لم يكن الابتهاج والاحتفاء بوصول منتخب مصر لكرة القدم إلى الدور الـ16 في مونديال 2026 لأول مرة في تاريخه منذ مشاركته في فعاليات مونديال 1934، هو رد الفعل المؤثر والوحيد على مستوى الداخل المصري حكومةً وشعبًا فقط، وإنما عكس أيضًا ما حظي به المنتخب المصري من احتفاء عربي من المحيط إلى الخليج لم يسبق له مثيل، أو لم يتوفر لأي من المنتخبات العربية المشاركة في البطولة الدولية بهذا القدر من الاحتفاء والبهجة العابرة للحدود. وهو الأمر الذي تجسد في تشجيع العواصم العربية لمنتخب مصر، بعد أن شاهدنا شوارع تلك العواصم قد امتلأت بالاحتفاء بوصول المنتخب المصري إلى دور الـ16 بفوزه على منتخب أستراليا، وغضبت تلك الجماهير أيضًا لما تعرض له المنتخب من تعسف من قبل التحكيم، دفع البعض إلى القول إن المنتخب المصري، وإن فقد جولة في معركة غير متكافئة تحكيميًا، إلا أن الأداء البطولي للاعبيه أكسبه تأييدًا وتقديرًا واحترامًا ليس فقط على مستوى الشعوب العربية، ولكن أيضًا من قبل كل الشعوب المحبة للسلام، والرافضة لخلط الكرة بالسياسة.
تأسيسًا على ما سبق؛ يثار تساؤل محوري حول ما هي مؤشرات الاحتفاء العربي بأداء المنتخب المصري، وما إذا كان ذلك الاحتفاء يرتبط بتقدير المكانة المصرية أم أنه جاء في سياق اهتمام المشجعين العرب بالساحرة المستديرة، وما دلالات ذلك الاحتفاء عربيًا؟
مؤشرات متنوعة
تنوعت مؤشرات الاحتفاء العربي بمباريات المنتخب المصري خلال مونديال 2026، وهو ما يمكن الإشارة إليه على النحو التالي:
(*) الاحتفاء العربي الرسمي: ابتهج المسؤولون العرب بنتائج المنتخب المصري في مبارياته مع أستراليا ونيوزيلندا، بعد أن أثنى الرئيس عبد الفتاح السيسي على أداء منتخب بلاده بعد التأهل لدور الـ16، من خلال تدوينه على صفحاته بوسائل التواصل الاجتماعي في 4 يوليو 2026، حيث هنأ الرئيس منتخب مصر على إنجازه التاريخي والتأهل للدور الـ16 في كأس العالم لأول مرة، قائلًا: "أهنئ أبناء مصر أبطال المنتخب الوطني لكرة القدم على هذا الإنجاز التاريخي، بالتأهل إلى دور الـ16 لكأس العالم لأول مرة في تاريخ المنتخب"، مضيفًا: "لقد أثبتم أن الإيمان بالقدرة، والتنافس بروح الفريق، والتصميم على الفوز يحقق الإنجازات". وعقب مباراة مصر والأرجنتين التي انتهت بفوز غير مستحق للأخير 3-2، أشاد الرئيس السيسي أيضًا بأداء المنتخب.
وتوالت ردود الأفعال على أداء المنتخب عربيًا، فقد أشاد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس الوزراء وحاكم دبي بالمنتخب المصري بعد أدائه البطولي أمام الأرجنتين، حيث كتب عبر منصة "إكس": "شهدنا اليوم مباراة مصرية عربية بطولية.. قاتل فيها فراعنة مصر أمام بطل العالم حتى آخر دقيقة". وقبل ذلك كان قد هنأ الشعب المصري قيادةً وشعبًا بتأهله التاريخي إلى دور الـ16 من كأس العالم 2026، معبرًا عن فرحة العرب بهذا الإنجاز، قائلًا: "فرحة العرب اليوم مصرية.. أداء بطولي وروح قتالية ومباراة ممتعة للفراعنة". كما هنأ الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات، نائب رئيس مجلس الوزراء، الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصري بمناسبة تأهل منتخب مصر إلى دور الـ16 من كأس العالم. كما هنأ عدد من السفراء العرب مصر قيادةً وشعبًا، معتبرين أنه ليس إنجازًا مصريًا فقط، بل يعد إنجازًا لكل العرب. وقد تزين برج خليفة في دبي بعلم مصر، احتفالًا بفوز المنتخب المصري على نظيره الأسترالي وتأهله للدور الـ16.
