تُعقَد القمة السنوية لمجموعة الدول السبع الصناعية G7 بمدينة إيفيان الفرنسية، في الفترة من 15-17 يونيو، بمشاركة ممثلي كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث أعلن البيت الأبيض عن مشاركة الرئيس دونالد ترامب في خطوة تعكس استمرار انخراط واشنطن في قضايا التنمية والأمن العالمي. ومن المتوقع أن تتصدر القضايا الدولية والإقليمية أجندة مناقشات القمة، لا سيما تلك التي تحظى بأولويات الرئاسة الفرنسية، ومنها إعادة صياغة نظام المساعدات الدولية لتركز على الشراكات الاستثمارية المستدامة، ووضع سياسات وقواعد للذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، وأمن الطاقة العالمي، وسلاسل توريد المعادن النادرة، وعلاقات أوروبا بالصين في ظل التباعد الأمريكي الأوروبي.
أهمية التوقيت
يأتي انعقاد القمة لتتزامن مع العديد من التحولات الإقليمية والدولية شديدة التعقيد، أولها يرتبط بالانقسام ما بين معظم أعضاء مجموعة الدول السبع الصناعية والولايات المتحدة الأمريكية منذ وصول ترامب للسلطة، حيث تعاني أوروبا من تباين رؤيتها مع الموقف الأمريكي سواء ما يتعلق منها بالحرب الروسية الأوكرانية واعتقاد الدول الأوروبية أن ثمة تقارب ما بين ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، يعد خصمًا من رصيد العلاقات الإستراتيجية الأمريكية الأوروبية، وهو ما انعكس على ضبابية موقف ترامب من أوكرانيا، بما يهدد أمن القارة الأوروبية التي تعتمد على الضمانة الأمريكية لمواجهة التهديدات المتنامية، وهو ما جعل الرئيس ترامب يطالب الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي في إطار حلف الناتو لتصل إلى 5% من الناتج المحلي لكل دولة عضو في الحلف.
من ناحية أخرى يمثل الانقسام الأمريكي الكندي أحد أوجه التباعد بين أعضاء مجموعة الدول السبع الصناعية في ظل ما يردده الرئيس الأمريكي عن أن كندا هي الولاية الأمريكية رقم 51، وهو ما انعكس على اتجاه كندا نحو تمنين علاقاتها بالصين لمواجهة أطماع ترامب لضم كندا وجرينلاند. هذه الانقسامات ما بين أعضاء المجموعة ستنعكس على حوارات القمة وبيانها الختامي في ظل اختلاف الرؤى ما بين الدول التي تمثل تجمعًا للاقتصادات العظمى على المستوى العالمي، وأن تداعيات المواقف وتباينها لن يتوقف على مستوى العلاقات بين أعضاء المجموعة، وإنما سيكون له تأثيراته الممتدة على تفاعلات السياسة والاقتصاد في أرجاء المعمورة كافة.
أما ثاني تلك التحولات التي تتزامن مع انعقاد القمة وترتبط بالأمن العالمي، والتي سيكون لها انعكاساتها على حوارات القادة المشاركين في فعاليات القمة، ما يرتبط بالنزوع العالمي إزاء سباق تسلح عسكري محموم في أقاليم العالم المختلفة بعد الإعلان عن زيادة مخصصات الإنفاق العسكري من موازنات الدول، وتداعيات ذلك على الأمن العالمي، بعد أن أعلنت دول مؤثرة في النظام الدولي عن تلك الزيادة، ومنها ألمانيا واليابان وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة، وهو ما سيكون بالقطع خصمًا من رصيد المخصصات المالية الموجهة للتنمية الدولية.
ويُضاف إلى تزايد مخصصات الإنفاق الدفاعي اتجاه عالمي نحو سباق نووي ملفت، بعد أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نهاية أكتوبر 2025، عن نجاح تجربة صاروخ "بوريفيستنيك" ذي المحرك النووي، إلى جانب طوربيد نووي ذاتي القيادة. على الجانب الآخر، رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تجربة الصاروخ الروسي بالأمر باستئناف التجارب النووية لأول مرة بعد نحو ثلاثة وثلاثين عامًا، حيث كان التوقف الفعلي للتجارب النووية للولايات المتحدة في أوائل التسعينيات.
غير أن ترامب لم يصرح بنوع هذه التجارب، وأعرب عن أن العودة إليها تمثل مواكبة لخصمَيه روسيا والصين، وهو ما يمكن أن يمثل سباق تسلح نووي جديد في عالم متعدد الرؤوس النووية. وهو ما يُعَد تجسيدًا لتفكك نظام ضبط التسلح النووي، كان قد سبقه انسحابات متتالية سواء روسية أو أمريكية من اتفاقات تضبط وتحد من السباق النووى العالمي، فقد انسحبت الولايات المتحدة في عام 2019 من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى بحجة تجاوزات روسية، وفي عام 2020 انسحبت واشنطن أيضًا من معاهدة الأجواء المفتوحة (Open Skies)، وصولًا إلى تعليق روسيا التزاماتها بموجب معاهدة نيو ستارت في 2023، والتي انتهت فعليًا في فبراير 2026 دون اتفاق الطرفين الأمريكي والروسي على تمديدها.
