الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

رسائل اتفاق السلام الأمريكي الإيراني

  • مشاركة :
post-title
التمهيد لاتفاق أمريكي إيراني

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

في تغريدة له على منصة "تروث سوشال"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 23 مايو 2026، أنه "تم التوصل إلى الجزء الأكبر لاتفاق سلام مع إيران، وبانتظار الصياغة النهائية، حيث يجرى حاليًا بحث الجوانب النهائية للاتفاق، وسيتم الإعلان عنها قريبًا، ومن بين العديد من عناصر الاتفاق الأخرى سيتم فتح مضيق هرمز"، وبهذه الكلمات التى جاءت بعد إجراء ترامب- وفقًا لتغريدته- لاتصال وصفه بالجيد للغاية مع قادة دول مصر والسعودية والإمارات وقطر وباكستان والأردن وتركيا والبحرين، واتصال منفصل مع رئيس وزراء إسرائيل، يبدو أن العالم سيتنفس الصعداء بعد التداعيات الاقتصادية المؤلمة على مسار التنمية العالمية منذ بدء التصعيد العسكري في إقليم الشرق الأوسط في 28 فبراير 2026 بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى، وهو التصعيد الذي وُصِف بحرب الأربعين يومًا قبل التوصل لوقف إطلاق النار بين أطراف الصراع.

تأسيسًا على ما سبق، يُثار تساؤل رئيسي حول ماهية رسائل اتفاق السلام الأمريكي الإيراني عالميًا وإقليميًا ودوليًا.

رسائل متنوعة

يعكس بوادر اتفاق السلام الأمريكي الإيراني، والاتجاه الأمريكي نحو توقيع مذكرة تفاهم تخص السلام مع إيران العديد من الرسائل، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) قدرة ترامب على الحسم: إذا كان التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد إيران وشن هجمات على المواقع الحيوية فى الداخل الإيراني، ما كان ليحدث لولا قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانخراط الأمريكي فى جولات التصعيد، فإن ترامب امتلك أيضًا القدرة على الحسم بوقف ذلك التصعيد بإعلانه عن اتفاق للسلام مع إيران، تم التوصل للجزء الأكبر منه، وبانتظار الصياغة النهائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والدول الأخرى المذكورة في تغريدته. ويقصد ترامب عدد من قادة الدول العربية والإقليمية الذين أجرى اتصال مشترك معهم بشأن إيران، وهم قادة: مصر والأردن والبحرين وتركيا والإمارات وقطر والسعودية وقائد الجيش الباكستاني.
ويُحسَب لترامب قدرته على الحسم، وأنه لم يستمر فى الحرب بعد أن فقد التصعيد العسكري في الإقليم جدواه، وأضحى له تأثير سلبي على الاقتصاد العالمي، وربما كانت رؤية مصر سباقة في هذا السياق، عندما وجه الرئيس السيسي رسالة مباشرة ونداءً عاجلًا للرئيس ترامب خلال كلمته في مؤتمر "إيجبس" للطاقة في مارس 2026، طالبًا فيها بوقف الحرب باسم الإنسانية وباسم كل محبي السلام، مؤكدًا على أن ترامب هو الوحيد القادر على إنهاء هذا النزاع باعتباره رجل السلام.

ولا شك أن حسم ترامب واتجاهه نحو عقد اتفاق للسلام مع إيران يجعله يضع ملامح لتقليد أمريكي جديد في عهده، الملمح الأول وربما الأهم هو عدم الانصياع الكامل للتوجهات الإسرائيلية في الإقليم، وتحقيق التوازن مع مصالح أمريكا فى الشرق الأوسط. ويأتي الملمح الثاني لذلك التقليد ليرتبط بالتراجع عن شن حرب إذا فقدت جدواها أو أخفقت في تحقيق أهدافها، وأضحى لها معارضة داخليًا وخارجيًا، وهو ما جسده رفض الدول الأوروبية -الحليف الإستراتيجي لأمريكا- مشاركة الناتو في الحرب على إيران أو المشاركة عسكريًا في فتح مضيق هرمز، أما الملمح الثالث لذلك التقليد الذي أرساه ترامب فإنه يترجم وعوده الانتخابية بوقف الحروب، التي أكد على توقفها بمجرد انتخابه، وجدوى تلك الحروب وتقييم عوائدها في الأمد المنظور على المصالح الأمريكية.

