على ضفاف بيروت، يستلقي المرفأ المنكوب منذ ست سنوات، وعلى جدران البيوت المطلة عليه لا يزال صوت انفجار الرابع من أغسطس 2020، يدوي في الآذان ومحفورًا على جرانها التي لم ترمم، فلم يكن مجرد حادث في سجل النكبات اللبنانية، بل زلزالًا إنسانيًا وسياسيًا وأخلاقيًا، وبينما تتراوح العدالة بين القضاء والسياسة، يتشبث أهالي الضحايا بأمل أن الحقيقة مهما طال ليلها ستشرق يومًا ما.
حي لم يتعافَ
في شوارع مار مخايل والجميزة، قد يبدو المشهد وكأن "الحياة قد عادت إلى المنطقة التي شهدت الكارثة"، لكن الجدران لا تزال تحمل ندوب الانفجار، الذي فُقد فيه نحو 220 شخصًا، وآلاف أُصيبوا أو شردوا، وأحياء بأكملها تضررت بشكل لا يمكن نسيانه.
وأعلنت الرئاسة اللبنانية تنكيس العلم اللبناني فوق قصر بعبدا الرئاسي، اليوم الثلاثاء، حدادًا على أرواح ضحايا الانفجار الذي هز مرفأ بيروت، بالتزامن مع الذكرى السنوية السادسة للكارثة، التي صُنفت ضمن أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث.
وشهدت العاصمة بيروت إجراءات أمنية استثنائية مع تنظيم مسيرات وتحركات شعبية لأهالي الضحايا والجرحى لإحياء الذكرى.
تشغيل المرفأ
كشف مدير عام مرفأ بيروت، مروان النفي، عن خطوات متسارعة لإعادة التشغيل الكامل للمرفأ، مؤكدًا أن محطة الحاويات تعمل حاليًا بكامل طاقتها التشغيلية بنسبة 100%.
وأوضح النفي، في حديثه إلى "القاهرة الإخبارية"، أن مجلس الإدارة الجديد بدأ، منذ توليه مهامه قبل أشهر، إزالة الردميات والسيارات المتضررة وتنظيف الساحات، بالتعاون مع هيئة الجمارك والجهات المعنية.
وأضاف أن هذه الأعمال تهدف إلى إعادة تفعيل جميع المساحات وتجهيزها للعمل، تمهيدًا لاستعادة النشاط الكامل داخل المرفأ، وأن التوقعات تشير إلى تجاوز حجم العمل مليون حاوية خلال عام 2026، بما يعيد حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل كارثة أغسطس 2020.
وأكد أن هذه التطورات تعزز الدور المحوري والإقليمي لمرفأ بيروت، الذي يمتد تاريخه لأكثر من 139 عامًا.
مسار التحقيق
أفاد مصدر قضائي، في وقت سابق، لـ"وكالة الصحافة الفرنسية"، بأن المحقق العدلي القاضي طارق البيطار اختتم تحقيقاته أواخر مارس، بعد سنوات من التعثر السياسي.
وأوضح المصدر أن البيطار ادعى على نحو سبعين شخصًا من سياسيين وقادة أمنيين وعسكريين وموظفين حاليين وسابقين، قبل إحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية.
وتتولى النيابة العامة التمييزية دراسة الملف وإعداد مطالعتها، قبل إعادته إلى المحقق العدلي لإصدار قراره الظني.
المرحلة المقبلة
لا يزال الملف لدى النيابة العامة التمييزية، ولا يوجد أي موقوفين حاليًا على ذمة القضية في لبنان، إذ قال وزير العدل عادل نصار، على هامش مشاركته في الوقفة التكريمية، وفق "وكالة الصحافة الفرنسية"، إن المحامي العام التمييزي يعكف على إعداد مطالعته.
وأضاف أن الملف يُتوقع أن يعود خلال مهلة تتراوح بين ستين وتسعين يومًا إلى قاضي التحقيق، الذي سيصدر قراره الاتهامي تمهيدًا لانطلاق المحاكمة.
أكد وزير العدل عادل نصار أن من حق الضحايا واللبنانيين، في مواجهة جريمة بهذا الحجم، أن تظهر الحقيقة وتتحقق العدالة.
تعثر القضية
وقال الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان صدر أمس الاثنين، إن إصدار القرار الظني أصبح "ضرورة لا تحتمل مزيدًا من الانتظار"، فيما شدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، في منشور على منصة "إكس"، الاثنين، على أنه "لا تسوية على حساب العدالة.. ولو تأخرت أحيانًا".
وجُمدت القضية لأكثر من ثلاث سنوات بسبب دعاوى قضائية متلاحقة وصلت إلى 43 دعوى، إذ شهد التحقيق منذ عام 2023 تعثرًا سياسيًا، بعدما قاد حزب الله حملة للمطالبة بتنحي القاضي طارق البيطار، الذي واجه لاحقًا عشرات الدعاوى الرامية إلى كف يده عن الملف.
وفي يناير 2023، وبعد صمت طويل، أصدر القاضي البيطار دراسة قانونية أعلن فيها أنه لا يمكن مخاصمته أو ردّه عن التحقيق، مؤكدًا عزمه على المضي قدمًا، رد الفعل جاء سريعًا من القاضي السابق غسان عويدات الذي اتهمه بـ"انتحال الصفة"، وأصدر بحقه مذكرة منع من السفر وقرارًا بالإفراج عن 17 موقوفًا في القضية.
واستأنف البيطار عمله مطلع عام 2025، بعد انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، وتشكيل حكومة جديدة، وإجراء تشكيلات قضائية.
ملفات لم تحسم
من بين الشخصيات التي خضعت للاستجواب، رئيس الوزراء السابق حسان دياب، ووزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق، وقائد الجيش السابق العماد جان قهوجي، واللواء عباس إبراهيم، واللواء طوني صليبا، في المقابل، امتنع عن المثول بعض المتهمين، مثل النائبين الحاليين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، إضافة إلى القاضي غسان عويدات.
ورغم ذلك، لم يتخذ البيطار أي قرارات بعد بحق من استجوبهم، وقرر تأجيل ذلك إلى ما بعد صدور القرار الظني، المتوقع قبل نهاية العام الحالي.
ويبدو أن انتخاب الرئيس جوزاف عون أعاد بعض الزخم للتحقيقات، بعد أن أعلن صراحة دعمه لاستكمال المسار القضائي، ما شجع النيابة العامة التمييزية على العودة للتعاون مع القاضي البيطار، وتعتبر هذه الخطوة بداية لإزالة بعض العقد التي عطّلت الملف لسنوات.
ولا يزال الملف مفتوحًا، وأهالي الضحايا يترقبون صدور القرار الاتهامي كخطوة أولى نحو العدالة، وبعد 6 أعوام مرت على الانفجار باتت الحقيقة قريبة، لكنها ليست مضمونة.