(*) مساندة النخبة العربية: بدا الفضاء العربي على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الإعلام العربي المقروء والمسموع الرسمي والخاص، كما لو أن مصر العربية تخوض معركة العرب الوحيدة في مونديال كرة القدم 2026، برغم وجود منتخبات عربية أخرى، وهو الأمر الذي تجلى في مقالات الصحف الداعمة من قادة الرأي العام العربي للمنتخب، ومانشيتات الصحف العربية بتنوع توجهاتها، ومقاطع الفيديو المنتشرة من قبل عدد معتبر من النخبة الإعلامية العربية الداعمة للمنتخب من الكتاب والمفكرين العرب البارزين عن فرحتهم بفوز المنتخب المصري، مؤكدين فخرهم بهذا الإنجاز، ومهنئين مصر أم الدنيا، ومعتبرين أنه ليس إنجازًا مصريًا فقط، بل يعد إنجازًا لكل العرب، وأن فوز منتخب مصر فرحة بحجم العالم العربي، وأن مصر عظمة تُفرح العرب، ومجد يُسمع صداه للعالم.
(*) التشجيع بالملاعب: بدت الملاعب التي استضافت مباريات المنتخب المصري مع بلجيكا 15 يونيو 2026، ونيوزيلندا 22 يونيو 2026، وإيران 27 يونيو 2026، وأستراليا 3 يوليو 2026، والأرجنتين 7 يوليو 2026، كما لو أنها كرنفالات مصرية عربية، حيث شهدت الملاعب التي استضافت مباريات المنتخب في الولايات الأمريكية: واشنطن، وتكساس، وجورجيا، ومدينة فانكوفر بكندا، إذاعةً للأغاني الوطنية المصرية، وارتدى المشجعون العرب زي المنتخب المصري، ملوحين بأعلام بلادهم، ومرددين الأناشيد والأغاني الوطنية، مثل الأغنية الأشهر لشادية "يا حبيبتي يا مصر"، وأغنية بهاء سلطان ومحمود العسيلي "هنا مصر"، ومنها مقطع "يا مصر بتعمليها إزاي"، وهو المقطع الذي أصبح العلامة الراعية لمباريات المنتخب المصري، والتي تردد صداها بشكل ملفت لدى الجاليات العربية المشجعة للمنتخب المصري.
(*) الابتهاج على وسائل التواصل الاجتماعي: نقلت وسائل التواصل الاجتماعي تحول شوارع العواصم العربية إلى كرنفالات احتفالية في ميادين تلك العواصم، في أبوظبي، ودبي، والرياض، ومسقط، وعدن، والأردن، وفلسطين المحتلة، ومعها غزة الجريحة، والكويت، والجزائر، وتونس، وليبيا، وسوريا وغيرها، وقد تعالت هتافات الفرح في غالبية الدول العربية، في مشهد عكس التضامن العربي وعمق الروابط التاريخية والأخوية التي تجمع مصر والشعوب العربية.
دلالات متعددة
تتنوع الدلالات التي تعكس الاحتفاء العربي بمنتخب مصر في مونديال 2026، وهو ما يمكن الإشارة إلى أبرز تلك الدلالات على النحو التالي:
(&) محورية المكانة: عكس الاحتفاء العربي بتأهل المنتخب المصري لدور الـ16، والغضب من التحكيم خلال مباراة مصر والأرجنتين بسبب جوره وخروجه على التقاليد الرياضية المستقرة، محورية مصر ومكانتها في العالم العربي. هذه المكانة جاءت كنتاج للتفاعل المصري مع قضايا العرب وأزماتهم ومساندتهم تاريخيًا، سواء من خلال انتشار النموذج المصري في غالبية الأقطار العربية مستندًا إلى اللهجة المصرية، والمدرس والمعلم المصري، والفن المصري، ودولة التلاوة المصرية. لذلك شكلت منظومة القيم المصرية نقطة الارتكاز لمكانة مصر، والتي لم تقتصر فقط على فكرة تصدير المنظومة القيمية بوسطيتها واعتدالها، وإنما ما قامت به مصر من استقبال لبعثات تعليمية عربية في مختلف المجالات شقت طريقها نحو المواقع الرسمية بعد ذلك، أو حتى استقبال مصر لضيوف، كما يصفهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، من دول الأزمات العربية، وصل تعدادهم إلى ما يزيد على 10 ملايين من مختلف الجنسيات.
(&) أولوية العروبة: عكس احتفاء العرب بالمنتخب المصري في مونديال 2026 التأكيد على عروبة مصر، ولا شك أن البعد العربي في توجهات السياسة الخارجية المصرية منذ 1952 ظل هو القاسم المشترك للقادة المصريين الذين تولوا مقاليد السلطة في البلاد. ويعود ذلك إلى تبني مصر الحفاظ على وحدة الدولة الوطنية العربية، ورفض تقسيمها، والدعوة إلى الحفاظ على سيادتها وصون مقدرات شعبها. وقد كانت تلك المقاربة هي الأهم التي صاغت بها مصر سياستها الخارجية في بعدها العربي في إطار عقيدة الاتزان الاستراتيجي التي تبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه مقاليد السلطة في البلاد في يونيو 2014.
