عاد شبح استئناف الحرب مع إيران مع إعلان مقر خاتم الأنبياء فجر الاثنين 8 يونيو 2026، قصف مواقع عسكرية في شمال إسرائيل ردًا على خرق الأخيرة اتفاق وقف إطلاق النار وتجاهل تحذير طهران بأن قصف الضاحية الجنوبية لبيروت سيقابل برد إيراني على شمال إسرائيل. من جانبها ردت إسرائيل على موجات القصف الإيراني بقصف جوي شمل مواقع في وسط وغرب إيران منها منصات إطلاق صواريخ أرض-أرض ومنصات دفاع جوي، إلى جانب استهداف مجمع بتروكيماويات وجامعة "تابعة للحرس الثوري". وارتبط التصعيد بين الجانبين بنهج متدرج شمل دخول "الحوثيين على خط التصعيد"، إلا أن وقائع التصعيد بدت محدودة وتحذيرية في إطار رغبة الطرفين تجنب الوقوع في فخ التصعيد دون أهداف واضحة واختبار الخطوط الحمراء وبالتالي تحسين شروط التفاوض، في ظل إعلان واشنطن عدم انخراطها في التصعيد وحثها طهران وتل أبيب على وقف إطلاق نار فوري.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي حدود توظيف التصعيد الإيراني الإسرائيلي في مسار مفاوضات إسلام آباد لوقف الحرب.
توظيف التصعيد
حددت المواجهة القصيرة بين إيران وإسرائيل سقف التصعيد واختبرت مدى ترابط ساحات المواجهة وتأثيرها على العامل الإسرائيلي الذي يراهن على عدم التزامه بأي عملية تفاوضية ليس شريكًا فيها.
(*) توحيد الساحات الإيرانية: على الرغم من عدم اقتران التصعيد بتحركات واسعة في مضيق هرمز، إلا أن خرق خطوطها الحمراء في لبنان باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت استدعى تحركًا إيرانيًا ليس فقط لدفع ملف وقف إطلاق النار في لبنان إلى "مسار إسلام آباد"، ما بدى محل قبول لبناني رسمي في إطار زيارة قائد الجيش ردولف هيكل إلى العاصمة الباكستانية لبحث جهود وقف إطلاق النار، وإنما لترسيخ حضور حلفاء إيران الإقليميين مثل "حزب الله" اللبناني و"الحوثيين" في اليمن إلى معادلة الردع الإيرانية سلمًا أو حربًا، من خلال استخدام تحكم الحوثيين في حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب وحظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر رهنًا بالتصعيد في جنوب لبنان، ما يمنح "حزب الله" متنفسًا للضغط الميداني على إسرائيل في الجنوب اللبناني دون توسيع إطلاق النار في الشمال الإسرائيلي. ويبدو حاضرًا في فكر القيادة العسكرية الإيرانية الخوف من فخ الاحتواء بهدف عزل مسارات وقف الحرب، ما يؤدي لحرمانها من بعض حلفائها الإقليميين، بالتوازي مع الاختبارات المتتالية لحدود سيطرتها على مضيق هرمز، ما دفعها للتلويح باستغلال ورقة مضيق باب المندب، سعيًا لتجنب محاصرتها وتقليص فاعلية سيطرتها النارية على المضيقين الحيويين لصدرات الطاقة والتجارة البحرية العالمية.
(*) العامل الإسرائيلي: حافظت إسرائيل على الحد الأدنى من نمطها التصعيدي في مواجهة إيران، في إطار موازنتها بين الحفاظ على الردع من جهة وتجنب الضغوط الأمريكية، من خلال اتخاذ إجراءات "دفاعية" ضد أهداف عسكرية إيرانية في المقام الأول، خاصة مع حث ترامب -حسب وسائل الإعلام الأمريكية- لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لعدم الرد على القصف الإيراني. ولا تتصور إسرائيل وقف عملياتها تمامًا في جنوب لبنان دون التوصل لاتفاق شامل يلزمها صراحة بوقف إطلاق النار، بالتوازي مع ضغط إيراني على "حزب الله" لضبط إيقاع عملياته العسكرية من أجل المساهمة في تيسير وقف إطلاق النار بأقل كلفة ممكنة.
