخل مناطق سيطرتها وهمًشت في المقابل معسكر الحكومة الشرعية رغم تركيز كلمة زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، 30 يوليو 2026، على مفردات مثل "السيادة" و"الشعب/ شعبنا" التي ذُكرت عشرات المرات في ذلك الخطاب. وعلى الجانب الآخر مثلت محاولة استهداف الملاحة السعودية استنساخًا لنموذج السيطرة الانتقائية في مضيق هرمز.
محفزات التصعيد
على مدار 12 عامًا حافظ الحوثيون على تحالفات قبلية في شمال غرب اليمن بالتوازي مع الغطاء المذهبي الزيدي الذي منح أفقًا لتوظيفه في الحشد والتعبئة لطيف واسع من المحافظات الشمالية كثيفة السكان، إلا أن جهود الاحتواء التي جاءت بالمكافآت تارة والضغط والترهيب تارةأخرى لم تُخفِ تراجع حضور المشروع الحوثي مع نقص التمويل والضجر من إجراءات وتضييقات الجماعة في مناطق سيطرتها.
(-) الضغوط الاقتصادية والاجتماعية: رغم إعلان زعيم الجماعة التعبئة استعدادًا لأي تصعيد مقبل، يونيو 2026، إلا أن ضغوطًا اجتماعية واقتصادية حدت من الاستجابة لتلك الدعوات وأبرزت ازياد الأوضاع سوءًا في الداخل اليمني عمومًا، ومناطق سيطرة الحوثيين على وجه الخصوص؛ فمن جهة شهد اليمن حركة نزوح متزايدة خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر يوليو 2026 من منطقة لأخرى داخل نفس المحافظة أو من محافظة لأخرى بدوافع أمني واقتصادية، حسب بيانات منظمة الهجرة الدولية.
وتشير البيانات إلى نزوح 79 أسرة من محافظات الحديدة والجوف وتعز وعدن باتجاه مناطق آمنة في محافظات مأرب والحديدة وتعز والضالع وعدن، من بينها 18 أسرة نزحت بدوافع اقتصادية بنسبة 22%، بينما بلغ إجمالي عدد الأسر النازحة لدوافع أمنية (نتيجة المواجهات ووقوع مناطقها على خطوط التماس بين الحكومة والحوثيين) نحو 54 أسرة بنسبة 68%، مقابل 7 أسر نزحت نتيجة لكوارث طبيعية.
ورغم الجدال الذي أحدثته تصريحات رئيس حكومة الحوثيين محمد مفتاح، حول انتشار الجوع في مناطق سيطرة الجماعة، إلا أن كلمة زعيم الجماعة عبدالملك بدر الدين الحوثي، 16 يوليو 2026، أقرت ضمنًا باضطرار اليمنيين في مناطق سيطرته لأكل أوراق الشجر، مبررًا ذلك بما وصفه بـ"الحصار".
وعلى الصعيد الاقتصادي والدولي، أدى انتهاء عمل البعثة الأممية في الحديدة، مارس 2026، وضعف التمويل الإنمائي والإغاثي الأمريكي لمؤسسات الغوث الدولية لمفاقمة الأوضاع في اليمن جراء معاناة 5 ملايين مواطن من النزوح واللجوء، بالتوازي مع استمرار أزمة عدم صرف رواتب نحو مليون موظف حكومي بمناطق سيطرة الحوثيين، ما أعاد للواجهة الثروات النفطية الكامنة في شرق البلاد كأحد أبرز أهداف التصعيد الحوثي المحتمل بعدما أدت قصف الجماعة لموانئ التصدير إلى توقف تصديره أكتوبر 2022.
(-) انحسار الدور: ربطت جماعة الحوثي دورها بالقضية الفلسطينية والفصائل الموالية لإيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن توقف الحرب على غزة والتوصل لتفاهم غير مكتوب مع الولايات المتحدة على وقف إطلاق النار بعد نحو شهر من الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت قيادات عسكرية وحكومية تابعة للجماعة، أدت لانكفاء الدور الإقليمي للجماعة، خاصة مع وقوعها بعيدًا عن سلاسل الإمداد البرية واتساع نطاق العبء الواقع عليها جراء تضرر مكانة "حزب الله" اللبناني وقدراته العسكرية واللوجستية كقائد للمحور.
ويدفع ذلك الموقف لمحاولة توظيف الحوثيين التصعيد ضد المملكة العربية السعودية في إطار السيطرة الانتقائية على مضيق باب المندب واستنساخ التجربة الإيرانية في مضيق هرمز عبر إنشاء كيان إداري للتحكم في الملاحة وفرض رسوم على تدفق التجارة والنفط عبره.
وإجمالًا؛ تمثل عودة التصعيد بين الحوثيين والحكومة الشرعية وتحوله إلى مواجهة شاملة وحاسمة في منظور كلا الطرفين احتمالًا قائمًا في ظل بروز البعد الدولي في معادلة الصراع ورغبة العديد من دول العالم المستورد للطاقة في تجنب إعاقة الممر الملاحي الحيوي أو استهداف ما تبقى من منصات ومنشآت إنتاج النفط.
وفي البعد السياسي تراجعت مكانة الحوثيين داخل مناطق سيطرتهم مع فقدان البوصلة الإستراتيجية ممثلة في تداعي محور إيران وتراجع تأثيرهم على الموارد الاقتصادية، التي مكنتهم من الاستمرار رغم تصاعد الكلف الاجتماعية والاقتصادية بالداخل، فضلًا عن بروز خلافات قبلية لا تزال محدودة لكنها قد تشهد تحولًا مع اشتداد الصراع.