الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

عِشرة عمر | مفيد فوزي وآمال العمدة.. "الصحبة معكِ بالدنيا وما فيها"

  • مشاركة :
post-title
مفيد فوزي وآمال العمدة

القاهرة الإخبارية - خيري حسن

•• كان حبك خيمة أحتمي بها من زيف الناس والمشاعر المزورة

•• لا أحد يحتملني غيرك لأن حبك كان نقيًا شفافًا.

•• دخلت معارك حاولت أن تنال مني وذهبت إلى قبرك أشكو من البهتان

•• أشعر بأطياف الذكريات تحوم حولي ولا مفر منها إلا بالنوم الذى يستعصي كثيرًا

•• سيدتي الراقدة في مقابر أرض الجولف.. مضيت إلى عالم مجهول نقف على بابه في طابور

•• عندما أختلس لحظات ويهزني الشوق إليك.. أنظر إلى صورك المعلقة في حجرة مكتبي

"عش ليومك.. لا.. لحلمك. كل شيء زائل.. فاحذر غدًا.. وعش الحياة الآن في امرأة تحبك".. كانت هذه -فيما أعتقد- فلسفة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش مع المرأة ومع الحلم ومع الحياة، وأصدق ما في قوله، بالنسبة للبعض وأنا من هؤلاء البعض: "عش الحياة في امرأة تحبك"، وكانت هذه المقولة أو هذه الترنيمة أو هذه الفلسفة تصاحبني وأنا أترجل بجوار سور نادى الصيد بمنطقة الدقي بوسط القاهرة في طريقي إلى منزل الكاتب الصحفي والإعلامي الكبير مفيد فوزي لإجراء مقابلة صحفية معه -نُشِرت في حينها- وظلت معي -أي المقولة- طيلة جلستي معه التي استمرت فوق الـ90 دقيقة، تحدثنا فيها عن أيام طفولته في شوارع مدينة بني سويف -تقع شمال الصعيد جنوب القاهرة- وعن معرفته وقربه من العندليب عبدالحليم حافظ وعن حبه للصحافة من العمل كمحرر تحت التمرين حتى أصبح رئيسًا لتحرير مجلة صباح الخير المصرية، وعن برامجها التليفزيونية الشهيرة ومنها (حديث المدينة)، ثم سألته عن باب عمارته الذي أصبح من الحديد -بعد 25 يناير- وكان قبل ذلك من الزجاج، وهل كان ذلك سببه الفوضى التي اجتاحت القاهرة وبعض عواصم المدن الكبرى في ذلك الحين.

•••

وبعد قليل.. غيرت مجرى الحديث للكلام عن حوارته مع كبار المبدعين المصريين والعرب في الصحافة والثقافة والفنون، ثم قررت أن أقتحم حياته الإنسانية -على طريقته الشهيرة في حواراته مع المشاهير "تسمح لي أسألك"، وسألته عن الحب والزواج في حياته، وعن (عِشرة عُمره) الإذاعية الكبيرة آمال العمدة، وقلت: إنني ممن استمعوا وأحبوا وعشقوا برامج آمال العمدة، وكان هو يستمع لي بتركيز شديد ويحرك بيده فنجان الشاي الذي أمامه ويشير لي قائلًا: كم قطعة من السكر؟ قلت: ثلاث.

ردَّ بحروف حاسمة وهو يضغط على مخارجها: "كتير.. معلقة واحدة كفاية.. علشان صحتك "، الكاتب والمفكر أنور عبدالملك عمل معي أكثر من ذلك، وقال: اشرب الشاي سادة أحسن لصحتك، ثم أكملت كلامي لمفيد فوزي: "آمال العمدة لا يوجد مستمع من عشاق الإذاعة يستطيع أن ينسى برنامجها الشهير "صُحبة.. وأنا معهم"، ولقد استمعت -واستمتعت- فيه لأحاديث إذاعية شهيرة ممتعة ورائعة مع كبار الشخصيات في جميع المجالات من الصحافة إلى السياسة، أذكر منهم يوسف السباعي وعمر الشريف ومصطفى محمود وعبدالوارث عسر وبليغ حمدي وبطرس غالي والشيخ الباقوري وفكري مكرم عبيد ونزار قباني.. وغيرهم.