(*)الإخفاق الإسرائيلي: يعكس التوصل لاتفاق سلام بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران رسالة إقليمية واضحة بإخفاق إسرائيل في إقناع ترامب باستمرار الانخراط الأمريكي في الحرب التي سعت من خلالها إسرائيل لتغيير الشرق الأوسط وفق مصالحها ورؤية رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وسعيه لفرض أجندة لحكومة يمينية متشددة افتقدت لرؤية مكامن القوة في داخل الإقليم وارتباطاته بالتوازن الدولي، وأن إقليم الشرق الأوسط بتنوع قواه الإقليمية وثقله الاقتصادي والديموجرافي والعسكري من الصعب إخضاعه لرؤية أحادية الجانب، وإنما يحتاج الإقليم لصياغة مشتركة وترتيبات مستقبلية تضع في الاعتبار مصالح كل القوى الإقليمية من أجل التعايش المشترك معًا.

لذلك فإن المشروع الإسرائيلي فى عهد نتنياهو سواء أكان استيطانيًا أو توسعيًا على حساب دول في الإقليم تغيب عنها وجود الدولة الوطنية، يعد في أضعف حالاته بعد أن فشلت الحكومة الإسرائيلية في تحقيق أيًا من أهدافها من دون الولايات المتحدة في الجبهات التي أشعلتها في غزة ولبنان وإيران واليمن وسوريا، غير أن الرسالة التي تبقى الأهم ودرس التاريخ المستفاد من الوصول لعقد اتفاق للسلام ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران هي استمرار القاعدة التاريخية بل والإستراتيجية في تفاعلات الإقليم، ومؤداها عدم قدرة إسرائيل على خوض أي من حروبها منذ تأسيسها فى مايو 1948 من دون مساندة قوة دولية.

(*) إطفاء حروب الجبهات: يمثل اتفاق السلام الأمريكي الإيراني ربما رسالة طمأنة لشعوب الجبهات التي أشعلتها إسرائيل في الإقليم باحتمالية إطفائها والعودة إلى المسار الصحيح، وأن العالم الذي انقسم ما بين أغلبية رافضة للسلوك العدواني الإسرائيلي في غزة ولبنان وإيران وسوريا واليمن، وأقلية مؤيدة وداعمة لهذه الحروب ربما توجد فقط في الداخل الأمريكي، ومن خلال شبكات اللوبي الإسرائيلي التي أضحت عبئًا على السياسة الأمريكية، وهو ما يتماشى مع خلاصة الدراسة العلمية الشهيرة التي توصل إليها أستاذ العلاقات الدولية ستيفن والت مع جون ميرشايمر مبكرًا، والمعنونة بـاللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية والصادرة عام 2008. والتي كان أهم استنتاجاتها أن إسرائيل أضحت عبئًا على الولايات المتحدة الأمريكية وتحولت من رصيد إستراتيجي إلى عبء إستراتيجي، وأن الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل لم يعد مبررًا على أساس المصالح القومية الأمريكية الحيوية أو القيم الديمقراطية المشتركة، بل يرجع في المقام الأول إلى نفوذ اللوبي الإسرائيلي في توجيه دفة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وأن هذا الدعم غير المشروط يضر بسمعة واشنطن عالميًا، ويقيد تحركاتها الإقليمية، ويؤجج العداء ضدها في المنطقة، وهو ما يعوق قدرة الولايات المتحدة على إدارة علاقات متوازنة مع بقية دول الشرق الأوسط.