(*) الضغط الأمريكي: على الرغم من إعلانات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بشأن قرب التوصل لاتفاق سلام مع إيران والتلويح بالعودة للتصعيد، أظهرت الإدارة الأمريكية بتصريحات رسمية ورسائل إيجابية واضحة في كواليس التوصل لوقف إطلاق النار أنها غير منخرطة في التصعيد الراهن وترغب في وقفه فورًا، فضلًا عن عدم إعلان القيادة المركزية الأمريكية مشاركتها في العمليات ولو بصورة دفاعية لصد القصف الإيراني. ونقلت صحيفة يسرائيل هيوم العبرية، أن واشنطن وتل أبيب بعثتا رسالة لطهران بوقف إطلاق النار إذا التزمت الأخيرة بإعلان وقف هجماتها الصاروخية. هذا النفي بالانخراط في التصعيد قد يحمل فرصة لإدارة ترامب بالعودة لضمان وقف التصعيد بين إسرائيل وإيران رغم المخاطرة بحماية رئيس وزراء يواجه انتخابات مبكرة وملفات قضائية ضاغطة قد تدفعه دائمًا لاختيار الخيار العسكري.
(*) فاعلية الوساطة: لا تخوض باكستان مفاوضات إنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة منفردة، بل مدعومة بجهد خليجي وإقليمي يهدف لتذليل العقبات أمام المسار التفاوضي وتهدئة التصعيد الإقليمي، إلى جانب تقييد التأثير الإسرائيلي على القرار الأمريكي، لذلك فإن عملية نقل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران وحتى إسرائيل في زمن التصعيد تشي بالتدخل الفاعل للوساطة بهدف إدخال وقف إطلاق النار في لبنان إلى مسار إقليمي في عهدة إسلام آباد وانتزاعها من يد طهران من جهة، وبالدرجة الأولى من واشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، ما يضمن على الجانب الآخر إلزام إسرائيل على التحلي بمطالب واقعية لإنهاء الحرب في لبنان دون مماطلة أو تسويف، وبالتالي عدم تخريب مسار التهدئة الإقليمية.
رهانات محدودة
يظهر التصعيد الراهن استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل وقف إطلاق النار، في ظل تعثر المفاوضات وانعدام الثقة بين أطراف النزاع، واستمرار المراوحة بين التصعيد والتفاوض، ما يظهر هشاشة وقف إطلاق النار واستمرار المخاوف من العودة للصراع.
(&) توازن الرعب: أظهرت إيران عزمًا لانتزاع مطالبها بتفكيك حالة الحصار والعزلة، التي عانتها منذ 47 عامًا من خلال إثبات قدرة السيطرة النيرانية على المضائق الحيوية في تعزيز مخاطر الانخراط الأمريكي المتجدد في النزاع، فضلًا عن تهديد وجوده العسكري في المنطقة، بالتوازي مع توسيع نطاق الاعتداءات على دول الجوار. ويعد التصعيد الأخيرة مع إسرائيل محاولة استباقية لمنع عزلها عن السياق اللبناني وتخفيفًا للضغط على "حزب الله"، إلا أنها احتفظت بدخول متغير "الحوثيين" في المشهد، الذي من شأن وجوده في المعادلة اللبنانية أن يقلص التزام طهران بالتدخل حال انحسار المواجهة بين الحزب وجيش الاحتلال على الجنوب اللبناني مع التزام الحوثيين بالتدخل الفاعل في التصعيد.