•••

كنت أتحدث وهو لا يزال يمسك بالمعلقة ويذيب السكر في الشاي (هو يشربه سادة) ويهز في رأسه حتى سكت ثم قال: "الكلام عن آمال يحتاج يومًا كاملًا"، قالها وهو يتنهد ويلقي ببصره على صورها المعلقة في غرفة مكتبه بصورة لافتة ثم حسم الأمر بجملة لا أنساها، حيث قال: "كانت آمال منقوشة كالوشم على جدار قلبي"، ثم أضاف: "خلي الحديث عن آمال في لقاء آخر"، واتفقنا على ذلك وودعته على أمل اللقاء مرة أخرى قريبًا، غير أن هذا القريب لم يأت حتى دار الزمن دورته وابتعدت المسافات بيننا وأخذتني دوامة الدنيا في متاهاتها التي لا تنتهي ورحل مفيد فوزي -بعد رحلة مرض قصيرة- في شهر ديسمبر 2022.

وعندما مات تذكرت -من بين ما تذكرت- حديثنا الذي لم يكتمل عن آمال العمدة ومرت الأيام حتى عثرت بالصدفة على كتاب (صُحبة.. وأنا معهم) صادر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، الجزء الثاني والثالث فقط ولا زلت أبحث عن الجزء الأول.

•••

وفي مقدمة الجزأين وجدت آمال العمدة كما رآها مفيد فوزي حيث لخص بقلمه لي، وللقراء والمستمعين -قراء الكتاب ومستمعي الإذاعة- رحلته مع آمال العمدة الزميلة والصديقة والحبيبة والزوجة وعشرة العمر، وجاءت كلماته وحروفه بأجمل ما تكون وبأفضل ما كنت سأسمع منه في حديثنا الذي لم يكتمل عنها، وإن كان قد قال لي إنها -أي آمال العمدة- "كانت منقوشة كالوشم في قلبه"، فقد قال في مقدمة الكتاب ما هو أجمل من ذلك، حيث قال: "سيدتي الراقدة في مقابر أرض الجولف.. المستريحة من صراعات الحياة الضارية.. النائمة في سكون أبدي.. مضيت إلى عالم مجهول، نقف على بابه في طابور طويل.. طويل بطول الكرة الأرضية وعرض محيطاتها.. عندما أختلس لحظات ويهزني الشوق إليك أسمع شريطًا من مكتبتك السمعية، فأكتشف أنك مقدمة برامج من طراز نادر ولم يرفض أحد الحديث معك بل تهافتوا أحيانًا على ميكروفونك اليقظ"، ثم يقول بدموع القلب وحنين الحب: "آمال.. ساعة زمن معك بالدنيا كلها.. حبيبتي وصديقتي.. ما تمنيت إلا صُحبة وأنا معك.. أعيدها مرة ومرات، ما تمنيت إلا صحبة وأنا معك".

•••

ثم يعود ويقول: "صديقة العمر الغائبة الحاضرة آمال.. أشعر بوحشة شديدة لأيامنا معًا وأفتقد حتى خلافاتنا معًا.. فقد كنت دليل عافية علاقة فيها التشبث الضاري العميق الجذور نسجت من وحدتي شرنقة عشت داخلها أحيانًا وجعلت من الصمت المحيط بي هيكلًا ألوذ به، وجعلت من ذكرياتنا معًا خيمة أحتمي بها من زيف الناس والمشاعر المزورة". ثم يقول: "في غرفة مكتبي المكان الذي شهد وقوفك خلفي أخطو في شارع النجاح، أجلس وتحيطني صورك -لقد شاهدت هذه الصور ذات مساء عندما زرته وجلست في غرفة المكتب- المعلَّقة على الحائط تكاد تنطق وتخاطبني وتسأل عن أحوالي وأمامي مئات الشرائط الإذاعية المسجلة يجلجل داخلها صوتك بحواراتك في الأدب والفكر والسياسة وضيوفك من العمالقة أيام كانت الصفوة بعافية ولم تتقلص بعد".

