يواجه جيل الشباب في آسيا (جيل زد)، ضغوطًا متزايدة تهدد آفاقهم الاقتصادية، في ظل تحولات عميقة يشهدها النموذج الاقتصادي الصيني، وتداعيات حرب تجارية تقودها الولايات المتحدة. فالقارة التي استفادت لعقود من العولمة والتجارة المفتوحة لرفع مستويات المعيشة لمئات الملايين، تجد نفسها اليوم أمام "ضربة مزدوجة" تتمثل في تدفق هائل للسلع الصينية الرخيصة، إلى جانب القيود التجارية الأمريكية المتصاعدة.
تأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه الشباب الآسيوي من ركود الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يزيد من الإحباط لدى جيل بات يدرك أن الوظائف الصناعية التي شكّلت أساس ازدهار آبائهم أصبحت أكثر ندرة، في حين باتت فرص الوظائف المكتبية بدورها مزدحمة بخريجي الجامعات، بحسب تحليل لصحيفة The Japan Times.
فائض تجاري ضخم
في مواجهة تباطؤ الطلب المحلي واستمرار أزمة قطاع العقارات، ضاعفت الصين اعتمادها على التصنيع كرافعة للنمو. ونتيجة لذلك، تجاوز الفائض التجاري السنوي حاجز التريليون دولار، رغم تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة. وانعكس هذا الفائض الهائل على شكل سيل من الصادرات إلى الدول المجاورة، ما أثار استياءً متزايدًا في الخارج، وصل حد تحذير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من لجوء الاتحاد الأوروبي إلى "إجراءات قوية" إذا لم تعالج بكين اختلالات الميزان التجاري.
وتتحمل دول جنوب شرق آسيا ودول الجنوب العالمي نصيبًا غير متكافئ من هذه التداعيات، إذ تكافح أسواقها منخفضة التكلفة لمنافسة الحجم الهائل للإنتاج الصيني. ورغم فرض قيود على الواردات في بعض الدول، فإن هذه الإجراءات لم تنجح في كبح التدفقات.
خسائر في الوظائف
تتركز الخسائر في الصناعات كثيفة العمالة، التي تمثل تقليديًا بوابة دخول الشباب إلى سوق العمل. ففي إندونيسيا، أغلق نحو 60 مصنعًا للنسيج منذ عام 2022، ما أدى إلى فقدان قرابة 250 ألف وظيفة، وفق تقرير لمعهد لوي الأسترالي.
كما حذرت جمعية منتجي الألياف والخيوط من أن نصف مليون وظيفة أخرى قد تكون مهددة خلال عام 2025، وهو ما يعني زوال واحدة من كل أربع وظائف في هذا القطاع خلال سنوات قليلة.
ولا تقتصر الأزمة على إندونيسيا، أكبر دول جنوب شرق آسيا من حيث عدد السكان، بل تمتد إلى دول أخرى، مثل تايلاند التي سجلت إغلاق نحو ألفي مصنع العام الماضي، مع إرجاع المسؤولين ذلك بدرجة كبيرة إلى المنافسة من الواردات الصينية الرخيصة. وهذه الوظائف، التي غالبًا ما تكون في المستويات الأولى من السلم المهني، كانت تاريخيًا المسار الأكثر موثوقية لانتقال الشباب إلى الطبقة الوسطى.
الصناعات المتقدمة
ولا يقتصر تأثير الفائض الصيني على الصناعات منخفضة القيمة. إذ تحذر لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية من أن فائض الطاقة الإنتاجية في الصين بات يعيد تشكيل أسواق صناعات متقدمة، من السيارات الكهربائية والبطاريات إلى الأدوية والروبوتات، بدعم من تمويل حكومي وسياسة صناعية هجومية.
ويرى اقتصاديون، من بينهم ديفيد أوتور وجوردون هانسون، أن ما يُعرف بـ"صدمة الصين 2.0" قد يكون أكثر إرباكًا من الموجة الأولى التي شهدتها الولايات المتحدة بين عامي 1999 و2007، وأسهمت في فقدان نحو ربع وظائف التصنيع الأمريكية.
تداعيات سياسية
بدأت التداعيات السياسية لهذه التحولات بالظهور في عدد من دول آسيا، حيث بات الشباب أكثر غضبًا وتشكيكًا في قياداتهم والنخب الاقتصادية. وعلى الرغم من أن طفرة الصادرات الصينية ليست السبب الوحيد، فإنها تفاقم الضغوط القائمة.
وتجلى هذا الغضب في احتجاجات شهدتها إندونيسيا وتيمور الشرقية والفلبين خلال الصيف الماضي، قادها شباب ساخطون على الفساد والمحسوبية وندرة فرص العمل. وفي نيبال، أدى غضب شبابي واسع من الفساد إلى إسقاط الحكومة سبتمبر الماضي.
خيارات محدودة
وبحسب الصحيفة اليابانية، تدرك بكين حساسية الوضع، وقد لا ترغب في زعزعة الاستقرار الاقتصادي لجيرانها، خصوصًا في ظل تداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية. وفي الوقت ذاته، ترى بعض العواصم أن هذه المرحلة تتيح للصين فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي. وقد ألمحت اجتماعات رسمية صينية أخيرة إلى "تنسيق أفضل بين العمل الاقتصادي الداخلي والمعركة الاقتصادية والتجارية الدولية"، مع تعهدات بتسريع تطوير محركات نمو جديدة.
ورغم تسجيل بعض المؤشرات الإيجابية، مثل ارتفاع صادرات دول جنوب شرق آسيا إلى الولايات المتحدة بنحو 23% على أساس سنوي في سبتمبر، مدفوعة بتنويع الشركات سلاسل إنتاجها بعيدًا عن الصين، فإن هذه المكاسب لا تنعكس بالضرورة في صورة وظائف مستقرة للشباب.
ويجمع خبراء على أن الاكتفاء بحظر الواردات الصينية ليس حلًا عمليًا، نظرًا لتشابك سلاسل الإمداد الإقليمية. وبدلًا من ذلك، يدعون إلى سياسات تدعم الشركات المحلية للبحث عن أسواق جديدة، وتعزيز كفاءتها، وتنسيق الدفاعات التجارية إقليميًا، إلى جانب توسيع برامج إعادة التدريب ودعم الدخل للعمال المتضررين.