إن المراهنة على تثبيت التوازنات بالنار بين إيران وإسرائيل، يفترض تحييدًا تامًا للولايات المتحدة، وهو طرح غير محتمل على المدى المنظور نظرًا لاستمرار مصالح واشنطن في المنطقة واستمرار انخراطها العسكري، كما أن تقييد صلاحيات ترامب في شن الحرب قد يواجه بضغوط واسعة من اللوبي الإسرائيلي من جهة والحزبين الديمقراطي والجمهوري من جهة أخرى، لرفض أي اتفاق "سيئ" مع إيران يمنحها وصولًا لأموالها وأصولها المجمدة وينعش قدرتها على خوض الحرب والاحتفاظ بقدراتها النووية والمواد عالية التخصيب، وتهديد النظام الاقتصادي العالمي عبر الإضرار بحرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وبالتالي يمثل عدم الوصول لاتفاق مع إيران كارثة إستراتيجية بعد خوض العديد من جولات التصعيد ضدها، ما يعني أن عدم نجاح التصعيد أو المفاوضات يُمثل انتصارًا تكتيكيًا لإيران، ما قد يدفع الولايات المتحدة للعودة إلى التصعيد ضمن سقف زمني محدود وبعمليات مركزة تهدف لنزع أوراق القوة الإيرانية وعلى رأسها اليورانيوم عالي التخصيب.
(&) الحدود الآمنة: تُمثل خطوة إيران بالهجوم الاستباقي على إسرائيل تحولًا محسوبًا في فكر القيادة العسكرية، التي باتت تمسك بزمام القرار الإستراتيجي، وهو ما قادها للاعتقاد بأن الإمساك بزمام مضيقي هرمز وباب المندب ضغط على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأكمله، في ظل اختناق قطاع الطاقة وتأثر حركة الطيران العالمية بنقص وقود الطائرات وتراجع إمدادات الطاقة. ومن خلال تلك السيطرة والتحكم الانتقائي بحركة الملاحة البحرية تمتلك طهران نفوذًا نسبيًا يمنعها من الوقوع تحت طائلة هجوم واسع النطاق، بينما يمثل الاستناد على عدم الثقة مع الولايات المتحدة للمماطلة في المفاوضات وعدم وجود مؤشرات واقعية على الرغبة في الوصول لاتفاق عاملًا حاسمًا في إمكان تغيير المجتمع الدولي والقوى الغربية لموقفها من الحرب حال استمر الضرر الاقتصادي المدمر دون أفق واضح لنهايته، وقد تتخذ بعض الدول مسارًا عكسيًا تجاه طهران. كما يظل الرهان على ضعف الرئيس الأمريكي ترامب، أمام الاستحقاقات الرياضية والانتخابية في الداخل الأمريكي، من أجل استمرار الصراع في حالة من دورات التصعيد منخفض الشدة هشًا، في ظل عدم تقديم طهران أي منجزات يمكن لترامب تسويقها لتمرير الاتفاق لقاعدته الجمهورية ولحليفه الإسرائيلي وحتى للحلفاء الإقليميين في المنطقة بوقف الاعتداءات الإيرانية.
وإجمالًا؛ يظهر التصعيد الإيراني الإسرائيلي هشاشة وقف إطلاق النار وعدم ارتباطه بضمانات حقيقية أو رغبة متبادلة في تقديم تنازلات من أجل التحول من حالة الهدنة إلى وقف إطلاق نار مستدام يمهد لمفاوضات جادة متعددة المراحل بين الجانبين الأمريكي والإيراني بحضور الفاعلين الإقليميين. وتظل الكوابح الاقتصادية الداخلية والتحولات السياسية وتضرر سلاسل إمداد الطاقة العالمية المحدد الأهم في استمرار حالة الهدنة الجزئية في مختلف الساحة، بينما يرزح لبنان تحت وطأة الضغوط المتبادلة حتى الوصول لتسوية شاملة تنخرط فيها إسرائيل.