الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

أين يذهب النازحون من منطقة النيل الأزرق السودانية؟

  • مشاركة :
post-title
النازحون من منطقة النيل الأزرق السودانية

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

مع دخول الأزمة في السودان عامها الرابع، لا يزال القتال مستمرًا في أجزاء واسعة من البلاد، إلى أن أصبح السودان أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث تم تهجير ما يقرب من واحد من كل ثلاثة أشخاص في السودان، أي أكثر من 15 مليون شخص، من منازلهم سواء داخل البلاد أو عبر الحدود. ويمثل السودان وحده 15% من جميع النازحين داخليًا في العالم. وبحلول يناير 2025، بلغت الأزمة ذروتها من حيث النزوح، إذ تم اقتلاع أكثر من 11.58 مليون شخص داخل السودان، وتم طرد حوالي 8.85 مليون بسبب الصراع الحالي، إضافة إلى نحو 2.73 مليون نازح من النزاعات السابقة.

وبحلول يناير 2026، شهدت ولاية النيل الأزرق تصاعدًا في الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع (RSF) وحركة تحرير شعب السودان الشمالية (SPLM-N) التي ترتبط بالقوات المسلحة السودانية، مما زاد من تفاقم الوضع الإنساني في المنطقة. إذ أفادت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن 1,725 شخصًا، بما يعادل 345 عائلة، قد نزحوا حديثًا من مدينة قيسان في ولاية النيل الأزرق بالسودان، في موجة نزوح جديدة خلال أيام قليلة بسبب تصاعد الاشتباكات، وفرّ النازحون نحو مدينة الروصيرص ومنطقة ود الماحي ضمن الولاية.

حجم النزوح

شهدت البلاد خلال الفترة الممتدة من أبريل 2023 حتى ذروة النزوح في عام 2025 تصاعدًا حادًا في أعداد النازحين نتيجة استمرار الصراع واتساع نطاقه الجغرافي، ويمكن تلخيص ذلك في الآتي:

(*) ارتفاع غير مسبوق في معدلات النزوح: فقد ارتفع عدد النازحين من نحو 3.8 مليون شخص في عام 2023 إلى ذروة بلغت 11.58 مليون نازح في عام 2025، بما يمثل زيادة تتجاوز 200% وتضاعفًا يفوق ثلاث مرات مقارنة ببداية الأزمة.

(*) ديناميكيات الأحداث المسببة للنزوح: سجلت آلية تتبع النزوح (DTM) نحو 805 أحداث، أي بمعدل حدث واحد تقريبًا كل 1.5 يوم على مدار أكثر من 1000 يوم. كما شهدت بعض الأشهر تصاعدًا حادًا في وتيرة العنف، حيث وصل عدد الأحداث في بعض الفترات إلى 88 حادثة في شهر واحد.

(*) أنماط النزوح السنوي: تشير البيانات إلى أن متوسط عدد النازحين الجدد بلغ نحو 231,779 شخصًا شهريًا بين أبريل 2023 وذروة النزوح في يناير 2025. وإلى جانب النزوح المرتبط بالصراعات المسلحة، أسهمت الكوارث والمخاطر الطبيعية في تهجير أكثر من 285,135 شخصًا إضافيًا، ما يعكس تداخل العوامل الأمنية والبيئية في دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم.

(*) الامتداد الجغرافي للنزوح: امتد النزوح ليشمل كامل أنحاء البلاد دون استثناء، حيث تأثر السكان في جميع الولايات الثماني عشرة. وقد اضطر النازحون إلى الانتقال إلى ما يقرب من 13,000 موقع موزعة على 185 منطقة محلية، ما يعكس حجم التشظي السكاني وتعقيد الاستجابة الإنسانية المطلوبة.

(*) تطورات العودة وتراجع أعداد النازحين: مع حلول عام 2026، بدأت مؤشرات النزوح في التراجع النسبي نتيجة زيادة معدلات العودة إلى المناطق الأصلية، إذ انخفض إجمالي عدد النازحين إلى نحو 8,936,175 شخصًا، وهو ما يمثل تراجعًا بنسبة 23% مقارنة بذروة النزوح. ومع ذلك، لا تزال الأرقام عند مستويات مرتفعة تاريخيًا، إذ يتجاوز عدد النازحين الحالي ضعف ما كان عليه قبل اندلاع الصراع.

