رغم انتشار المصاعد الصغيرة في المباني السكنية بأوروبا والصين، لا تزال الولايات المتحدة تعتمد مصاعد أكبر حجمًا وأكثر تكلفة، وهو اختلاف لا يعود إلى التكنولوجيا بقدر ما يرتبط بقوانين البناء، ومتطلبات السلامة، ومعايير إمكانية الوصول، وهي عوامل أصبحت اليوم محور نقاش واسع بين مؤيدي الإصلاح ومعارضيه.
مصاعد أكبر.. وتكلفة أعلى
وتعد المصاعد السكنية في الولايات المتحدة من بين الأغلى عالميًا، إذ تشير تقديرات إلى أن تكلفتها لا تقل عن ثلاثة أضعاف تكلفة المصاعد المماثلة في أوروبا الغربية وشرق آسيا، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
ويرجع ذلك إلى أن المصعد الأمريكي القياسي صُمم ليكون واسعًا بما يكفي لاستيعاب نقالة إسعاف في حالات الطوارئ، إضافة إلى توفير مساحة تسمح لمستخدمي الكراسي المتحركة بالاستدارة داخل المقصورة، ما يرفع تكاليف الإنشاء والتركيب مقارنة بالمصاعد الأصغر المنتشرة في أوروبا والصين.
ويرى خبراء أن هذه التكلفة المرتفعة تجعل المطورين العقاريين يتجنبون تركيب المصاعد في المباني السكنية الصغيرة، ما يقلل من عدد المباني المزودة بها مقارنة بدول أخرى.
وتعتمد العديد من الدول الأوروبية والآسيوية مصاعد أصغر حجمًا وأقل تكلفة، ما أسهم في انتشارها على نطاق واسع داخل المباني السكنية، وفقًا لواشنطن بوست.
ويشير مختصون إلى أن إسبانيا، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز نحو سُبع سكان الولايات المتحدة، تضم عددًا من المصاعد يفوق نظيره في أمريكا، ما يعكس الفارق الكبير في تكاليف البناء والمعايير الهندسية.
دعوات لتغيير القواعد
وأطلق عدد من الباحثين ومنظمات الإسكان حملات للمطالبة بالسماح باستخدام مصاعد أصغر في المباني السكنية الأمريكية، معتبرين أن ذلك قد يسهم في زيادة المعروض من المساكن وتحسين إمكان الوصول إليها.
وبدأت بعض الولايات بالفعل اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، إذ عدلت ولاية مين بعض متطلبات السلامة، بينما سمحت ولاية واشنطن باستخدام مصاعد أصغر في مبانٍ سكنية محددة، كما تختبر مدينة نيويورك إمكان تركيب هذا النوع من المصاعد في بعض المباني القديمة.
ويرى مؤيدو هذه التعديلات أن الهدف ليس استبدال المصاعد الكبيرة الموجودة حاليًا، وإنما توفير مصاعد في مبانٍ لا تجهز بها أصلًا بسبب ارتفاع التكلفة.
في المقابل، تعارض شركات المصاعد الأمريكية وعدد من خبراء السلامة هذه التغييرات، محذرين من أن اعتماد معايير مختلفة بين الولايات قد يخلق تعارضًا مع قوانين البناء الأمريكية الأخرى، مثل معايير الكهرباء والسباكة.
كما يشدد معارضون على أن تقليص حجم المصاعد قد يؤثر في عمليات الإخلاء والطوارئ، ويجعل استخدامها أكثر صعوبة لبعض الأشخاص ذوي الإعاقة.
انقسام بين ذوي الإعاقة
ولم يقتصر الجدل على الشركات والجهات التنظيمية، بل امتد إلى الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، فبينما ترى بعض منظمات المناصرة أن زيادة عدد المصاعد، حتى وإن كانت أصغر، ستوفر وصولًا أفضل إلى المباني السكنية، يُعبر آخرون عن مخاوفهم من أن يؤدي تقليص الحجم إلى الحد من سهولة استخدامها.
وتقول باتريس براتشر، التي تعيش في مبنى مخصص للأشخاص ذوي الإعاقة في سان فرانسيسكو بعد عدة جراحات في الركبة والظهر، إنها تفضل الحفاظ على معايير السلامة الحالية حتى لو كانت أكثر تكلفة، معتبرة أن المصاعد يجب أن تظل قادرة على التعامل مع حالات الطوارئ.
كما تشير راشيل تونج، التي تستخدم كرسيًا متحركًا، إلى أنها واجهت بالفعل صعوبات في استخدام بعض المصاعد الضيقة، مؤكدة أن تقليص المساحة قد يجعلها غير عملية لكثير من المستخدمين.
ويعتقد مؤيدو الإصلاح أن انتشار المصاعد الأقل تكلفة قد يشجع على بناء المزيد من المباني السكنية الصغيرة، ويوفر مساكن مناسبة لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلًا عن زيادة المعروض السكني في المدن الأمريكية.
في المقابل، يرى المعارضون أن أي خفض في معايير التصميم يجب ألا يكون على حساب السلامة أو سهولة الاستخدام، ما يجعل الجدل حول مستقبل المصاعد في الولايات المتحدة جزءًا من نقاش أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين خفض تكاليف البناء والحفاظ على معايير الأمان وإمكان الوصول.