(*) عودة الجغرافيا السياسية: يعكس اتفاق السلام الأمريكى الإيراني المزمع عقده، رسالة مهمة ترتبط بعودة الجغرافيا السياسية وأهميتها، فلا شك أن إيران نجحت فى توظيف مضيق هرمز الذي تشرف على ساحله الشرقي فى وقف استمرار الحرب، بعد أن أصبح تأثير إغلاق المضيق ليس فقط اقليميا بل أمتد التاثير عالميًا على اقتصادات الدول كافة، وعلى إمدادات الطاقة العالمية تحديدًا، لاسيما وأن المضيق يمر منه ما يقرب من 20% من تلك الإمدادات، وهو الأمر الذي جعل الرئيس الأمريكي يزف بشرى فتح مضيق هرمز ضمن بنود اتفاق السلام المحتمل، وهو ما يعني ارتباط تلك النقطة تحديدًا بحركة الأسواق وأسعار الطاقة العالمية، والتي من المحتمل أن تتراجع. لذلك فإن إيران استغلت حقيقة إستراتيجية مؤداها أن الولايات المتحدة الأمريكية برغم تفوقها العسكري الساحق، إلا أنها لا تستطيع إلغاء أثر الجغرافيا الإيرانية على مسار التجارة العالمية، فالمضيق الضيق الذي لا يتجاوز عرضه 67 كيلومترًا تمر منه نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، بما منح إيران قدرة في التأثير على الاقتصادالعالمي تتجاوز كثيرًا وزنها وثقلها الاقتصادي.

(*) تهميش أوروبا: عكس إعلان ترامب عن توقيع اتفاق للسلام مع إيران رسالة للدول الأوروبية مفادها استمرار تهميش أوروبا عالميًا، فلم يذكر ترامب خلال تدوينته التي بشر فيها باتفاق السلام مع إيران عن إجرائه لأي اتصال مع أي من قادة الدولة الأوروبية أو حتى ممثلي الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني استمرارًا لتوجه التباعد ما بين ضفتي المحيط الأطلسي، وتهميشًا للدور الأوروبي الذي كان موجودًا خلال الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة باراك أوباما عام 2008، ممثلًا في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، في مقابل ذلك فإن إعلان ترامب عن ذلك الاتفاق عقب زيارته للصين، وما رددته وسائل الإعلام الغربية بفتح إيران مضيق هرمز أمام عدد من السفن خلال الزيارة، ربما يعكس هذا السلوك في أحد جوانبه ما ذهبت إليه بعض التحليلات من احتمالية اقتسام مناطق النفوذ ما بين القوى الكبرى.

(*) الحفاظ على تماسك الكتلة الانتخابية لترامب: يشكل إعلان ترامب عن التوصل لاتفاق سلام مع إيران تجرى صياغته النهائية رسالة انتخابية لكتلته التصويتية، ليظهر في تلك الرسالة بمثابة الرجل القوي القادر على اتخاذ القرارات المصيرية للأمة الأمريكية، والساعي للحفاظ على المصالح الوطنية الأمريكية، وهو الأمر الذي بلا شك سيعزز من فرص حزبه الجمهوري فى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي المقرر عقدها في نوفمبر 2026، ما لم يوظف الديمقراطيون قراره بالانخراط الأمريكي لخوض الحرب ضد إيران وتداعيات تكلفة القرار السياسية والاقتصادية على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي، وهو ما سيمثل سلاحًا ذا حدين يتوقف على مدى نجاح ترامب في التسويق السياسي لنتائج اتفاق سلامه مع إيران، لا سيما في ما يتعلق ببرنامجها النووي.

ختامًا، يعكس إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق للسلام مع إيران، أن كل الأطراف أُنهِكَت من الصراع، وأن الحرب كما قال المفكر العسكري فون كلاوزفيتر ما هى إلا امتداد للسياسة بوسائل أخرى، وتعني أن أي عمل عسكري يجب أن يخدم غرضًا سياسيًا محددًا، إذا لم يتحقق الهدف السياسي تعتبر الحرب فاشلة إستراتيجيًا.

عليه، فإن اتفاق السلام المزمع مع إيران ترجم مقولة كلاوزفيتر على أرض الواقع، وبعث بالعديد من الرسائل أهمها: قدرة ترامب على الحسم، والإخفاق الإسرائيلي وتراجع مشروع نتتياهو الرامي لتغيير الشرق الأوسط، وعودة الاعتبار للجغرافيا السياسية، واستمرار ترامب في تهميش أوروبا، ورغبة ترامب في الحفاظ على كتلته الانتخابية، غير أن الرسالة الأهم التي عكسها الاتفاق تثبت أن رؤية مصر كانت سباقة سواء ما يتعلق منها بالرهان على قدرة ترامب وحسمه لوقف الحرب، أو ما تتبناه بأن السلام هو مفتاح تحقيق الاستقرار و وإرساء ركائز الأمن الإقليمي بشرط إعلان إقليم الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.