الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

دلالات زيارة الرئيس المصري إلى تنزانيا

  • مشاركة :
post-title
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيسة تنزانيا سامية حسن

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في 18 يوليو 2026، بدأ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي زيارة رسمية إلى جمهورية تنزانيا، في إطار التحركات المصرية الهادفة إلى تعميق العلاقات مع الدول الإفريقية، وتعزيز الشراكات السياسية والاقتصادية والتنموية داخل القارة. ووصل الرئيس المصري إلى مطار جوليوس نيريري الدولي بمدينة دار السلام، حيث كان في استقباله وزير الخارجية التنزاني محمود ثابت كومبو، وسفير جمهورية مصر العربية لدى تنزانيا السفير شريف إسماعيل، وأعضاء السفارة المصرية. وأوضحت صحيفة "ديلى نيوز" التنزانية أن الزيارة جاءت تلبية لدعوة من الرئيسة سامية صولحو حسن، لبحث سبل تطوير التعاون الثنائي واستكشاف آفاق جديدة للشراكة في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية.

وتأتي الزيارة امتدادًا لمسار علاقات تاريخي بين البلدين يعود إلى ستينيات القرن الماضي، حين تعاون الزعيمان الراحلان المصري جمال عبدالناصر والتنزاني جوليوس نيريري في دعم حركات التحرر الوطني وترسيخ العمل الإفريقي المشترك.

كما شهدت العلاقات تطورًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، خاصة منذ زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا في أغسطس 2017، والتي مثَّلت نقطة تحول في مسار العلاقات الثنائية، وأعقبها انعقاد الدورة الثالثة للجنة المشتركة في يناير 2018، إلى جانب استمرار اللقاءات والاتصالات بين قيادتي البلدين، وآخرها الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس المصري بنظيرته التنزانية في ديسمبر 2025 لتهنئتها بفوزها في الانتخابات الرئاسية، بما يعكس استمرارية التنسيق السياسي.

وتأسيسًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل للوقوف على أبرز دوافع الزيارة، وما أسفرت عنه من مخرجات تعكس تطور العلاقات المصرية التنزانية وأبعادها الإقليمية.

مرتكزات دافعة

تعكس زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى تنزانيا مجموعة من الدوافع التي تؤكد حرص القاهرة على تعزيز حضورها في شرق إفريقيا، ألا وهي:

(*) ترسيخ نموذج الشراكة التنموية: يمثل مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية أحد أهم دوافع الزيارة، باعتباره أكبر مشروع تنفذه شركات مصرية خارج الحدود، ورمز للتعاون المصري الإفريقي.

فمنذ توقيع عقد التنفيذ عام 2018، يتولى التحالف المصري المكون من شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك تنفيذ المشروع، الذي يستهدف إنتاج نحو 2115 ميجاوات من الكهرباء، بما يضاعف تقريبًا قدرات تنزانيا في إنتاج الطاقة الكهربائية، ويوفر الكهرباء لملايين المواطنين، ويدعم خططها للتنمية الصناعية والاقتصادية. 

كما يعكس المشروع نجاح نموذج التعاون المصري القائم على نقل الخبرات الفنية والهندسية، وتنفيذ المشروعات الإستراتيجية التي تحقق التنمية المستدامة داخل القارة.

(*) توسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية: تحمل الزيارة دلالات اقتصادية مهمة في ظل تنامي الاستثمارات المصرية داخل السوق التنزانية، حيث أعلنت "السويدي للتنمية الصناعية" إنشاء مدينة صناعية باستثمارات تتجاوز 400 مليون دولار، تستوعب نحو 200 مصنع وتوفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل، بينما بلغ إجمالي الاستثمارات المصرية نحو 1.3 مليار دولار منذ عام 1997. 

كما بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى تنزانيا خلال عام 2025 نحو 51.8 مليون دولار، مقابل واردات بلغت 8.6 مليون دولار، إلى جانب استمرار تنظيم البعثات التجارية ومنتديات الأعمال؛ بما يدعم توسع الشركات المصرية في السوق التنزانية.

(*) إقامة علاقات تعاون هامة مع دول حوض النيل: تكتسب الزيارة أهمية إضافية لكون تنزانيا إحدى دول حوض النيل، وهو ما يجعلها شريكًا مهمًا في ملفات التعاون المائي والتنمية المشتركة، فضلًا عن استمرار التنسيق بين البلدين بشأن قضايا الأمن والاستقرار في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، والتعاون داخل الاتحاد الإفريقي ومبادرة حوض النيل.

