يواجه التحالف الأوروبي الداعم لأوكرانيا مرحلة من الغموض مع خروج رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر من المشهد السياسي، واقتراب انتهاء الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في وقت يحذر فيه مسؤولون ومحللون من احتمال دخول أوروبا في فراغ قيادي قد ينعكس على دعم كييف ومستقبل الأمن الأوروبي.
وكان ستارمر قد غادر منصبه وسط إشادات من حلفائه الأوروبيين، إذ منحه ماكرون أعلى وسام فرنسي تقديرًا لدوره في تعزيز التعاون بين لندن وباريس، بعد سنوات من التوتر الذي أعقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
قيادة مشتركة لأوروبا
وبحسب صحيفة "تليجراف" البريطانية، قاد ستارمر وماكرون، خلال الفترة الماضية، جهودًا أوروبية لإعادة تنسيق المواقف تجاه الحرب في أوكرانيا، في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي بالملف الأوروبي.
ونجح البلدان في جمع أكثر من 30 دولة ضمن ما عُرف بـ"تحالف الراغبين"، الذي يهدف إلى دعم أوكرانيا، مع بحث إمكانية نشر قوات لضمان أي اتفاق مستقبلي لوقف إطلاق النار، إلى جانب قيادة مبادرات أمنية أخرى، من بينها خطط لإزالة الألغام من مضيق هرمز.
لكن هذا الدور المشترك يواجه اختبارًا صعبًا، بحسب "تليجراف"، مع تغير المشهد السياسي في كل من بريطانيا وفرنسا.
ومع تولي آندي بيرنام رئاسة الحكومة البريطانية خلفًا لستارمر، وسط تعهدات بالحفاظ على النهج نفسه في دعم أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي أول تحرك دبلوماسي له، استقبل بيرنام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في رسالة هدفت إلى طمأنة الحلفاء بأن لندن لن تغير موقفها من الحرب.
ورغم ذلك، يرى مراقبون، تحدثوا للصحيفة البريطانية، أن بيرنام يتمتع بخبرة أكبر في الملفات الداخلية مقارنة بالسياسة الخارجية، ما يثير تساؤلات حول قدرته على لعب الدور القيادي الذي اضطلع به سلفه على الساحة الأوروبية.
استحقاق مصيري
وتتركز المخاوف الأكبر في فرنسا، حيث يغادر ماكرون قصر الإليزيه في 20 يناير من العام المقبل بعد انتهاء ولايته الثانية، من دون وجود وريث سياسي واضح قادر على مواصلة نهجه.
وتتصدر زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني مارين لوبان استطلاعات الرأي المبكرة، وهي معروفة بمواقف أكثر تقاربًا مع موسكو، إذ سبق أن دعت إلى رفع العقوبات عن روسيا، وإعادة النظر في دور فرنسا داخل القيادة العسكرية لحلف الناتو، كما طالبت بدفع أوكرانيا نحو تسوية مع روسيا.
وفي المقابل، يدعو زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون إلى انسحاب فرنسا من الحلف العسكري الغربي، ما يعزز المخاوف من تغير جذري في السياسة الخارجية الفرنسية بعد الانتخابات.
ووفقًا لتقارير، بدأ مسؤولون بريطانيون بالفعل دراسة السيناريوهات المحتملة لتأثير أي تغيير في القيادة الفرنسية على التعاون الدفاعي بين البلدين، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية ومستقبل "تحالف الراغبين".
ألمانيا وملء الفراغ
ويُنظر إلى المستشار الألماني فريدريش ميرز باعتباره المرشح الأبرز لقيادة أوروبا في حال غياب ماكرون، خاصة مع مشروعه الهادف إلى بناء أكبر جيش في القارة.
إلا أن ميرز يواجه تحديات داخلية متزايدة، في ظل انقسامات داخل حزبه، وانتقادات بشأن موقفه من روسيا، إذ يتهمه بعض السياسيين بالتردد في تقديم أسلحة بعيدة المدى لأوكرانيا، وبالامتناع عن اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد موسكو.
كما تعرضت الحكومة الألمانية لانتقادات بسبب رفضها إرسال قوات للمشاركة في أي قوة دولية لضمان وقف إطلاق النار في أوكرانيا، إضافة إلى معارضتها بعض المقترحات الأوروبية المتعلقة بتشديد القيود على الدبلوماسيين الروس.
ووصف رودريش كيزيفيتر، النائب عن الحزب الديمقراطي المسيحي والخبير في شؤون الدفاع، أداء ميرتس بأنه لا يرقى إلى مستوى القيادة المطلوبة، معتبرًا أن أوروبا بحاجة إلى شخصية قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة.
تحديات أمام القادة
ولا تبدو الخيارات الأخرى أكثر استقرارًا، إذ يرفض رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إرسال قوات إلى أوكرانيا بسبب قرب بلاده من روسيا، بينما يواجه انتخابات صعبة العام المقبل.
كما أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، رغم دعمها السياسي لكييف، استبعدت أيضًا إرسال قوات، وتستعد هي الأخرى لاستحقاقات انتخابية خلال العام المقبل.
ويرى مراقبون أن مستقبل "تحالف الراغبين" سيعتمد إلى حد كبير على هوية القادة الذين سيتولون السلطة في بريطانيا وفرنسا، وقدرتهم على الحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي تجاه الحرب في أوكرانيا.
ويحذر مسؤولون غربيون من أن أي تراجع في التزام أوروبا بدعم كييف قد يترك تداعيات استراتيجية واسعة، ليس فقط على مسار الحرب، بل أيضًا على مكانة القارة ودورها في النظام الدولي، في وقت تواجه فيه أوروبا أحد أكثر اختباراتها السياسية والأمنية تعقيدًا منذ عقود.