الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

قراءة في بنود مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية

  • مشاركة :
post-title
توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

يلفت التوقيع المبكر للرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان في فجر الخميس 18 يونيو 2026 على مذكرة التفاهم عن بُعد، إلى رغبة الطرفين في تجنب إفساد أجواء الاتفاق؛ فبينما وقع الرئيس الأمريكي الوثيقة في قصر فرساي ذي الرمزية التاريخية، وقع الرئيس الإيراني على المذكرة في العاصمة طهران، فيما بدا دفعًا من الوسطاء والحلفاء الغربيين لتحرير أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي برمته من مصير مجهول حال استمرار الأزمة.

وتأسيسًا على ما سبق؛ تتناول الورقة التالية تحليل ما جاء في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية ومستقبل الاتفاق النهائي وتعقيداته في ضوء ما يرتبه الاتفاق من مكاسب لأحد طرفيه.

مضمون الاتفاق

جاء الاتفاق الموقع من الرئيسين الأمريكي والإيراني ورئيس الوزراء الباكستاني في 14 بندًا اتجه أغلبها لصالح إيران، مقابل بنود لصالح الولايات المتحدة وأخرى محايدة نظريًا تضمنت شروط التقدم لصياغة اتفاق نهائي؛ وذلك على النحو التالي:

(*) مكتسبات إيران: حققت إيران العديد من المكتسبات الواضحة في 9 بنود وأولها النص على إعلان الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما الإنهاء الفوري والدائم للحرب على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان، فيما أكد البند رقم 2 على احترام كلا الطرفين سيادة الطرف الآخر وسلامته على أراضيه وهو ما يبدو في صالح إيران التي تواجه حشدًا عسكريًا أمريكيًا ولا تمتلك على الجانب الآخر القدرة على توجيه تهديد تقليدي للأراضي الأمريكية في الوقت الراهن.

ويعد البند الرابع مكملًا للبندين السابقين إذ يعود بالحد الأدنى لمستوى الانتشار العسكري الأمريكي إلى ما قبل يناير 2026 مع النص على رفع الحصار البحري وسحب القوات الأمريكية من المناطق المحيطة بإيران وفق مدى زمني 30 يومًا.

ويستمر البند السادس في بناء الثقة بين الجانبين الأمريكي والإيراني بضمانة من حلفاء واشنطن الإقليميين والدوليين بتدشين صندوق إعادة إعمار بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار وفق ترتيبات العملية التفاوضية ودون النص على ارتباط زمني باستثناء المضي قدمًا نحو الاتفاق، باعتباره ضمانة لدمج النظام في الاقتصاد العالمي والاعتراف بشرعيته.

ويأتي البند رقم 7 حول تعهد الولايات المتحدة بإنهاء جميع العقوبات عن الجمهورية الإيرانية في سبيل التوصل لاتفاق نهائي دون جدول زمني محدد مسبقًا.

كما يتناول البند رقم 9 الإبقاء على الوضع الراهن للبرنامج النووي من جانب إيران، وعدم اتخاذ أي إجراءات لنقل المواد المخصبة أو زيادتها، مقابل تعهد أمريكي بعدم فرض عقوبات جديدة على طهران أو تعزيز القوات الأمريكية (خلال المفاوضات).

بينما يشير البندان 10 و11 إلى إثبات حسن النوايا الأمريكي بتوجيه وزارة الخزانة لإعفاء النفط والمنتجات البتروكيماوية من العقوبات، وتمكين إيران من "الوصول الكامل" لأصولها المالية المجمدة والمقيدة.

وتُختتم المكتسبات الإيرانية بضمانة أمنية دولية بالبند 14 والذي نص على تمرير الاتفاق النهائي من خلال قرار ملزم صادر مجلس الأمن الدولي.

(*) الورقة الأمريكية الرابحة: على صعيد التعهدات الإيرانية المقابلة حصلت الولايات المتحدة على تعهدين، أولهما في البند رقم 5 حول ضمان إيران حركة السفن التجارية من مضيق هرمز إلى بحر عُمان والعكس، وذلك دون التطرق للترتيبات المستقبلية لأمن المضيق ودون تحديد مصير الرسوم المتعلقة بـ"الخدمات البحرية".