أما ثالث تلك التحولات التي تتزامن مع انعقاد القمة يرتبط بالاتجاه الأمريكي نحو عقد اتفاق للسلام مع إيران بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في الشرق الأوسط منذ 28 فبراير 2026، وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر، وهو الاتفاق الذي يعتقد العديد من المحللين بأنه سيضع ركائز جديدة لنظام إقليمي ودولي قيد التشكيل بعد أن كشفت الحرب عن عودة الجغرافيا السياسة، لا سيما وأن إيران وظفت ورقة مضيق هرمز الذي تشرف على ساحله الشرقي في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما يتزامن انعقاد قمة الدول السبع الصناعية مع اتجاهات التهدئة في الشرق الأوسط التي بدأ ترامب في تبنيها بعد أن أعلن في 1 يونيو 2026 عن اتصاله برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف التصعيد الإسرائيلي في لبنان. وربما يشكل اتفاق السلام الأمريكي الإيراني حال إبرامه بداية لإطفاء حرائق الإقليم، ووقف توظيف الأراضي العربية في صراع الإرادات الإقليمية والدولية.
مسارات محتملة
من المحتمل أن يسعى قادة دول مجموعة السبع الصناعية، وفق أجندة القضايا المتوقع مناقشتها، لبحث قضايا الأمن والسلام العالمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتحول الأخضر، والأمن البيئي، وأمن الطاقة العالمي، وسلاسل توريد المعادن النادرة، وعلاقات أوروبا بالصين، والأزمات الجيوسياسية في أوكرانيا وغزة وإيران ولبنان وملفات إعادة الإعمار وآلياته، وهي القضايا التي تشهد جدلًا دوليًا وتباينًا في الرؤى المحتمل طرحها على طاولة مناقشات القمة. لذلك من المحتمل أن تتنوع مسارات القمة، لنصبح إزاء مسارين لا ثالث لهما.
المسار الأول؛ نجاح القمة (وهو الأقل احتمالًا): بحيث تنجح القمة في التوصل لصياغات مشتركة تسهم في حلحلة الأزمات الدولية المتنامية، ويتوقف ذلك المسار على مدى تبني الدول السبع -التي تعد بمثابة نادي الكبار في النظام الدولي- إعادة الاعتبار للمؤسسات الدولية المنوط بها صياغة السياسات الدولية سواء التنموية أو الأمنية، إذ تستحوذ مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) على نحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بالقيمة الاسمية، وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، كما تسيطر على ما يقرب من 50% من صافي الثروة العالمية وما يقرب من 40% من حجم التجارة الخارجية العالمية، وتمتلك دول المجموعة ناتجًا محليًا إجماليًا مجمعًا يبلغ حوالي 51.45 تريليون دولار، وتسيطر دولها السبع على النسبة الأكبر من الثروات والأصول المالية المودعة عالميًا. كما تقود المجموعة حركة التبادل التجاري عبر الهيمنة على سلاسل الإمداد الأساسية والابتكارات التكنولوجية، وتمثل أسواقها القوة الشرائية الأعلى للأفراد بفضل مستويات الدخول المرتفعة.
المسار الثاني؛ إخفاق القمة (وهو الأكثر احتمالًا): ويجد هذا السيناريو المحتمل سنده في تمايز وتباين توجهات الدول السبع الصناعية، لا سيما الموقف الأمريكي من الصراعات الدولية، ودور المؤسسات الدولية القائمة، حيث يسعى ترامب إلى إعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية، وذلك من خلال خنق الصين اقتصاديًا وتأجيل صعودها كقطب اقتصادي مهيمن على التفاعلات الدولية، فضلًا عن موقف ترامب من الدول الأوروبية، وهي الدول التي تشكل غالبية دول مجموعة السبع الصناعية، حيث انتقد ترامب موقف حلف شمال الأطلسي "الناتو" من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واصفًا إياه بأنه "نمر من ورق"، وأنه يفكر في الانسحاب الأمريكي من الحلف لعدم جدواه، برغم نفي نائب الرئيس الأمريكي دي فانس احتمالية ذلك الانسحاب، فيما وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الولايات المتحدة بأنها "ابنة أوروبا"، في رسالة تهدف إلى التأكيد على الوحدة وعمق الروابط التاريخية خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن.
مجمل القول؛ يشكل انعقاد القمة السنوية لمجموعة الدول السبع الصناعية حدثًا مهمًا؛ في ظل ما تمثله المجموعة من ثقل اقتصادي وعسكري، لا سيما وأنها تتزامن مع التحولات الإقليمية والدولية شديدة التعقيد، سواء ما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية وأمن أوروبا، أو التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وتحولات الأمن الإقليمي بعد اتفاق السلام الأمريكي الإيراني المزمع عقده، أو ما يتعلق بالسعي الأمريكي للحفاظ على مقومات الهيمنة ومنع الصعود الصيني، وهي القضايا والتحولات التي تحتاج من قادة المجموعة ضرورة إعادة الاعتبار لدور المؤسسات الدولية المنوط به صياغة السياسات العالمية اقتصاديًا وعسكريًا وقيميًا، بحيث لا يتحول العالم إلى حرب الكل ضد الكل كحالة بدائية للبشر قبل تأسيس الدولة، كما وصفها الفيلسوف السياسي توماس هوبز.