الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

"صنع في أوروبا".. رهان فرنسي ألماني جديد لإنقاذ قطاع السيارات

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

سعت فرنسا وألمانيا إلى إحياء التعاون بين أكبر اقتصادين في الاتحاد الأوروبي، عبر التفاوض على صفقة شاملة تجمع بين مطالب باريس بفرض حماية أكبر للصناعة الأوروبية، ومساعي برلين لإنقاذ قطاع السيارات المتعثر.

وفي خطوة تشمل تشديد قواعد "صنع في أوروبا" وتخفيف القيود المرتبطة بالتخلص التدريجي من السيارات الجديدة العاملة بمحركات الاحتراق، بحسب تقرير نشرته صحيفة بوليتيكو الأمريكية.

صفقة صناعية

كلف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، حكومتيهما بالتوصل إلى اتفاق واسع يهدف إلى تعزيز القدرات الصناعية الأوروبية وإنعاش صناعة السيارات في القارة، بعد اجتماع وزاري مشترك عقد في ألمانيا الأسبوع الماضي، وسط ضغوط اقتصادية متزايدة تواجهها الدول الأوروبية.

وجمعت الصفقة المقترحة بين توجه فرنسي يدعو إلى تخصيص نسبة أكبر من عقود المشتريات العامة والدعم الحكومي للشركات الأوروبية، ومطلب ألماني يركز على إنقاذ شركات صناعة السيارات، التي دخلت مرحلة أكثر صعوبة بعدما حذرت شركة فولكس فاجن من احتمال إلغاء 100 ألف وظيفة حول العالم.

وأوضحت الخطة المطروحة أن برلين ستدعم قواعد أكثر تشددًا بشأن أولوية المنتجات الأوروبية ضمن "قانون تسريع الصناعة"، الذي يناقشه الاتحاد الأوروبي، ما قد يحد من عدد الشركاء التجاريين الذين يمكن اعتبارهم "شركاء موثوقين" والاستفادة من برامج المشتريات العامة والدعم الحكومي.

محركات الاحتراق

في المقابل، ستوافق فرنسا على تخفيف موقفها بشأن الخطة الأوروبية للتخلص التدريجي من بيع السيارات الجديدة، التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2035، وهو مطلب رئيسي لبرلين وقطاع السيارات الألماني، الذي يطالب بمزيد من المرونة أمام الشركات المصنعة.

وقال وزير الصناعة الفرنسي سيباستيان مارتان، إن حكومتي البلدين تلقتا تكليفًا بإعداد "صفقة شاملة" بشأن هذه الملفات، معربًا عن أمله في التوصل إلى اتفاق خلال الخريف، ومشيرًا إلى إمكان إقناع دول أخرى من بينها إيطاليا، بالانضمام إلى التفاهم المرتقب.

وأكد مسؤولان ألمانيان بارزان أن المفاوضات بشأن الصفقة جارية، لكنهما أوضحا أن المحادثات لا تزال في مراحلها الأولى، وأن التفاصيل النهائية لم تتحدد بعد، في ظل حاجة الطرفين إلى تقديم تنازلات إضافية للتوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وتستمر المفاوضات خلال فصل الصيف، وسط مساعٍ للوصول إلى تفاهم قبل اجتماع وزراء الصناعة الأوروبيين، 24 سبتمبر المقبل، وقمة قادة الاتحاد الأوروبي المقررة 15 و16 أكتوبر 2026.

صراع أوروبي

تزامنت المحادثات الفرنسية الألمانية مع مفاوضات صعبة بين الاتحاد الأوروبي والصين بشأن العلاقات التجارية، في وقت تسعى فيه بروكسل إلى إعادة التوازن إلى العجز التجاري الضخم بين الجانبين، بينما يخوض حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي نقاشات حادة حول صياغة قانون تسريع الصناعة، الذي تريد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إقراره قبل نهاية العام.

وأعطى ماكرون وميرز أولوية لتنسيق مواقف البلدين بشأن الملفات الأوروبية الكبرى، بما في ذلك الموازنة الأوروبية المقبلة الممتدة لسبع سنوات، لكن التحركات الفرنسية الألمانية تأتي أيضًا في ظل ضغوط سياسية داخلية قد تؤثر في مستقبل التعاون بين البلدين.

وتستعد فرنسا للانتخابات الرئاسية المقبلة، التي لن يتمكن ماكرون من خوضها بسبب قيود الولاية، بينما تتصدر زعيمة حزب التجمع الوطني مارين لوبان استطلاعات الرأي، وسط توقعات بأن يؤدي فوزها المحتمل إلى تغيير كبير في موقف باريس تجاه الاتحاد الأوروبي، بعدما تعهدت بخفض مساهمة فرنسا في موازنة التكتل.

وأثار ذلك تساؤلات حول قدرة باريس وبرلين على إبرام اتفاقات طويلة الأمد قبل الانتخابات الفرنسية، إذ قال مرشح اليسار جان لوك ميلانشون، إن أي اتفاقات يبرمها ماكرون مع ألمانيا ستلزم الرئيس الفرنسي وحده، وليس فرنسا أو رئيسها المقبل.

خلاف السيارات

دافعت ألمانيا وقطاع السيارات فيها منذ فترة طويلة عن تخفيف خطة الاتحاد الأوروبي للتخلص التدريجي من السيارات الجديدة العاملة بمحركات الاحتراق بحلول 2035، معتبرين أن شركات صناعة السيارات تحتاج إلى مرونة أكبر، وأن أنواع الوقود البديلة يجب أن تؤدي دورًا أكبر في عملية التحول.

في المقابل، دافعت فرنسا تقليديًا عن هدف 2035 باعتباره جزءًا أساسيًا من "الصفقة الخضراء الأوروبية"، لكن موقف ماكرون أصبح أكثر انتقادًا لبعض جوانب السياسة البيئية للاتحاد، فيما أبدت باريس مؤخرًا استعدادها لقبول قدر أكبر من المرونة للشركات، التي تعزز سلاسل التوريد الأوروبية والإنتاج المحلي.

وتركز الخلاف الأكبر بين البلدين على "قانون تسريع الصناعة"، الذي يمنح الشركات الأوروبية أفضلية في برامج المشتريات العامة والدعم الحكومي، إذ تخشى ألمانيا أن تؤدي بعض بنوده إلى زيادة البيروقراطية أو إثارة توترات مع شركاء تجاريين مهمين.

"صنع في أوروبا"

واقترحت المفوضية الأوروبية، في محاولة لتجنب تعارض القواعد الجديدة مع الالتزامات التجارية للاتحاد، توسيع نطاق الاستفادة من بعض هذه القواعد ليشمل مجموعة من الدول غير الأعضاء التي تصنف "شركاء موثوقين"، على أن تستوفي منتجاتها مجموعة من المعايير التي لم تحدد بشكل نهائي بعد.

ودعمت ألمانيا سابقًا إدراج حلفاء مثل بريطانيا وكندا ضمن هذه الفئة، بينما طالبت فرنسا بقصر مفهوم "صنع في أوروبا" في مرحلته الأولى على الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، قبل بحث إمكان توسيعه إلى دول أخرى على أساس كل حالة على حدة، ما يجعل الصفقة الفرنسية الألمانية المرتقبة اختبارًا جديدًا لقدرة البلدين على التوصل إلى حلول وسط بشأن مستقبل الصناعة الأوروبية.