مع تزايد المؤشرات على اقتراب نهاية الحرب الإيرانية بعد نحو أربعة أشهر من القتال، بدأت الأنظار تتجه نحو القوى الدولية الكبرى التي ستسعى إلى إعادة ترتيب مواقعها في المشهد الجديد، وفي مقدمتها الصين، التي ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية عميقة مع طهران وتعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني.
وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحدث فيها عن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، لتفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول كيفية تعامل بكين مع إيران ما بعد الحرب، خصوصًا إذا شهدت البلاد تحولات في موازين القوى الداخلية أو تخفيفًا للعقوبات الأمريكية المفروضة عليها.
مراكز القوى الجديدة
ترى صحيفة "فورين بوليسي" الأمريكية، أن الصين ستتحرك سريعًا لترسيخ علاقاتها مع القوى الأكثر نفوذًا داخل إيران في مرحلة ما بعد الحرب. فبينما حافظت بكين خلال السنوات الماضية على علاقات وثيقة مع المؤسسة السياسية الإيرانية، فإن نفوذ الحرس الثوري الإيراني يبدو أنه تعزز بصورة ملحوظة خلال فترة الصراع، ما قد يدفع الصين إلى توسيع قنوات التواصل معه بشكل أكبر.
ورغم وجود علاقات اقتصادية وأمنية محدودة بالفعل بين شركات صينية وبعض المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انفتاحا أوسع سعيا إلى بناء قنوات اتصال أكثر استقرارا مع مراكز صنع القرار الجديدة داخل إيران.
العقوبات الأمريكية.. فرصة أم تحدٍ؟
وبحسب الصحيفة الأمريكية، إذا قررت الولايات المتحدة تخفيف أو رفع العقوبات المفروضة على إيران ضمن أي تسوية سياسية محتملة، فقد يشجع ذلك الشركات الصينية على توسيع أنشطتها داخل السوق الإيرانية بصورة أكبر.
وخلال السنوات الماضية تمكنت بكين من الحفاظ على مستويات من التعاون التجاري مع طهران رغم الضغوط الأمريكية، إلا أن أي تخفيف للعقوبات قد يمنح الشركات الصينية مساحة أوسع للاستثمار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل، وهي المجالات التي تعتبرها الصين جزءا أساسيًا من مبادرة "الحزام والطريق".
كما قد يدفع ذلك بكين إلى تعزيز سياساتها الهادفة إلى مواجهة العقوبات الأجنبية، في إطار جهودها لبناء منظومة اقتصادية أقل تأثرًا بالضغوط الغربية.
النفط.. أولوية استراتيجية
ورغم التوسع الصيني الكبير في مشاريع الطاقة المتجددة، فإن الاقتصاد الصيني لا يزال يعتمد بشكل أساسي على الوقود الأحفوري، ما يجعل استقرار إمدادات النفط أحد أهم أولويات بكين.
وخلال الحرب تمكنت الصين من تجاوز اضطرابات الإمدادات الإيرانية دون خسائر كبيرة، مستفيدة من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية الضخمة التي ساعدت في تخفيف آثار الاضطرابات على الأسواق المحلية.
وترى الصحيفة الأمريكية أن انتهاء الحرب لا يعني تراجع اهتمام الصين بالنفط الإيراني، بل على العكس قد يدفعها إلى زيادة مشترياتها مستقبلًا، خاصة إذا تراجعت الأسعار أو احتاجت طهران إلى تقديم خصومات كبيرة لجذب المشترين في ظل أزمتها الاقتصادية المتفاقمة.
وفي الوقت نفسه ستواصل بكين سياسة تنويع مصادر الطاقة من خلال تعزيز وارداتها من روسيا ودول أمريكا اللاتينية لتقليل الاعتماد على أي مصدر واحد.
دروس الحرب
ومن غير المتوقع أن تتبنى الصين أساليب مشابهة لإيران في تهديد الممرات البحرية الدولية، نظرًا لاختلاف موقعها الجغرافي ومصالحها التجارية العالمية، إلا أن بكين قد تستخلص من الحرب دروسًا جديدة حول أهمية أدوات الضغط الاقتصادية. إذ تمتلك نفوذًا كبيرًا في عدد من سلاسل الإمداد العالمية الحيوية، خاصة في مجالات المعادن النادرة والتكنولوجيا والتصنيع، وهو ما يمنحها أدوات تأثير مختلفة عن الأدوات العسكرية التقليدية، بحسب "فورين بوليسي".
وإلى جانب الملف الاقتصادي، تراقب بكين عن كثب التداعيات العسكرية للحرب على الولايات المتحدة، وخاصة قدرة واشنطن على إعادة بناء مخزوناتها من الأسلحة والذخائر بعد أشهر من العمليات العسكرية.
ويعتبر هذا الملف ذا أهمية خاصة بالنسبة للقيادة الصينية التي تسعى إلى تقييم جاهزية الولايات المتحدة وقدرتها على خوض أزمات أو صراعات أخرى في مناطق مختلفة من العالم.
وفي هذا السياق، يتوقع خبراء أن تكثف الصين جهودها الاستخباراتية والتقنية لجمع معلومات دقيقة حول حجم الإنفاق العسكري الأمريكي وسرعة تعويض المخزونات الاستراتيجية التي استُهلكت خلال الحرب.