عندما وصل الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى السلطة عام 2024، حمل معه أحد أكثر الوعود الانتخابية طموحًا في تاريخ البلاد: "توفير وجبات مدرسية مجانية لكل طفل"، في محاولة لمكافحة سوء التغذية والتقزم، اللذين لا يزالان يؤثران في ملايين الأطفال في رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان.
وبدا المشروع، الذي قُدم باعتباره استثمارًا في مستقبل الأجيال، خطوة تحظى بإجماع واسع. لكن بعد أكثر من 18 شهرًا، تحول البرنامج إلى واحدة من أكبر الأزمات التي تواجه الحكومة، بعدما اصطدم بسلسلة من قضايا الفساد، وحوادث التسمم الغذائي، والضغوط المالية، وتراجع ثقة الرأي العام، وفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
أهداف طموحة
في يناير 2025، أُطلق رسميًا برنامج الوجبات المجانية، وكان من المخطط أن يستفيد منه نحو 82.9 مليون شخص، بينهم تلاميذ المدارس والنساء الحوامل.
ويصل البرنامج حاليًا إلى نحو 62.7 مليون مستفيد، إلا أن الحكومة تدرس تقليص نطاقه بعد خفض ميزانيته بشكل متكرر نتيجة الضغوط التي تواجه المالية العامة.
وكانت الميزانية المخصصة للمشروع قد انخفضت من 335 تريليون روبية (نحو 18.5 مليار دولار) إلى 229 تريليون روبية (نحو 12.8 مليار دولار)، في محاولة للحد من الإنفاق الحكومي.
وازدادت الأزمة تعقيدًا بعد استقالة مديرة البرنامج، الشهر الماضي، معلنة أنها تعرضت لـ"ضغوط نفسية شديدة" خلال إدارتها للمشروع، وذلك بعد مرور 45 يومًا فقط على توليها المنصب.
وجاءت الاستقالة عقب توقيف المدير السابق للبرنامج للاشتباه في تورطه في قضايا فساد، بينما أعلنت النيابة العامة الإندونيسية، لاحقًا، توجيه اتهامات إلى رئيس الوكالة الوطنية للتغذية واثنين من نوابه، للاشتباه في منح عقود تشغيل المطابخ إلى مؤسسات يملكونها.
أزمات تقوض المشروع
ويرى منتقدون، تحدثوا لـ "فايننشال تايمز"، أن ضعف الحوكمة والرقابة على الوكالة المشرفة على البرنامج أوجد بيئة سمحت بتفشي الفساد، خصوصًا في منح عقود تشغيل المطابخ، التي تُعد العمود الفقري للمشروع.
ووفق الصحيفة أشار تقرير لمنظمة "إندونيسيا لمراقبة الفساد" إلى أن عشرات المؤسسات المشغلة للمطابخ ترتبط بشخصيات سياسية، بينها شخصيات مقربة من حزب "حركة إندونيسيا الكبرى"، الذي يقوده الرئيس سوبيانتو.
وإلى جانب شبهات الفساد، واجه البرنامج انتقادات واسعة بسبب تكرار حالات التسمم الغذائي بين المستفيدين.
وبحسب شبكة "مراقبة التعليم في إندونيسيا"، أصيب 40,759 شخصًا بالتسمم الغذائي حتى يوليو الماضي، في مؤشر وصفه مراقبون بأنه يعكس إخفاقًا واضحًا في تطبيق معايير سلامة الغذاء والرقابة على تنفيذ البرنامج.
ورغم تكرار هذه الحوادث، قلل سوبيانتو، في تصريحات سابقة، من حجم المشكلة، معتبرًا أن عدد الحالات يمثل نسبة ضئيلة مقارنة بإجمالي الوجبات المقدمة، ووصفها بأنها تقع ضمن "هامش خطأ مقبول".
غضب شعبي
وانعكست هذه الأزمات على موقف الرأي العام من البرنامج، إذ أظهر استطلاع للرأي نُشر هذا الأسبوع أن نسبة التأييد الشعبي للبرنامج هبطت إلى 34%، بعدما كانت 62.5% في نوفمبر الماضي.
وأشار الاستطلاع إلى أن أكثر من 61% من المشاركين أعربوا عن عدم رضاهم عن أداء البرنامج، بسبب اتهامات الفساد، وضعف الإدارة، وحوادث التسمم الغذائي.
ووصف ائتلاف "MBG Watch"، وهو تجمع من منظمات المجتمع المدني يراقب تنفيذ المشروع، البرنامج بأنه يمر بـ"أزمة هيكلية"، معتبرًا أن تصميمه المؤسسي كان معيبًا منذ البداية، وأن إصلاحه سيتطلب إرادة سياسية قوية وتكاليف مرتفعة.
ومع تصاعد الانتقادات، بدأت الحكومة اتخاذ إجراءات لإعادة تنظيم البرنامج، فقد فرضت قيودًا على إبرام عقود جديدة لتشغيل المطابخ بعد توقيف المسؤولين المتهمين، كما أعلنت السلطات إغلاق 833 مطبخًا بصورة نهائية لعدم التزامها بمعايير التشغيل والنظافة، من أصل أكثر من 27 ألف مطبخ يعمل ضمن البرنامج في أنحاء البلاد.
واعترف الرئيس الجديد للوكالة الوطنية للتغذية، سوداريونو، بوجود مشكلات حقيقية في الإدارة، مؤكدًا تبني سياسة "عدم التسامح مطلقًا مع الفساد".