بينما تمثل الورقة الأهم للمفاوض الأمريكي وجود نص واضح يفيد بتجديد التزام طهران بعدم امتلاك أسلحة نووية، مع تأجيل البحث في القضايا النووية إلى الاتفاق النهائي، في البند رقم 8، الذي حمل نصرًا جزئيًا لواشنطن -وفق تصريحات مسؤول أمريكي تلا على الصحفيين في البيت الأبيض مساء الأربعاء نص الاتفاق- أن الطرفين سيتفقان على آلية لتسوية مسألة التخصيب في مرحلة لاحقة، وتتضمن تلك الآلية في حدها الأدنى "خفض نسبة التخصيب في الموقع نفسه تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

(*) الالتزامات التفاوضية: رتبت 3 بنود التزامات متبادلة على الجانبين في إطار التقدم بنحو الاتفاق النهائي، أولها في البند رقم 3 بالتزام الطرفين العمل على التوصل لاتفاق نهائي في مدة لا تتجاوز 60 يومًا، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين.

كما تضمن البند رقم 12 الاتفاق بين الجانبين على آلية لمتابعة تنفيذ الاتفاق، كما يرتبط البند رقم 13 الدخول في مفاوضات الاتفاق النهائي بمجرد تلقي ضمانات (ميدانية) بتنفيذ أربعة بنود تشمل رفع الحصار البحري على موانئ إيران مقابل تيسيرها حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز وإعفاء النفط والبتروكيماويات الإيرانية من العقوبات وتمكين الأخيرة من الوصول الكامل لأصولها المالية المجمدة.

فرص وتحديات الاتفاق

مالت بنود الصفقة بصورة كبيرة نحو إيران بالنظر لعدة اعتبارات، أهمها أن الهدف الرئيسي الذي يمكن لإدارة ترامب التركيز عليه منعًا لإطالة زمن التفاوض هو الملف النووي وضمان ألا تملك إيران سلاحًا نوويًا، وهو ما يبدو أن طهران وافقت على إعطائه لترامب لتيسير الوصول لأموالها المجمدة واستعادة عائدات النفط ومشتقاته لمعالجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي واجهتها خلال سنوات العقوبات والاضطرابات السياسية والأمنية.

إنفوجراف (التفاهم الأمريكي الإيراني)

على المدى القصير، تعد إيران منتصرة بصورة كاملة، إذ حصلت على مجموعة من المكاسب الإستراتيجية بعضها خارج الاتفاق، ومنها أن السيطرة الأمنية على مضيق هرمز باتت حقًا إيرانيًا فرضته دروس المواجهة الأخيرة، وهو ما يمنح طهران أفضلية في حال تنفيذ إجراءات الإلغاء المتبادل لإجراءات الإغلاق والحصار المفروضة على مضيق هرمز، إذ بمجرد أن تنسحب القوات الأمريكية الضاربة التي جرى استقدامها للمنطقة خلال 30 يومًا من الاتفاق ستحتفظ إيران بسيطرة أمنية على المضيق تمكنها من إعادة فرض الإغلاق بالنار حال تجدد المواجهة، بينما ستحتاج القوات الأمريكية للمزيد من الوقت لإعادة حشد تلك القوات.

ويبدو البند الخامس حول فتح المضيق نقطة توازن بين الجانبين أكثر من كونه إجرائيًا لصالح الولايات المتحدة، إذ يترك مستقبل الترتيبات الأمنية وتحديد الرسوم خارج إطار المفاوضات ويشتق لها مسارًا خاصًا بين إيران وسلطنة عُمان ودول الخليج، كما أنه ينص على الضمانة الإيرانية لمرور السفن التجارية حصرًا، دون إيضاح مستقبل حركة السفن الحربية الأمريكية عبر المضيق، ما يجعل النص على تلك الترتيبات مكونًا أساسيًا في الاتفاق النهائي المزمع.

