قبل ثلاثة أشهر فقط، بدا المشهد وكأنه تتويج لعقود من التنسيق الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، فبعد الضربات العسكرية المشتركة التي نفذتها واشنطن وتل أبيب ضد أهداف إيرانية، تبادل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإشادة بما وصفاه بـ"القرارات التاريخية"، فيما أكد الأخير حينها أن التحالف بين البلدين لم يكن يومًا أقوى مما هو عليه الآن.
غير أن التطورات اللاحقة تشير إلى تحول كبير في مسار الأحداث، إذ يبدو أن الحملة العسكرية المشتركة تتجه نحو نهاية تقودها الدبلوماسية الأمريكية، بينما يجد نتنياهو نفسه بعيدًا عن مركز صناعة القرار بشأن مستقبل المواجهة مع طهران، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
وبحسب مصادر إسرائيلية، يدرك نتنياهو في جلساته المغلقة أن قدرة إسرائيل على التأثير في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران باتت محدودة، رغم امتناعه عن توجيه انتقادات علنية للرئيس الأمريكي.
خلاف حول مستقبل إيران
وتقول مصادر مطلعة إن نتنياهو مارس ضغوطًا متكررة على إدارة ترامب لاستئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق ضد إيران، معتبرًا أن استمرار الضغط قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، غير أن البيت الأبيض اختار مسارًا مختلفًا يقوم على تثبيت وقف إطلاق النار والبحث عن تسوية سياسية.
وتتركّز المخاوف الإسرائيلية على أن أي اتفاق مرحلي محتمل قد لا يتضمن معالجة القضايا التي تعتبرها تل أبيب جوهرية، وفي مقدمتها مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وشبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران.
ووفق الشبكة الأمريكية، ترى أوساط إسرائيلية أن تخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران دون تقديم تنازلات ملموسة في هذه الملفات قد يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها وتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية.
عقدة لبنان
وتبرز الساحة اللبنانية كأحد أبرز نقاط الخلاف بين إسرائيل والإدارة الأمريكية، فبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد وتثبيت التهدئة يواصل نتنياهو الدفع نحو توسيع العمليات العسكرية ضد حزب الله، مؤكدًا أن إسرائيل ستواصل العمل ضد أي تهديد لأمنها.
وأدى هذا التباين إلى زيادة الضغوط السياسية الداخلية على رئيس الوزراء الإسرائيلي، خصوصًا من جانب حلفائه في اليمين المتطرف الذين يطالبون برد عسكري أكثر حدة، ويرون أن القيود الأمريكية تحدُّ من حرية الحركة الإسرائيلية.
تجنب الصدام مع ترامب
ورغم الاستياء الإسرائيلي من مسار المفاوضات، فإن رد فعل نتنياهو ظل أقل حدة مقارنة بمعارضته الشرسة للاتفاق النووي الإيراني عام 2015 خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
وترى "سي إن إن" الأمريكية أن نتنياهو استثمر جزءًا كبيرًا من رصيده السياسي في علاقته الشخصية مع ترامب، ما يجعل الدخول في مواجهة علنية معه خيارًا مكلفًا سياسيًا، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل.
وبدلًا من توجيه الانتقادات للرئيس الأمريكي مباشرة، حمّلت دوائر مقربة من نتنياهو مسؤولية التحول الدبلوماسي إلى فريق التفاوض الأمريكي، وعلى رأسه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، متهمة إياهما بدفع واشنطن نحو إنهاء الحرب عبر التسوية السياسية.
وتشير تقديرات متداولة داخل الأوساط السياسية والأمنية إلى أن إسرائيل أخطأت في قراءة الموقف الأمريكي، بعدما افترضت أن واشنطن ستواصل دعم الخيار العسكري حتى تحقيق أهداف إسرائيل بالكامل.
وبحسب مصادر مطلعة لـ"سي إن إن"، فإن ترامب بات أكثر حساسية تجاه الانتقادات التي تتهمه بالانجرار وراء السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، ما دفعه إلى التأكيد على أنه صاحب القرار النهائي في إدارة الأزمة.
ولم يتردد الرئيس الأمريكي في الإشارة إلى هذه الرسالة بشكل مباشر عندما قال أخيرًا إن "نتنياهو سيفعل ما أطلبه منه"، في تصريح عكس حجم النفوذ الذي تمارسه واشنطن على مسار الحرب والتسوية.
معضلة سياسية وشخصية
ويعتقد محللون استطلعت الشبكة الأمريكية آراءهم أن تداعيات الحرب قد تتجاوز الحسابات العسكرية لتطال جوهر المشروع السياسي لنتنياهو نفسه، فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، بنى رئيس الوزراء الإسرائيلي صورته السياسية على أساس كونه القائد الأكثر تشددًا في مواجهة البرنامج النووي الإيراني.
لكن النتائج الحالية تطرح تساؤلات حول مدى نجاح هذه الاستراتيجية، خاصة مع بقاء النظام الإيراني قائمًا، واستمرار برنامجه النووي موضع تفاوض، وعدم القضاء على القوى الحليفة لطهران في المنطقة.
وأظهرت استطلاعات رأي حديثة تراجع ثقة قطاع من الإسرائيليين في نتائج المواجهة مع إيران، حيث يرى عدد متزايد منهم أن الوضع الاستراتيجي لم يتحسن مقارنة بما كان عليه قبل اندلاع الحرب.
وفي محاولة لاحتواء التوتر، تنظر أوساط إسرائيلية إلى إدارة ترامب ستقدم دعمًا إضافيًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر زيارات رفيعة المستوى أو تفاهمات أمنية جديدة أو مواقف سياسية داعمة، بهدف التأكيد على متانة التحالف بين البلدين.