•••

ثم يشكو لها ما فعلته الأيام والأحزان قائلًا: "آمال.. دخلت معارك حاولت أن تنال مني وذهبت إلى قبرك أشكو من البهتان واسترحت عندما استعدت كلماتك التي قلت فيها: وُلدت لتعيش معارك.. ووقف الله معي كثيرًا ولا يزال هو الملجأ والملاذ.. إن الإيمان ليس كلمة نلوكها ولكنها إحساس عميق في الضمير مع الخير مهما تصدت له قوى الشر"، ثم يقول لها رسالته الأخيرة في بوح عظيم: "بعض الأصدقاء المخلصين نصحوني بالزواج ولتكن الزوجة لرفقة العمر بدل الوحدة وقد رفضت الفكرة وقلت لنفسي (ويبدو أنه يقول لنا جميعًا): لا أحد يحتملني غيرك؛ لأن حبك كان نقيًا وشفافًا وغير عادي ورفضت الفكرة وقلت في سري إن آمال تقول إنى أممت مشاعرها وقلبها ولا أظن أني قادر على تأميم قلب آخر"، وبذلك يعطينا مفيد فوزي درسًا في الحب والزواج والحياة خلاصته أن الرجل -أو المرأة- إذا وجد زوجًا يحتمل.. ويحب بشفافية.. ونقاء.. فمن المؤكد أن نصف مشكلاتنا الزوجية في عالمنا العربي ستُحل من تلقاء نفسها في بساطة وسهولة وهدوء.

•••

•••

ثم يختم مفيد فوزي مرثيته الحياتية والغرامية والزوجية والإنسانية بالإجابة عن سؤال كانت قد وجهته له الكاتبة الصحفية الكبيرة -أطال الله في عمرها- سهام ذهني حين سألته: هل من الضروري لكي نعرف حقيقة مشاعرنا لا بد من الموت؟، فكان رده: "يبدو ذلك يا سهام".

ثم يكمل حديثه وهو يناجي آمال العمدة قائلًا: "كان رحيلك المفجع استفتاء عليك.. على نبل قلبك وعافية عقلك، وقمة أمومتك"، ثم يختم كلامه قائلًا: آمال.. ما أقسى لحظة الليل قبل أن أدخل سريري.. أشعر بأطياف الذكريات تحوم حولي ولا مفر منها إلا بالنوم الذي يستعصي كثيرًا على جفوني.. آمال.. أكرر قولى: كان حبك خيمة أحتمي بها من زيف الناس والمشاعر المزورة.

•••

وعندما انتهيت من كلام مفيد فوزي لحبه و(عِشرة عُمره) آمال العمدة وجدته -ودون قصد- يقول ما قاله محمود درويش -مع اختلاف التفاصيل- حيث قال: "عِش الحياة الآن في امرأة تحبك".. ولقد عاش مفيد فوزي الحياة مع آمال العمدة وهو يدرك أنه يعيش الحياة في امرأة تحبه.. وهذا هو الحلم الذي يتمناه أي إنسان.. لأن كل شيء -كما يقول محمود درويش- زائل، إلا أن تعيش الحياة في امرأة تحبك".. ولقد عاشت آمال العمدة الحياة في رجل يحبها.. وعاش مفيد فوزي الحياة في امرأة تحبه.. وهذا النوع من الحب كان -وسيظل- سر جمال الحياة.. (الحب كده)!

المصادر:

كتاب: "صحبة.. وأنا معهم" - الجزأين الثاني والثالث- الهيئة المصرية العامة للكتاب - الطبعة الأولى - مارس 2003