أثار قرار إعادة توجيه الرحلات الجوية بعيدًا عن منتجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مارالاجو في ولاية فلوريدا جدلًا واسعًا بين سكان بالم بيتش، بعدما تحولت أحياء سكنية هادئة إلى ممرات جوية مزدحمة يشتكي فيها السكان الأثرياء من ضوضاء متزايدة أثرت على حياتهم اليومية وقيمة ممتلكاتهم.
بداية الأزمة
وبحسب صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، يرى عدد من سكان بالم بيتش أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حقق هدفًا سعى إليه لعقود عبر إبعاد حركة الطيران عن منتجعه مارالاجو، بينما تحمل جيرانه الأثرياء تبعات تغيير مسارات الرحلات الجوية.
في السادسة وخمس دقائق صباحًا من أكتوبر الماضي، استيقظ رجل الأعمال الأمريكي المتقاعد ستيرلنج هاميل، البالغ من العمر 86 عامًا، على صوت طائرة تحلق على ارتفاع منخفض فوق منزله في بالم بيتش.
وكان هاميل قد انتقل قبل 11 عامًا من منزل قريب من مارالاجو لتجنب ضوضاء الطائرات، لكنه اعتبر الأمر في البداية حادثة فردية، قبل أن تتوالى الطائرات فوق منزله بوتيرة متزايدة.
وخلال ساعات قليلة كانت الطائرات تمر فوق العقار كل ثلاث دقائق تقريبًا، ليكتشف لاحقًا أن مسارات الرحلات الجوية قد تغيرت بعيدًا عن مارالاجو باتجاه الأحياء السكنية المجاورة.
معركة ترامب القديمة
يقضي ترامب نحو شهر سنويًا في مارالاجو منذ اعتماده مقرًا رسميًا لإقامته عام 2019، وتتحول زياراته إلى حدث أمني واسع يشمل إغلاق طرق وتحليق مروحيات فوق الجزيرة.
ويعبر مسار الطيران المؤدي إلى مطار بالم بيتش الدولي فوق المنطقة منذ سنوات طويلة، وهو ما أثر على المنتجع منذ أن اشتراه ترامب عام 1985 مقابل نحو خمسة ملايين دولار لعقار يمتد على مساحة 17 فدانًا.
وتشير وثائق الملكية إلى أن السعر المطلوب للمنتجع كان 20 مليون دولار، فيما يقول السكان إن انخفاض السعر ارتبط بتكاليف الصيانة المرتفعة وضوضاء الطائرات فوق المنطقة.
دعاوى قضائية
وتظهر دعاوى قضائية لاحقة أن ترامب سعى مرارًا إلى تغيير مسارات الطيران، حيث رفع ثلاث دعاوى ضد مقاطعة بالم بيتش خلال ثلاثة عقود لتحقيق هذا الهدف.
ويعتقد عدد من سكان بالم بيتش أن ترامب استخدم صلاحياته الرئاسية للوصول إلى النتيجة التي كان يسعى إليها منذ سنوات طويلة.
وفي أكتوبر 2025، أعلنت الخدمة السرية الأمريكية إعادة توجيه جميع الرحلات الجوية بعيدًا عن المجال الجوي فوق مارالاجو لمدة عام، مبررة القرار باعتبارات تتعلق بالأمن القومي.
وبموجب التغيير، أصبحت نحو 200 رحلة جوية يوميًا تتجه شمالًا قبل الوصول إلى المنتجع، لتتحرك فوق مناطق سكنية في بالم بيتش وويست بالم بيتش وفلاميجو بارك، ويمر هذا المسار فوق عقارات تصل قيمة بعضها إلى 150 مليون دولار، الأمر الذي أثار استياء سكان المنطقة الذين اعتادوا الهدوء لعقود طويلة.
حملة شعبية
وبات السكان يطلقون على الظاهرة اسم "توقف بالم بيتش"، لأنهم يضطرون إلى إيقاف أحاديثهم مؤقتًا كلما مرت طائرة فوق رؤوسهم، إذ إن بعض الرحلات تستمر حتى الثانية أو الثالثة صباحًا، ما تسبب في ليالٍ بلا نوم وتراجع مستوى الهدوء الذي اشتهرت به المنطقة.
وفي ديسمبر رفعت مقاطعة بالم بيتش دعوى قضائية ضد إدارة الطيران الفيدرالية، معتبرة أن قرار تغيير مسارات الرحلات كان تعسفيًا ومتقلبًا.
وأطلق السكان حملة خاصة لمواجهة التغييرات الجديدة، في جزيرة يبلغ طولها 18 ميلًا ويصل متوسط أعمار سكانها إلى 70 عامًا وتضم عددًا من أثرى شخصيات العالم.
تعويضات محتملة
أكدت الخدمة السرية، وفق صحيفة "ذا تليجراف"، أن الرئيس ترامب لم يطلب إعداد تقييم للمخاطر، موضحة أن الوكالة هي التي بادرت بطلبه، وأضافت أن منطقة بالم بيتش ترتبط بشكل وثيق بمكتب الرئيس، ولذلك تُعد هدفًا محتملًا لأفراد أو جماعات قد تسعى إلى تنفيذ أعمال ضد الحكومة الفيدرالية أو الولايات المتحدة.
فيما أعرب بعض أصحاب العقارات عن خشيتهم من أن تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وضع دائم يستمر حتى بعد انتهاء ولاية ترامب الرئاسية، وقال أحد السكان، طالبًا عدم كشف هويته، إن ذلك قد يؤدي إلى انخفاض قيمة العقارات وتضرر حياة السكان بصورة كبيرة على المدى الطويل.
لم يستبعد السكان المتضررون رفع دعاوى استملاك عكسي لإجبار الحكومة على دفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم، إذ قال وكلاء عقاريون شاركوا في اجتماعات خاصة بالمشكلة، إن أسعار العقارات قد تتراجع بنسبة 20 بالمئة على الأقل إذا أصبحت التغييرات دائمة.
وتكمن المفارقة في أن ترامب نفسه استخدم حجة مشابهة عندما رفع دعوى عام 2015 ضد مقاطعة بالم بيتش، مطالبًا بتعويض قدره 100 مليون دولار؛ بسبب ضوضاء المطار.
بيانات الضوضاء
قال مارتي كلاين، المحامي السابق لترامب وعضو لجنة المواطنين المعنية بضوضاء المطار، إن عدد السكان الغاضبين في المنطقة المحيطة بمارالاجو قد يصل إلى 25 ألف شخص.
واشترى أحد أصحاب الملايين أجهزة قياس خاصة ووزعها في أنحاء الحي، وأنشأ موقعًا إلكترونيًا لرصد مستويات الضوضاء الناتجة عن حركة الطيران؛ على أمل استخدام البيانات في الإجراءات القانونية المستقبلية.
وأظهرت القياسات أن بعض الأصوات تتجاوز 65 ديسيبلًا، وهو مستوى يعتبر ضارًا بالأذن البشرية، وهي نقطة سبق أن استند إليها ترامب نفسه في دعواه القضائية عام 2015.