(*) تعزيز الحضور المصري في مواجهة التنافس الدولي داخل إفريقيا: تعكس الزيارة حرص القاهرة على تعزيز حضورها في شرق إفريقيا في ظل تصاعد التنافس الدولي على القارة، مستفيدة من الموقع الجغرافي لتنزانيا، وعضويتها في الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بما يدعم التوجه المصري نحو توسيع شبكة الشراكات الاقتصادية والسياسية داخل القارة.

(*) تعميق التعاون الثقافي وبناء القدرات: تمتد العلاقات المصرية التنزانية إلى مجالات التعليم والثقافة، إذ يواصل المركز الإسلامي المصري في دار السلام (تأسس عام 1968) أداء دوره في نشر اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ويضم نحو 860 طالبًا، إلى جانب فرعين في أروشا وإيرينجا، كما يقدم الأزهر الشريف 30 منحة سنويًا، فيما توفر وزارة التعليم العالي 25 منحة جامعية و20 منحة للدراسات العليا، بما يعزز التعاون في بناء الكوادر البشرية.

مخرجات هامة

أسفرت المباحثات بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيسة تنزانيا سامية صولحو حسن عن عدد من المخرجات التي تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الثنائي،تتمثل أبرزها في:

(-) التوقيع على اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة: شهد الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيسة سامية صولحو حسن مراسم التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تستهدف تعزيز التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية والتنموية، بما يعكس حرص البلدين على ترجمة التوافق السياسي إلى برامج ومشروعات عملية تسهم في دفع العلاقات إلى آفاق أرحب.

(-) تعزيز الربط اللوجيستي والبنية التحتية: اتفق الجانبان على إطلاق مشروعات مشتركة في مجالات تطوير الموانئ، والربط البحري والسككي، وإنشاء المناطق اللوجستية، وتطوير الطرق والبنية التحتية، بما يسهم في تسهيل حركة التجارة ونقل البضائع بين البلدين، والاستفادة من الموقع الإستراتيجي لتنزانيا كبوابة لأسواق شرق إفريقيا.

كما أكد الرئيس السيسي أهمية تعزيز الربط بين ميناء سفاجا والموانئ التنزانية، بما يدعم خطوط النقل البحري، ويرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويعزز حركة التجارة والاستثمار بين مصر ودول شرق القارة.

(-) دعم التعاون الاقتصادي والاستثماري: أكدت المباحثات أهمية تعظيم دور القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للعلاقات الاقتصادية، مع الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا، والعلوم، وتبادل الخبرات البشرية. كما وجَّه الرئيس السيسي الوزراء والجهات المعنية بمتابعة تنفيذ المشروعات التي تم التوافق عليها، والعمل على إزالة أي عقبات قد تواجهها، وتقديم الدعم اللازم لضمان تنفيذها، بما يسهم في تحويل نتائج منتدى الأعمال المصري التنزاني إلى استثمارات فعلية وشراكات تنموية مستدامة.

(-) استمرار دعم المشروعات التنموية الكبرى: أكدت الزيارة مواصلة التعاون في تنفيذ المشروعات الإستراتيجية، وفي مقدمتها سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية، الذي يمثل أكبر مشروع تنفذه شركات مصرية خارج البلاد، ونموذجًا ناجحًا للشراكة الإفريقية القائمة على نقل الخبرات الفنية والهندسية، ودعم جهود التنمية المستدامة، بما يعزز مكانة الشركات المصرية داخل الأسواق الإفريقية.

(-) دعم التنسيق في قضايا حوض النيل: حملت الزيارة مُخرَجًا سياسيًا مهمًا تمثل في إشادة الرئيس السيسي بالمواقف الإيجابية والمتزنة التي تتبناها تنزانيا في القضايا الإقليمية، مع التأكيد على تطلع مصر إلى تعزيز الدور التنزاني في تشجيع الحوار وروح التعاون بين دول حوض النيل، بما يدعم التفاهم بين شركاء النهر ويخدم المصالح المشتركة لجميع دول الحوض.

(-) تعزيز التنسيق السياسي والإقليمي: اتفق الجانبان على مواصلة التنسيق والتشاور بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تطورات الشرق الأوسط والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، إلى جانب تعزيز العمل الإفريقي المشترك داخل الأطر الإقليمية والقارية، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة في القارة الإفريقية.

ختامًا؛ تؤكد زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى تنزانيا أن العلاقات بين البلدين تجاوزت مرحلة التعاون التقليدي إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد، تستند إلى التنمية المشتركة والتنسيق السياسي وتكامل المصالح الاقتصادية.

كما تعكس الزيارة نجاح السياسة المصرية في ترسيخ حضورها داخل إفريقيا عبر مشروعات تنموية كبرى، وشراكات اقتصادية فاعلة، ورؤية تقوم على التعاون والتكامل، بما يعزز مكانة مصر كشريك موثوق وداعم لمسيرة التنمية والاستقرار في القارة الإفريقية.