اختتمت أولى جولات التفاوض بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في سويسرا، في 22 يونيو 2026، بمشاركة نائب الرئيس الأمريكي جي دى فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وقد تصدرت قضايا حرية الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي، ووقف إطلاق النار في لبنان كأولويات على طاولة المفاوضات بين الجانبين، لا سيما وأن نائب الرئيس الأمريكي أعلن أن الملف النووي الإيراني ووقف إطلاق النار في لبنان هما الأولويتان الرئيسيتان للمحادثات، مؤكدًا أيضًا أن الهدف الأمريكي هو ضمان أمن واستقرار إسرائيل، وسيادة لبنان.
في المقابل، تسعى إيران لتوظيف ورقة مضيق هرمز لتحقيق أكبر مكاسب يمكن تضمينها في بنود الاتفاق النهائي المحتمل التوصل إليه بعد فترة الـ60 يومًا، وفقًا لمذكرة التفاهم بين الجانبين الأمريكي والإيراني، وهي المذكرة التي تم توقيعها عن بعد من قبل الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، في 18 يونيو 2026، وذلك على هامش مشاركة ترامب في فعاليات قمة مجموعة الدول السبع الصناعية بفرنسا، والتي وضعت ركائز لمسار السلام المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران، والذي بدأ بتوقيع مذكرة التفاهم مرورًا بالمباحثات الحالية التي تقرر فيها تشكيل أربع مجموعات عمل تتعلق بإنهاء العقوبات، والشؤون النووية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، والمراقبة والتنفيذ، وصولًا لتلاقي الإرادتين للتوصل لاتفاق سلام دائم. ويثير هذا الأمر تساؤلًا محوريًا حول حدود التوافق الأمريكي الإيراني، للتوصل لصيغة اتفاق نهائي للسلام يضمن تحييد التصعيد بينهما، وعدم تجدد المواجهات أو عودة الانخراط الأمريكي مرة أخرى في تبني مسار التصعيد العسكري، وهو المسار الذي لا تزال إسرائيل ترى فيه ضرورة بالنسبة لأمنها الذي يتآكل؛ من أجل إسقاط النظام الإيراني.
مباحثات بنّاءة
تُعد المباحثات الأمريكية الإيرانية الحالية التي بدأت بسويسرا، فريدة من نوعها، إذ أشاد بها نائب الرئيس الأمريكي جي دى فانس، واصفًا إياها بالاجتماع التاريخي الذي أرسى أساسًا متينًا لاتفاق نهائي لا يزال قيد التحضير. وقد تنوعت نتائج تلك المباحثات، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:
(*) الملف النووي الإيراني: شكّل الملف النووي الإيراني القضية الأهم على جدول أعمال مباحثات سويسرا، بعد إقرار الجانبين استمرار المحادثات الفنية بعد الجولة السياسية، بهدف تحويل مذكرة التفاهم إلى ترتيبات عملية خلال مهلة الـ60 يومًا، فضلًا عن بحث عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، وهي نقطة مركزية لتحديد مصير المواقع النووية المتضررة، ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب. وقد أعلن جي دي فانس عن موافقة طهران على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن مفاوضات فنية انطلقت في سويسرا في إطار مذكرة تفاهم إسلام آباد، إذ يترأس نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، الوفد الإيراني المشارك في هذه المحادثات بعد مغادرة كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى طهران.
(*) مضيق هرمز: تمكنت إيران من جعل مضيق هرمز ورقة ضغط وظّفتها في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فقد أعاد التصعيد بين الجانبين أهمية دور الجغرافيا السياسية، لا سيما وأن مضيق هرمز يمر به ما يقرب من 20% من إمدادات الطاقة على المستوى العالمي. لذلك كانت جملة "اجعلوا النفط يتدفق" جوهر الخبر الذي زفَّ به ترامب، عبر منصة تروث سوشيال، الاتفاق على توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية. وبالتالي تم اقتراح تثبيت آلية تواصل بشأن مضيق هرمز، خلال مباحثات سويسرا، لمنع أي اضطراب جديد في واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم، مع توجه كل من رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى سويسرا.
(*) وقف الحرب في لبنان: يشكّل النزاع في لبنان البند الأكثر إلحاحًا على جدول أعمال الوفد الإيراني. ويمثل دمج ملف هدنة لبنان في المفاوضات المباشرة مع إيران تحولًا إستراتيجيًا لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي يبدو أنها تخلت عن إستراتيجية الفصل بين الصراعات المختلفة التي كانت تتبعها في الشرق الأوسط. ومن جانبه، قال فانس، قبيل مغادرته إلى سويسرا، إن تحقيق تقدم نحو وقف إطلاق النار في لبنان يمثل إحدى الأولويات الرئيسية للمباحثات، وذلك بعد تجدد الضربات الصاروخية الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
(*) أموال إيران المجمدة: وفقًا للبند 11 من مذكرة تفاهم إسلام آباد، فقد تعهّدت الولايات المتحدة الأمريكية بإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المُقيَّدة بالكامل للاستخدام. وعليه اتجهت المباحثات نحو بحث آلية خاصة بالأصول الإيرانية المجمدة، فوفقًا لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، فإن جاريد كوشنر توصل إلى صيغة تقضي بأنه إذا رفع التجميد عن أي أموال إيرانية، فإن واشنطن والدوحة ستملكان حق الموافقة على العملية، على أن تستخدم هذه الأموال في شراء فول الصويا والذرة والقمح من الولايات المتحدة الأمريكية لصالح الشعب الإيراني. وقد وصف فانس الخطة بأنها صفقة ترمب الكلاسيكية التي ستسهم في زيادة دخل المزارعين الأمريكيين، وفي الوقت نفسه توفير الغذاء للشعب الإيراني.
