وجد آلاف البحارة المدنيين أنفسهم عالقين في قلب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز وتصاعد الهجمات العسكرية إلى تحويل أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى منطقة نزاع مفتوحة، فيما لا يزال عدد من أطقم السفن محتجزين لدى السلطات الإيرانية منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وسط جهود دبلوماسية متواصلة للإفراج عنهم.
وسلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على معاناة ما وصفته بـ"الأسرى المنسيين" للحرب، مشيرة إلى أن هؤلاء البحارة ليسوا أطرافًا في الصراع، لكنهم أصبحوا ضحايا مباشرين له، في وقت تراجعت فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مستويات غير مسبوقة، ما انعكس على التجارة العالمية وأمن الطاقة.
احتجاز مستمر
يعيش نحو 24 بحارًا على متن سفينة الحاويات إم إس سي فرانشيسكا (MSC Francesca) شهرهم الرابع تحت رقابة الحرس الإيراني، بعدما صادرت طهران السفينة في 22 أبريل أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز.
ويضم الطاقم بحارة من الجبل الأسود وإندونيسيا والفلبين ودول أخرى، ولا يُسمح لهم سوى باستخدام الإنترنت لمدة نصف ساعة كل عدة أيام، بينما يظل موعد الإفراج عنهم مجهولًا.
ولا تمثل فرانشيسكا سوى جزء من أزمة أوسع، إذ تشير تقديرات المنظمة البحرية الدولية إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير، وما أعقبها مباشرة من إغلاق طهران لمضيق هرمز، أدى إلى احتجاز نحو 1500 سفينة وما يقرب من 20 ألف بحار داخل الخليج.
ورغم تمكن عدد كبير من السفن لاحقًا من مغادرة المنطقة خلال فترات هدوء نسبي، لا يزال نحو ستة آلاف بحار عالقين في الخليج، يواصلون أعمال الصيانة ومراقبة الشحنات وتشغيل السفن، دون وجود طريق آمن للعودة إلى بلدانهم.
ممر خطير
ووفق تقرير الصحيفة الأمريكية، تحول مضيق هرمز، الذي كان قبل الحرب يشهد عبور نحو 130 سفينة يوميًا، إلى ممر عالي الخطورة، إذ انخفض عدد السفن العابرة أخيرًا إلى ما يزيد قليلًا على 12 سفينة يوميًا، بحسب بيانات حركة الملاحة.
وأدى فرض إيران سيطرتها على المضيق واستهدافها عددًا من السفن إلى ردود عسكرية أمريكية، بينما امتد الصراع إلى البحر الأحمر ومناطق أخرى، ما زاد المخاطر التي تواجه السفن التجارية.
ومنذ اندلاع الحرب، قُتل 17 بحارًا مدنيًا في 63 هجومًا تعرضت لها سفن قرب مضيق هرمز، فيما نُسبت معظم الوفيات إلى هجمات إيرانية، بينما قُتل ثلاثة بحارة إثر استهداف البحرية الأمريكية لإحدى السفن في يونيو.
كما تعرضت سفن في البحر الأحمر لهجمات شنها الحوثيون، في حين شهد أحد الموانئ المصرية الأسبوع الماضي انفجارًا أدى إلى اشتعال النيران في سفينتين، في مؤشر على اتساع رقعة المخاطر البحرية في المنطقة.
جهود الإفراج
تقود بنما، التي ترفع فرانشيسكا علمها، المفاوضات الرامية إلى الإفراج عن السفينة وطاقمها، بينما أكدت سفيرة بنما لدى المنظمة البحرية الدولية وجود "تحسن محدود" في سير المحادثات، دون الكشف عن تفاصيل قد تؤثر في المفاوضات.