كما فرضت بنود الاتفاق مكاسب واضحة لإيران بإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي والسماح لها بتصدير نفطها دون قيود مالية ومصرفية خلال الاتفاق، كما علقت خطة إعادة الإعمار بآمال التفاهم الخليجي الإقليمي مع إيران، ما يعني أن الحوافز المالية على المدى القصير قد تحدد بوصلة القيادة الإيرانية إما لتفاهم إقليمي شامل يضمن تدفق الاستثمارات وإعادة الإعمار، أو للانجرار إلى مزيد من التصعيد بتحفيز إسرائيلي عبر استئناف دعم الفصائل المسلحة بالمزيد من الأسلحة والدعم المالي والاستشارات العسكرية.

كما يفرض ذلك على الجانب الأمريكي ضغوطًا متزايدة من القاعدة الحزبية الداعمة لإسرائيل ومن القيادة الإسرائيلية التي تواصل تحدي أي تفاهم أمريكي إيراني، وستقاوم خلال الأيام القليلة الحاسمة قبيل الانتخابات المبكرة لإفساد الاتفاق بالكلية في جبهة لبنان وجبهات أخرى.

على المديين المتوسط والبعيد، يمكن للنجاح الأمريكي في احتواء الأزمة على كل الجبهات بدعم سياسي ومالي من الحلفاء الإقليميين أن يقود لانفراجة في المفاوضات بشأن الاتفاق النهائي إذا ما عززت المرحلة الأولى من الاتفاق موقف التيار الإصلاحي من استعادة السيطرة الكاملة على ملف المفاوضات، وبالتالي تقديم تنازلات محدودة في الملف النووي وفق ضوابط والتزامات محددة على صعيد نسب التخصيب وخضوع المؤسسات النووية لرقابة وتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يتوازى مع طغيان الاستحقاقات الداخلية الإسرائيلية، إلا أن مرحلة المفاوضات النهائية لا تزال تواجه تحديات رغم نجاح الإدارة الأمريكية في اختصار زمن التفاوض إلى مرحلة واحدة مترابطة الالتزامات مع وجود مؤشرات على خضوع المفاوضات لأجندة الانتخابات النصفية 2026 والرئاسية 2028، فضلًا عن النقص الحاد في المخزون الإستراتيجي من النفط لأدنى مستوى في 43 عامًا بعد استنفاد 172 مليون برميل للتعامل مع نقص المعروض جراء حرب إيران وتصريح الرئيس الأمريكي أن المخزون قد ينفد خلال 4 أسابيع لولا التوصل لاتفاق.

على الجانب الآخر، يمثل لجوء إيران إلى الصين وروسيا في مرحلة المفاوضات محاولة التفافية على أي ضغوط أمريكية محتملة بشأن المواد المخصبة، إذ قد تسعى طهران لإيجاد ضمانة روسية لمصير المواد المخصبة وضمانة سياسية وأمنية من الطرفين في توقيع الاتفاق النهائي وتمريره عبر مجلس الأمن الدولي أو ضمان وصولهما إلى السوق الإيرانية في خطط الإعمار تجنبًا لارتداد تداعيات تعثر المفاوضات أو انهيارها في المراحل النهائية.

وإجمالًا؛ يمثل الالتزام بالحد الأدنى من بنود الاتفاق على صعيد سحب القوات الأمريكية المحيطة بإيران خلال 30 يومًا ورفع الحصار البحري ومنح إيران حق الوصول الكامل لأصولها المجمدة وإعفاء نفطها من العقوبات انتصارًا جزئيًا لإيران، لكنه في المقابل قد يؤشر على نتائج الاتفاق على الداخل الإيراني سياسيًا وإستراتيجيًا، وتوجه القيادة لإبرام اتفاق شامل من عدمه.

ويظل تماسك الاتفاق رهنًا بتطورات الحرب على لبنان والتي قد تزيد من التباعد بين ترامب ونتنياهو خاصة مع احتمال التراجع النسبي التدريجي في تأثير العامل الإسرائيلي على المفاوضات نتيجة للانتخابات المبكرة، بالتوازي مع الاستحقاقات الانتخابية في الداخل الأمريكي التي قد تتجه لإعادة ملف إيران إلى الكونجرس وتحدي قيادة ترامب للحزب الجمهوري واستفادة الديمقراطيين من صراع الأجنحة المحتمل داخل حزب الرئيس، وهو احتمال يتضاءل أمام الحاجة الأمريكية لإعادة التركيز على مواجهة الصين والاهتمام بالأجندة السياسية الداخلية.