رجال إطفاء منهكون ومحبطون، وسط لهيب النيران الذي يلتهم الأخضر واليابس دون قدرة على إنقاذ الجميع في نفس الوقت، هذا هو حال الداخل الفرنسي الذي يعاني حرائق غابات بالتزامن مع موجة الحر التي لم تكتف بقتل العشرات الشهر الماضي، وقررت التهام الغابات والأشجار والمنازل المحيطة بها.
اختيار من ينجو
احترق 115.000 هكتار من الأراضي الزراعية وتم إجلاء أكثر من 200 ألف شخص من منازلهم لأول مرة في التاريخ الفرنسي، وفقًا لفرانس إنفو، التي نشرت مشاهد لرجال الإطفاء وهم يبكون من الحزن على الوضع في بلادهم الذي خرج عن السيطرة، مشيرين إلى أنهم لن يختاروا من يستحق الإنقاذ، ويبذلون كل ما في وسعهم لإنقاذ الجميع. إلا أن مقاطع الفيديو أظهرت محاصرة الحيوانات وسط لهيب النيران دون القدرة على إيجاد مكان آمن.
ظاهرة كونية لأول مرة
اجتاحت منصات التواصل في فرنسا صورة بدت وكأنها تختصر مشهدًا من فيلم كارثي؛ مواطنان يستمتعان بأجواء الصيف على شاطئ البحر، بينما تمتد أمامهما سماء رمادية قاتمة، غطّاها دخان الحرائق الذي حجب زرقة السماء وأثار موجة واسعة من التساؤلات والقلق.
لكن ما بدا مجرد مشهد استثنائي يخفي وراءه ظاهرة مناخية أكثر تعقيدًا. فوفقًا للتفسير العلمي، الذي نشرته الصحف الفرنسية المتخصصة بالمناخ، فتعيش فرنسا تحت تأثير قبة حرارية، وهي حالة جوية تنشأ عندما يسيطر مرتفع جوي قوي ومستقر على المنطقة، فيدفع الهواء إلى الهبوط نحو سطح الأرض، فينضغط وترتفع حرارته تدريجيًا.
ومع استمرار هذا المرتفع، تتراجع فرص تشكُّل السحب والعواصف الرعدية، فتواصل أشعة الشمس تسخين اليابسة يومًا بعد الآخر، بينما تبقى الحرارة حبيسة بالقرب من سطح الأرض، وكأن الغلاف الجوي تحوّل إلى غطاء هائل يمنعها من التبدد.
ولا يتوقف تأثير قبة الحرارة عند هذا الحد، إذ تُجبر الاضطرابات الجوية القادمة من المحيط الأطلسي على الانحراف شمالًا، أو تضعُف قبل وصولها إلى فرنسا. وحتى عندما تتشكَّل العواصف الرعدية، فإنها غالبًا ما تظل محصورة فوق المناطق الجبلية أو على أطراف قبة الحرارة، دون أن تنجح في كسر موجة الحر أو خفض درجات الحرارة بشكل ملموس.
ورغم أن أي موجة حر منفردة يمكن تفسيرها بظروف جوية مؤقتة، مثل تمركُز مرتفع جوي أو تدفق كتلة هوائية ساخنة قادمة من شمال إفريقيا أو شبه الجزيرة الإيبيرية، فإن المشهد هذا العام يبدو مختلفًا تمامًا؛ فمنذ نهاية شهر مايو، تتكرر موجات الحر بوتيرة غير معتادة، لتتحول من حدث استثنائي إلى نمط متكرر يثير مخاوف العلماء.
النور في نهاية النفق
لم تقتصر الحرائق على فرنسا فقط، بل تعاني إسبانيا أيضًا من حرائق عنيفة، إلا أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أكد، اليوم الثلاثاء، أن السلطات بدأت "ترى الضوء في نهاية النفق"، في إشارة إلى التقدم المحرز في السيطرة على حرائق الغابات، لكنه شدد على أن حالة الطوارئ لا تزال مستمرة، خاصة مع المخاوف من تأثير موجة الحر الرابعة المرتقبة.
وجدد رئيس الوزراء الإسباني تحذيره من أن الحرائق الحالية تمثل تذكيرًا صارخًا بضرورة التحرك العاجل لمواجهة أزمة المناخ، التي قال إنها تزداد سوءًا عامًا بعد الآخر، مؤكدًا أن إنكار الواقع وتجاهل التحذيرات التي يطلقها العلماء لا تجعلهم أكثر استعدادًا، بل على العكس، تزيد من هشاشتهم وتُعرّض السكان لمخاطر أكبر.