(*) موجات النزوح الأخيرة وأسبابها: على الرغم من التراجع العام، شهدت الأشهر الستة الأخيرة بين أكتوبر 2025 ومارس 2026 نزوح نحو 350,000 شخص جديد، ويُعزى هذا الارتفاع إلى تدهور الأوضاع الأمنية في مناطق مثل الفاشر، شمال دارفور، كردفان، والنيل الأزرق، ما يؤكد استمرار هشاشة الوضع الأمني وعدم استقراره في بعض الأقاليم.

(*) مسار تدريجي لإعادة الاستقرار: عاد نحو 4 ملايين شخص إلى مناطقهم الأصلية، بما يعادل 3,994,019 فردًا في تسع ولايات مختلفة، وقد شكل النازحون داخليًا النسبة الأكبر من العائدين بنسبة 83%، بينما عاد 17% من الخارج.

معسكرات النازحين

تستضيف منطقة النيل الأزرق حاليًا عدة مواقع للنزوح، أبرزها:

(*) مدينة الدمازين (عاصمة ولاية النيل الأزرق): تضم نحو 10 مراكز للنزوح، تأوي أكثر من 100 ألف شخص من نازحي إقليم النيل الأزرق، حيث يشكل الأطفال 40% من هذا العدد، بينما تمثل النساء وكبار السن 60% من إجمالي الفارين من مناطق الصراع في محافظتي الكرمك وقيسان. وتشير استطلاعات معهد الطب إلى أن 64% من الأسر النازحة في الولاية تفتقر إلى الوصول إلى مياه شرب نظيفة، مع ذكر الكثيرين أن نقاط المياه بعيدة جدًا أو غير فعالة. بالإضافة إلى ذلك، تبلغ 73% من الأسر عن مشاكل حرجة في الصرف الصحي، بما في ذلك نقص المرافق المنفصلة بين الجنسين.

الشكل (1): إشارة لبعض مناطق النزوح من منطقة النيل الأزرق السودانية

(*) مدينة الكُرمك: تُعد مدينة الكُرمك ذات موقع إستراتيجي مميز؛ نظرًا لموقعها على الحدود بين كلٍ من السودان وإثيوبيا وجنوب السودان، لكنها منطقة نزوح طردي، حيث باتت هدفًا مهمًا لكلٍ من قوات الدعم السريع والجيش السوداني، وتصاعدت حدة القتال حولها، حتى تحولت إلى ساحة معركة مفتوحة بين الطرفين قبل أن تتمكن قوات "تحالف تأسيس" من السيطرة عليها بعد انسحاب قوات الجيش السوداني. وفرّ عشرات الآلاف من المدنيين، يُقدَّر عددهم بنحو 73 ألف نازح، في تحرك جماعي عفوي اتسم بالارتباك وغياب التنظيم. وتحولت الكُرمك من مدينة حدودية ذات طابع تجاري وإستراتيجي إلى بؤرة طرد سكاني، وكشف هذا النزوح الكثيف عن هشاشة الوضع الإنساني في الإقليم، ورفع منسوب المخاوف من تحولات ديموغرافية أوسع في منطقة النيل الأزرق.

(*) مدينة قيسان: شهدت مدينة قيسان بولاية النيل الأزرق موجات نزوح متتالية خلال الفترة من أواخر مارس وحتى أوائل أبريل 2026، وتبعد قيسان عن الكُرمك نحو 120 كيلومترًا شمالًا على الحدود الإثيوبية، والتي بدأت قوات تحالف تأسيس محاصرتها من أجل السيطرة على رئاسة اللواء 13 التابع للفرقة 14 التابعة للجيش السوداني بمدينة الدمازين. ووفقًا لتقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM) الصادرة في أواخر مارس 2026، فقد استقبلت المدينة نحو 1,645 نازحًا، قبل أن ترتفع الأعداد لاحقًا إلى ما يقارب 1,725 نازحًا (345 أسرة) مع استمرار تدفقات الفارين من مناطق التوتر. وفي مطلع أبريل 2026، أشارت تقارير ميدانية إلى أن جزءًا من هؤلاء النازحين اضطروا لمغادرة قيسان نحو مدينتي الروصيرص وود الماحي داخل الولاية، نتيجة محدودية قدرات الاستيعاب وتراجع الخدمات الأساسية، ما جعل قيسان محطة انتقال مؤقتة ضمن مسارات النزوح في إقليم النيل الأزرق.

