في يومَي 11 و12 مايو 2026، انعقدت القمة الفرنسية الإفريقية، بتنظيم كلٍ من فرنسا وكينيا، في العاصمة الكينية نيروبي، تحت شعار "إفريقيا إلى الأمام: شراكات إفريقيا وفرنسا من أجل الابتكار والنمو"، ولأول مرة تُعقَد القمة في دولة إفريقية لم تخضع للاستعمار الفرنسي، مما يشير إلى تحوُّل مقصود في الرمزية والرسائل الجيوسياسية. وجمعت هذه القمة قادة الدول والحكومات الإفريقية، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة نحو 30 رئيس دولة، كما يشارك فيها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، وممثلون عن الاتحاد الأوروبي، وأكثر من 1500 من قادة الأعمال ورؤساء المؤسسات الاقتصادية الفرنسية والإفريقية. وتمثل القمة في نيروبي لحظة دبلوماسية مهمة في تطوُّر العلاقات بين أوروبا وإفريقيا، كما تأتي هذه القمة في ظل تراجُع النفوذ الفرنسي في أجزاء من غرب إفريقيا، حيث قلصت دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، علاقاتها مع باريس بشكل حاد. وقد خالف روتو وماكرون التقاليد باختيار نيروبي مقرًا للقمة، التي كانت تُعقد حصريًا في فرنسا أو الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية منذ انطلاقها عام 1973، وذلك خلال الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
تأسيسًا على ما تَقَدَّم، يسعى التحليل للتعرُف على أهم مُخرجات القمة الفرنسية الإفريقية في نيروبي.
أهداف القمة
يحمل انعقاد قمة نيروبي العديد من الأهداف، التي تتمثل في:
(*) السعي لإعادة تعريف دور فرنسا في إفريقيا: تعكس القمة تحوُّلًا في إستراتيجية باريس تجاه إفريقيا في عهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومن ثم تعويض فقدان النفوذ في إفريقيا الناطقة بالفرنسية من خلال اكتساب المزيد من النفوذ في الدول الناطقة بالإنجليزية. فمن شأن الشراكة الإستراتيجية بين إفريقيا وفرنسا، أن تجعل فرنسا تلعب دورًا رائدًا في الاتحاد الأوروبي وعلى الساحة العالمية؛ من خلال الدعوة إلى أجندة إفريقيا في هذه المحافل، أي الدفاع عن المواقف المشتركة لإفريقيا بشأن القضايا الرئيسية، مثل تغيُر المناخ، والتمثيل على الساحة العالمية، والتمويل المستدام لإفريقيا، ودعم عمليات السلام التي تقودها فرنسا في إفريقيا.
(*) فرصة لكينيا لتصبح قائدة دبلوماسية وبيئية في إفريقيا: تعكس القمة طموح كينيا المتنامي في عهد الرئيس ويليام روتو، لتقديم نفسها كفاعل دبلوماسي قاري وبوابة اقتصادية، وتقديم نفسها كمنصة محايدة للتفاعل القاري والعالمي. فمن خلال استضافة كينيا للقمة خارج النطاق الفرانكفوني التقليدي، تشير كينيا إلى طموحها في تجاوز الانقسامات الإقليمية اللغوية والاستعمارية. بجانب ذلك، تسلط القمة الضوء على اقتصاد كينيا المزدهر بنظامه المصرفي المتين، وبيئة الشركات الناشئة التقنية الديناميكية، وهما قطاعان يُفضّلهما ماكرون. فقد تضاعف عدد الشركات الفرنسية في كينيا أربع مرات تقريبًا خلال عقد من الزمن، ليصل إلى حوالي 140 شركة في عام 2026، بينما تفتخر فرنسا بكونها خامس أكبر مستثمر في البلاد. كما تسهم فرنسا في توفير 46 ألف وظيفة في كينيا، ويشهد حجم التجارة الذي تُقدِّره وزارة التجارة الكينية بنحو 300 مليون دولار (255 مليون يورو)، نموًا ملحوظًا.
(*) التركيز على قضايا عالمية حساسة: تحمل القمة بصمة كلٍ من ماكرون وروتو من حيث التداخُل في الأولويات السياسية لكليهما، إذ ركزت القمة على قضايا عالمية حساسة، أبرزها إصلاح النظام الدولي ومطالبة الدول الإفريقية بتمثيل دائم في مجلس الأمن، وتصاعد التنافس الدولي على النفوذ داخل إفريقيا بين فرنسا والصين وروسيا والولايات المتحدة، إضافة إلى ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب في الساحل والقرن الإفريقي، والهجرة غير الشرعية، وأزمة الديون الإفريقية وإصلاح المنظومة المالية العالمية، فضلًا عن قضايا الانتقال الطاقي والطاقة النظيفة والمعادن النادرة، والأمن البحري والاقتصاد الأزرق، والسيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأمن الصحي والتصنيع المحلي للأدوية واللقاحات.
(*) التطرُق لاتفاقية الدفاع المُبرمة بين فرنسا وكينيا: على الرغم من توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي بين كينيا وفرنسا في 29 أكتوبر 2025 من قِبَل وزير الدفاع الكيني سويبان تويا والسفير الفرنسي لدى كينيا أرنو سوكيه، وتم التصديق عليها من قبل البرلمان في 8 أبريل، فإن هذه الاتفاقية تعرضت أخيرًا لانتقادات من قبل منظمات المجتمع المدني؛ لمنحها الكثير من الحصانة من القانون المحلي للقوات الفرنسية، وتُعَد القمة فرصة للتطرُق لتلك الاتفاقية التي تُعنى بتعزيز التعاون العسكري والأمني بين الجانبين، في ظل مساعي نيروبي لتنويع شراكاتها الدفاعية وتوسيع نطاق التعاون مع القوى الدولية المختلفة.
