بعد مرور عشر سنوات على الاستفتاء التاريخي الذي غيّر مسار المملكة المتحدة، لا يزال "البريكست" يلقي بظلاله الثقيلة على الحياة السياسية البريطانية.
فمنذ تصويت البريطانيين في يونيو 2016 لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، تعاقب على رئاسة الحكومة 6 رؤساء وزراء، وسقطت حكومات متتالية تحت وطأة الانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية وتراجع ثقة الناخبين.
ورغم أن مؤيدي الخروج وعدوا باستعادة السيطرة على الحدود وتعزيز الاقتصاد البريطاني وتقليص الاعتماد على أوروبا، فإن السنوات اللاحقة شهدت حالة من الاضطراب السياسي غير المسبوق، دفعت كثيرين إلى التساؤل: هل أصبح البريكست لعنة سياسية تطارد ساكن 10 داوننج ستريت؟
كاميرون.. مقامرة انتهت بالاستقالة
بدأت القصة مع رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون، الذي دعا إلى استفتاء عضوية الاتحاد الأوروبي عام 2016 معتقدًا أن النتيجة ستصب في صالح البقاء داخل التكتل الأوروبي.
لكن النتيجة جاءت صادمة للنخبة السياسية البريطانية، بعدما صوّت 52% من الناخبين لصالح المغادرة. وفي صباح اليوم التالي مباشرة أعلن كاميرون استقالته، معترفًا بأن البلاد بحاجة إلى قيادة جديدة لتنفيذ قرار الخروج.
ماي.. ضحية الانقسام
جاءت تيريزا ماي خليفة لكاميرون وهي تحمل مهمة شبه مستحيلة: تنفيذ البريكست والحفاظ على وحدة البلاد والحزب المحافظ في الوقت نفسه.
وخلال ثلاث سنوات من المفاوضات الشاقة مع بروكسل، فشلت "ماي" مرارًا في تمرير اتفاق الخروج داخل البرلمان، الذي انقسم بشدة بين مؤيدين ومعارضين للبريكست. وأدى هذا الجمود السياسي إلى إضعاف حكومتها حتى اضطرت إلى الاستقالة في صيف 2019.
جونسون.. سقوط عقب الانتصار
وصل بوريس جونسون إلى السلطة رافعًا شعار "إنجاز البريكست"، ونجح بالفعل في تمرير اتفاق الخروج والفوز بأغلبية برلمانية كبيرة في انتخابات 2019.
لكن الانتصار السياسي لم يترجم إلى استقرار طويل الأمد. فقد واجهت حكومته تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار أزمة الهجرة عبر القنال الإنجليزي، إلى جانب سلسلة من الفضائح السياسية التي هزت ثقة الرأي العام، أبرزها قضية "بارتي جيت"، لينتهي الأمر باستقالته في عام 2022.
ليز تراس.. 45 يومًا فقط
تُعد حكومة ليز تراس الأقصر عمرًا في التاريخ السياسي البريطاني الحديث.
فبعد أسابيع قليلة من توليها المنصب، أثارت خطتها الاقتصادية المعروفة باسم "الميزانية المصغرة" اضطرابًا واسعًا في الأسواق المالية، وتراجع الجنيه الإسترليني إلى مستويات قياسية، وارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي، ما أجبرها على الاستقالة بعد 45 يومًا فقط.
سوناك.. محاولة أخرى فاشلة
تولى ريشي سوناك الحكم في محاولة لاحتواء الأزمة الاقتصادية وإعادة الاستقرار إلى الأسواق.
ورغم نجاحه في تهدئة المخاوف المالية نسبيًا، فإن حكومته لم تتمكن من معالجة الملفات التي كانت وراء الغضب الشعبي، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، واستمرار أزمة الخدمات العامة والهجرة.
ومع تآكل شعبية المحافظين بعد 14 عامًا في السلطة، خسر الحزب الانتخابات العامة لصالح حزب العمال.
ستارمر.. تقارب مع أوروبا بدون عودة
عندما وصل كير ستارمر إلى رئاسة الحكومة عام 2024، أدرك أن جزءًا كبيرًا من الناخبين، خصوصًا الشباب، بات ينظر إلى البريكست باعتباره سببًا في تعقيد فرص الدراسة والعمل والتنقل داخل أوروبا.
لذلك تبنى سياسة تقوم على إعادة بناء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي دون التراجع عن قرار الخروج. وأكد مرارًا أن بريطانيا لن تعود إلى الاتحاد الأوروبي أو السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، لكنه سعى إلى توسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع بروكسل وتقليل آثار الانفصال على الاقتصاد البريطاني.
حكومات تدفع الثمن
ويبدو أن المشكلة لا تكمن في البريكست وحده، بل في أن الاستفتاء كشف انقسامات عميقة داخل المجتمع والأحزاب البريطانية حول الهوية الوطنية والهجرة والعلاقة مع أوروبا ودور الدولة في الاقتصاد، مع تلاحق أزمات بدءًا من جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الطاقة العالمية وصولًا إلى التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ما جعل أي حكومة تجد نفسها أمام تحديات تفوق قدرتها على تحقيق وعودها الانتخابية.
رغم مرور عقد كامل على الاستفتاء، لا تزال تداعيات البريكست حاضرة في المشهد السياسي البريطاني. فالأحزاب الكبرى باتت أقل انشغالًا بإعادة فتح ملف الخروج نفسه، لكنها ما زالت تبحث عن كيفية التعامل مع نتائجه الاقتصادية والسياسية.