كما أعلنت وزارة الخارجية الكرواتية الإفراج عن بحارين كرواتيين كانا على متن السفينة، فيما أكد ممثل لنقابة البحارة الكروات أن أفراد الطاقم كانوا يحصلون على الغذاء بصورة كافية، إلا أن استخدامهم للهواتف ووسائل الاتصال تقلص تدريجيًا مع استمرار احتجازهم.
وفي سويسرا، حيث يقع مقر شركة إم إس سي للنقل البحري (MSC Mediterranean Shipping Company) المالكة للسفينة، أكدت الحكومة أنها تستخدم القنوات الدبلوماسية للمساعدة في تأمين الإفراج عن السفينة، من دون تقديم تفاصيل إضافية.
وفي اليوم نفسه الذي احتُجزت فيه فرانشيسكا، صادرت إيران أيضًا سفينة الحاويات إيبايمينونداس (Epaminondas) التابعة لأسطول الشركة نفسها بموجب عقد تأجير، والتي ترفع علم ليبيريا، فيما تمكن عدد من البحارة الفلبينيين الموجودين على متنها من المغادرة لاحقًا، وخضعوا لفحوص طبية ونفسية بعد الإفراج عنهم.
ظروف قاسية
حذر الاتحاد الدولي لعمال النقل من تدهور الأوضاع الإنسانية للبحارة العالقين، مؤكدًا أن كثيرين منهم يشعرون بأنهم "متروكون دون حماية"، وأن الأزمة أثرت بصورة كبيرة في أوضاعهم المالية والنفسية.
وأشار ممثل الاتحاد في المنطقة العربية وإيران إلى أن بعض البحارة يعتمدون على وجبة واحدة يوميًا تتكون من الأرز والعدس بسبب محدودية الإمدادات، بينما ينام آخرون بملابسهم تحسبًا لأي هجوم مفاجئ يستدعي إخلاء السفينة بسرعة.
ورغم أن القوانين البحرية تسمح للبحارة بطلب مغادرة السفن والعودة إلى أوطانهم عبر موانئ قريبة، فإن تنفيذ ذلك يظل نادرًا، بسبب الحاجة إلى موافقات سلطات الهجرة في الدول المجاورة، فضلًا عن خشية كثير منهم من فقدان فرص العمل مستقبلًا إذا رفضوا تنفيذ رحلات تصنفها شركات الشحن على أنها خطرة.
ويرى خبراء في شؤون النقل البحري أن البحارة العاملين بعقود قصيرة الأجل غالبًا ما يتجنبون الاعتراض على المهام الخطرة خوفًا من إدراج أسمائهم على قوائم غير مرغوب فيها لدى شركات الشحن، ما قد ينهي مسيرتهم المهنية.
خلفية الأزمة
دخلت سفينة إم إس سي فرانشيسكا (MSC Francesca) الخليج في 22 فبراير، قبل أيام من اندلاع الحرب، وهي مملوكة لـشركة إم إس سي للنقل البحري (MSC Mediterranean Shipping Company)، أكبر شركة لنقل الحاويات في العالم، إذ تمتلك أكثر من ألف سفينة تعمل على نحو 300 خط ملاحي حول العالم.
وكان مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب يُعد أحد أكثر الممرات البحرية استقرارًا، إذ تمر عبره آلاف السفن شهريًا، وينقل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. إلا أن الهجمات المتبادلة دفعت العديد من شركات الشحن إلى تجنب المرور عبره، فيما دعت المنظمة البحرية الدولية إلى عدم المجازفة بإرسال السفن إلى المنطقة قبل التأكد من سلامة الملاحة.
ولا يزال مصير السفينتين فرانشيسكا وإيبايمينونداس مجهولًا، بينما تؤكد المنظمة البحرية الدولية أن المفاوضات للإفراج عنهما مستمرة، لكنها تواجه تعقيدات ناجمة عن اتساع نطاق الحرب والتوترات الإقليمية، في وقت يبقى فيه آلاف البحارة المدنيين عالقين بين حسابات السياسة ومخاطر الصراع العسكري.