(*) الروصيرص: شهدت مدينة الروصيرص في ولاية النيل الأزرق تصاعدًا ملحوظًا في حركة النزوح الداخلي خلال الفترة الممتدة من أواخر 2025 وحتى مطلع 2026، وذلك نتيجة تجدد الاشتباكات في عدد من مناطق الإقليم، خاصة في محليات الكُرمك وقيسان. ففي أكتوبر 2025 بدأت موجات نزوح محدودة نحو الروصيرص، قبل أن تتسع بشكل واضح في ديسمبر 2025 مع تدهور الأوضاع الأمنية، حيث أشارت تقديرات إنسانية إلى وصول آلاف الأسر خلال أسابيع قليلة. ومع استمرار التوترات في يناير وفبراير 2026، ارتفع عدد النازحين بشكل تراكمي ليُقدَّر بعشرات الآلاف، تركز جزء كبير منهم داخل الروصيرص ومحيطها باعتبارها مركزًا حضريًا أكثر استقرارًا نسبيًا داخل الولاية.

(*) القضارف: شهدت موجات النزوح من إقليم النيل الأزرق إلى ولاية القضارف تصاعدًا ملحوظًا، ففي يناير 2025، أشارت تقديرات IOM إلى وصول ما يقارب 35 ألف نازح إلى مناطق متفرقة داخل القضارف خاصة في محليات الفشقة والقلابات. ومع تصاعد وتيرة العنف في يونيو 2025، ارتفع العدد التراكمي إلى نحو 60 ألف نازح وفق تقارير OCHA، مع تركزهم في تجمعات ومعسكرات مؤقتة تفتقر للخدمات الأساسية. وبحلول فبراير 2026، أفادت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR بتجاوز عدد النازحين من النيل الأزرق إلى القضارف 80 ألف شخص، وسط استمرار تدفق الأسر نتيجة انعدام الاستقرار الأمني، وهو ما أدى إلى ضغط متزايد على البنية التحتية المحدودة في الولاية.

(*) سنار: في الربع الأول من عام 2025، وبالتحديد في مارس 2025، أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى وصول نحو 18 ألف نازح إلى سنار معظمهم من المناطق الحدودية. ومع حلول يوليو 2025، ارتفع العدد التراكمي إلى ما يقرب من 35 ألف نازح، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، التي أوضحت أن مراكز الإيواء المؤقتة في سنار بدأت تعاني من ضغط كبير على الموارد. وفي يناير 2026، سجلت موجة نزوح جديدة قدرت بنحو 12 ألف شخص خلال أسابيع قليلة، ما رفع إجمالي النازحين القادمين من النيل الأزرق إلى أكثر من 45 ألف نازح حتى فبراير 2026. وتعكس هذه الأرقام تزايد الاعتماد على سنار كمحطة رئيسية لاستقبال الفارين، رغم محدودية البنية التحتية والخدمات الأساسية في معسكرات النزوح.

ختامًا، يمكن القول إنه بدون تلقي الدعم والاهتمام الدولي بأزمة النزوح الراهنة، ستظل المعاناة وتزداد المخاطر التي يواجهها ملايين النازحين في المنطقة برمتها، مما يجعل هذه الأزمة أكثر زعزعة للاستقرار ومن ثم تكبد تكلفة لا يستطيع العالم أجمع تحملها. فالنزوح مستمر، خاصة مع تجدّد الاشتباكات واستهداف المخيمات ومراكز الإيواء، ولا شك أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على السودان فحسب، بل ستواجه الدول المجاورة تحديات جمة؛ نتيجة معدلات النزوح الضخمة التي تشهدها خلال هذه الفترة تحديدًا منذ يناير 2026، حيث تتدهور الأوضاع الإنسانية في مواقع النزوح بشكل حاد مع ازدياد الاكتظاظ في جميع أنحاء منطقة النيل الأزرق في السودان.