(&) عوائد القوة الناعمة: يرجع التفاعل العربي مع مباريات المنتخب المصري، والاحتفاء بنتائجه، في أحد أبعاده إلى عوائد القوة الناعمة المصرية في مجالات الفن والثقافة والتعليم، وهي المكونات التي شكلت روافد مؤثرة في تكوين الشخصية المجتمعية العربية. فعلى صفحته دون الكاتب الفلسطيني زياد خداش ما يلي: "هكذا نحن العرب نولد مصريين ثم نصبح جزائريين وفلسطينيين وسوريين وعراقيين.. نحبك مصر فيلمًا ولهجةً وصعيدًا وعشقًا وتاريخًا وكتابًا وثورةً". وكتب المحلل اللبناني زياد عيتاني مقالًا بعنوان "الدنيا من دون مصر اكتئاب"، واستهله بالفقرة التالية: "ليس في الأمر مبالغة، فمنذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نسمع أن مصر أم الدنيا، وأنها ليست دولة عربية كبيرة وحسب، بل حالة حضارية وثقافية وإنسانية لا تشبه سواها، فيها من التاريخ ما يكفي ليمنح الأمم ذاكرة، ومن الفن ما يكفي ليمنح الشعوب وجدانًا، ومن الناس ما يجعل الغريب يشعر أنه بين أهله قبل أن يسأله أحد من أين جاء، نعم الدنيا من دون مصر اكتئاب". أما الإعلامي الإماراتي عامر عبد الله فقد نشر فيديو على صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي عن حب مصر في العالم العربي، مستشهدًا بمقاطع فيديو من تلك الاحتفالات في عواصم الدول العربية، وناقلًا لمشاهد من الاحتفال في الطائرات التي تزامن وجودها في الجو مع مباراة المنتخب مع أستراليا، قائلًا: "حتى الطائرات في الجو تحتفل بمصر"، مضيفًا أن "مصر تجيد الاحتفال بالفرح، وما الزغرودة المصرية الشهيرة التي تطلق تعبيرًا عن الفرح سوى توحيد للغة البهجة عند المصريين، وهي اللغة التي تجد صداها في احتفالات العرب أيضًا".
(&) مركزية القضية الفلسطينية: ظلت القضية الفلسطينية قضية مصر والعرب الأولى، وهو الأمر الذي جعل مدرب المنتخب حسام حسن يهدي فوزه على أستراليا وتأهله لدور الـ16 إلى الشعبين المصري والفلسطيني، وكذلك حمله للعلم المصري ولعلم فلسطين. ويأتي هذا السلوك اتساقًا مع موقف مصر من تطورات القضية الفلسطينية بعد وقوف الرئيس السيسي، والدولة المصرية، كحائط صد ضد تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وهو الموقف الذي أيدته كل الدول المحبة للسلام والرافضة للعدوان الإسرائيلي على غزة.
(&) دهاء التاريخ: يبدو أن دهاء التاريخ أعاد الاعتبار لمحورية اللحظة المصرية، بعد أن نجحت مصر في التصدي لكافة الأفكار والأطروحات، وكذلك الممارسات الرامية لخلخلة القواعد المستقرة للنظام الإقليمي العربي. فقد وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي كحائط صد ضد كل المشروعات التي هدفت إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم، كذلك تبنت مصر دعم المؤسسات في دول الأزمات العربية ورفض تقسيم دولها إلى كيانات، والدعوة إلى الحفاظ على وحدة الدول العربية، وكذلك رفض الاعتداء على الدول العربية بعد اندلاع التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، والمشاركة بالوساطة لتقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع. كل تلك الرؤى التي أثبت التاريخ وأحداثه وجاهتها للحفاظ على مقومات الأمن القومي العربي، وجدت طريقها نحو احتفاء العالم العربي بمنتخب مصر، وهي الدولة التي لم تدخر وسعًا للقيام بدور الشقيقة الكبرى، وتحمل تبعات الدور، وممارسة ما يوصف بالصبر الاستراتيجي، وصولًا إلى تلك اللحظة الكاشفة عن مكامن الحب الجارف لمصر من المحيط إلى الخليج.
مجمل القول، عكس الاحتفاء العربي بالمنتخب المصري في مونديال 2026 مكانة مصر في العالم العربي، وتقديرًا لدورها التاريخي عربيًا بعد أن صاغت سياستها الخارجية لتجعل من الدائرة العربية وقضاياها الأولوية الأولى في إطار عقيدة الاتزان الاستراتيجي، ولتصبح تفاعلات العرب مع مباريات المنتخب كاشفة بجلاء عن اللحظة المصرية في الإقليم الذي يحتاج إلى إدراك وتبني الرؤية المصرية الداعمة للاستقرار والأمن، والرافضة لكل مشروعات الفوضى والتقسيم، وهي الرؤية التي أدركت حقيقتها الشعوب العربية، فتوجت مشاعرها بهذا الحب الجارف للمنتخب ولمصر قيادةً وشعبًا.