مُخرجات متنوعة
أسفرت القمة عن جملة من المخرجات التي عكست طبيعة القضايا المطروحة على جدول أعمالها، أبرزها:
(*) الإعلان عن جملة استثمارات ضخمة في إفريقيا: أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال القمة في يومها الثاني، أنها تمثل نقطة تحوّل مالي في العلاقات بين الدولة الأوروبية والدول الإفريقية، بما في ذلك تلك التي كانت مستعمراتها في السابق. مُعلنًا عن جملة استثمارات جديدة في إفريقيا بقيمة 23 مليار يورو (27 مليار دولار)، ستمول قطاعات مختلفة في إفريقيا، بما في ذلك الطاقة، الذكاء الاصطناعي، والزراعة، مضيفًا أن 14 مليار يورو (16.4 مليار دولار) ستأتي من الشركات الفرنسية و9 مليارات يورو (10.5 مليار دولار) من الكيانات الإفريقية، وتركز تلك الاستثمارات على تحول الطاقة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد البحري والزراعة، وستخلق 250 ألف وظيفة مباشرة في فرنسا وإفريقيا.
(*) توقيع اتفاقيات وصفقات مهمة: وقّعت شركة بروباركو اتفاقيات بقيمة تزيد عن 500 مليون يورو في نيروبي من خلال 11 صفقة، وهو ما يمثل ما يقرب من نصف حجم التزاماتها السنوية في إفريقيا، وهيمنت صفقتان على حزمة الصفقات. فقد وقّعت شركة بروباركو اتفاقية بروتوكول مدتها ثلاث سنوات بقيمة 300 مليون يورو مع بنك إيكوبنك، تركز على سلاسل القيمة الزراعية. كما أنجزت الشركة صفقة تبادُل عملات بقيمة 200 مليون يورو بين اليورو والفرنك الإفريقي مع بنك التنمية لغرب إفريقيا، والتي وصفها المسؤولون بأنها الأولى من نوعها في العالم. بالإضافة إلى ذلك، وافقت شركة بروباركو على شراكة بقيمة 300 مليون يورو لمدة ثلاث سنوات مع شركة أكسيان.
كما منحت الشركة قرضًا بقيمة 20 مليون دولار لشركة بيوفاك الجنوب إفريقية المنتجة للقاحات، ووقّعت اتفاقيات مع شركات سيتراج، وإكويتي جروب، وبنك سي آر دي بي، وأتلانتيك جروب، وكاوريدور. وأطلقت بروباركو تحالف التجارة الزراعية الإفريقية، الذي يضم 16 مؤسسة مالية، بميزانيات إجمالية تقارب 400 مليار يورو، ويهدف التحالف إلى معالجة فجوة تمويل التجارة الزراعية في إفريقيا والتي تبلغ 50 مليار دولار.
(*) تبني إعلان جديد لتعزيز الشراكة في مجالات متعددة: خلال القمة، تَبَنَى القادة الأفارقة، برفقة الرئيس الفرنسي، إعلانًا جديدًا لتعزيز الشراكة في مجالات التصنيع الزراعي والأمن الغذائي والرعاية الصحية، عبر دعم سلاسل القيمة الزراعية، والتوسع في التصنيع الغذائي والبنية التحتية والتجارة الإقليمية ضِمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام وخلق فرص عمل جديدة. كما ركز الإعلان على دعم النساء والشباب وصغار المزارعين من خلال التمويل والتكنولوجيا الزراعية والرقمية، وتعزيز الأنظمة الزراعية القادرة على مواجهة تغير المناخ. وفي الجانب الصحي، التزم القادة بتطوير أنظمة الرعاية الصحية الأولية، وتعزيز التأهب للأوبئة، ودعم التصنيع الدوائي الإقليمي وإنتاج اللقاحات والأدوية، في إطار توجه أوسع لبناء اقتصادات أفريقية أكثر مرونة واستدامة في مواجهة الأزمات الصحية والمناخية والاقتصادية.
ختامًا، تعكس قمة نيروبي تحولًا أوسع نطاقًا في العلاقات الدولية، بالنسبة لفرنسا، إذ تمثل إفريقيا فرصة اقتصادية وضرورة إستراتيجية في عالم يزداد فيه تعدد الأقطاب. أما بالنسبة لكينيا، فإن التعاون مع فرنسا يتيح لها الوصول إلى الاستثمارات والتكنولوجيا، ويعزز حضورها الدبلوماسي ضِمن هياكل الحوكمة العالمية. وبالتالي، يكمُن الاختبار الحقيقي لقمة إفريقيا إلى الأمام في النتائج الملموسة التي ستحققها، إذ تطالب إفريقيا بالإنصاف والاستثمار والاحترام. وإذا نجحت هذه القمة في تنفيذ ما توصلت إليه من مخرجات خلال الفترة القادمة، ستصبح بداية فصل جديد في العلاقات بين إفريقيا وفرنسا قائم على المصالح المتبادلة والازدهار المشترك.