(*) النفط الإيراني: وفقًا للبند 10 من مذكرة تفاهم إسلام آباد، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعهّدت فور التوقيع على مذكرة التفاهم وحتى إنهاء العقوبات بأن تصدر وزارة الخزانة الامريكية إعفاءات تسمح بتصدير النفط الخام الايراني والمنتجات النفطية ومشتقاتها وجميع الخدمات المرتبطة بذلك، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمين والنقل وغيرها. وتزامًنا مع انعقاد الجولة الأولى للمفاوضات الأمريكية الإيرانية، سمحت وزارة الخزانة الأمريكية، في 22 يونيو 2026، بإنتاج النفط الإيراني وتسليمه وبيعه. ويتيح الترخيص العام إنتاج وتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والنفطية إيرانية المنشأ حتى 21 أغسطس 2026. وتتضمن المعاملات المُصرَّح بها بموجب الترخيص الجديد، استيراد النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والمنتجات البترولية إلى الولايات المتحدة. ولا يجيز الترخيص المعاملات التي تشمل كوريا الشمالية أو كوبا، وهما بلدان تفرض عليهما الولايات المتحدة عقوبات مشددة.
توافق أم تنافر؟
أفرزت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية معادلة معقدة، هي: لا غالب ولا مغلوب، أو لم تنتصر الولايات المتحدة الأمريكية بكل قدراتها العسكرية، ولم تهزم إيران بمحدودية قدراتها مقارنة بالقدرات الأمريكية الساحقة، ثم جاءت مذكرة إسلام آباد للتفاهم الأمريكي الإيراني ليعلن كل طرف انتصاره في الحرب ليصبح التوافق الأمريكي الإيراني الأفضل للطرفين، حتى وإن كان إلى حين. لتبقى الحقيقة المؤكدة أن تكلفة الحرب والتصعيد العسكري جعلت جميع أطراف الصراع يتراجعون لعدم قدرة أي طرف على تحمل تداعيات الحرب الممتدة. ومع سعي الطرفين الأمريكي والإيراني لتوظيف نتائج التصعيد بعد توقيع مذكرة التفاهم، عدّد الخبراء مكاسب إيران من تجديد لشرعية النظام القائم، واستعادة مركزية الجغرافيا السياسية فيما يتعلق بمضيق هرمز، وتعزيز التماسك المجتمعي بوجود حالة عداء خارجي وحّدت المكونات المجتمعية كافة. في حين عدّد خبراء آخرون مكاسب الولايات المتحدةـ من اتجاهها نحو إقامة علاقات أوثق مع النظام الإيراني، ربما تسهم في إعطاء أولوية لتوظيف معادلة النفط لصالح الطرفين، لتصبح النسبة الأكبر في القطاع لصالح الشركات الأمريكية كما حدث مع فنزويلا، وهو ما يحول -حال تحققه- من تدفق النفط تجاه الصين، إذ تسعى الولايات المتحدة لوقف الصعود الاقتصادي لها، كما يسعى ترامب لتوظيف توقف الحرب في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي والظهور بمظهر الرجل القوي القادر على مراجعة سياساته.
مجمل القول؛ سيمثل التوافق الأمريكي الإيراني السمة الأبرز للتفاعلات المستقبلية بين الجانبين، وهو ما بدا في خطاب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس خلال مشاركته في الجولة الأولى للمفاوضات بسويسرا، والتي وصفها بالاجتماع التاريخي، وتجسيدًا لمرحلة جديدة في علاقات البلدين. إلا أن جبهة لبنان ستبقى الخاصرة الرخوة التي ستشكّل التحدي الأبرز لهذا التوافق، والتي ربما يسعى نتنياهو، الخاسر الأكبر في هذه الحرب، لإشعال تلك الجبهة للحيلولة دون سقوط حكومته اليمينية التي انتهى مشروعها الاستيطاني بحكم الأمر الواقع، بعد أن فشل في تحقيق أي من أهدافه في غزة أو لبنان أو اليمن أو سوريا أو حتى تغيير النظام الإيراني أو حتى تغيير الشرق الأوسط كما كان يزعم لتبرير إشعاله للحرائق في جبهات متعددة في الإقليم. هذا الإخفاق أكده خطاب جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي أخيرًا، والذي وضع ركائز جديدة للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إذ خاطب الشعب الإسرائيلي بأن الاستمرار في القتل لا يمكن أن يستمر، وأن أمريكا صنعت ثلثي الأسلحة الدفاعية التي "حمت وطنكم" وتم تمويلها بأموال دافعي الضرائب الأمريكية. وعلى قادة أمريكا أن يكونوا حذرين جدًا وأن يتحركوا انطلاقًا من مصلحتنا لا مصلحة أي دولة أخرى، وليس بالضرورة أن تتطابق المصالح الأمريكية دائمًا مع المصالح الإسرائيلية.