تصدر مضيق هرمز المناقشات الدولية بشأن إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، رغم عدم اعتبارها سببًا رئيسيًا في اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026. وتعتبر إيران مضيق هرمز المكسب الجيوسياسي الأهم لمرحلة ما بعد الحرب، وتسعى لتحويله إلى ورقة تفاوض على شكل النظام الإقليمي عامة والترتيبات الأمنية الإقليمية في منطقة الخليج بمنظورها الأوسع، والتي تضم إيران والعراق وفق منظور القيادة الإيرانية، بينما يسود توافق دولي داعٍ لفصل قضية المضيق عن الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج العربي واحترام سياسات الدول الخليجية كل على حدة في اختيار تحالفاتها وسبل تحقيق أمنها، فضلًا عن التأكيد على مكانة مجلس التعاون لدول الخليج العربي ككيان موحد يمثل إرادة دول المنطقة.
وفي 7 مايو 2026 قدمت الولايات المتحدة ومملكة البحرين مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي يدعو إيران إلى وقف الهجمات والتهديدات ضد سفن الشحن والتجارة عبر مضيق هرمز، بما في ذلك زرع الألغام وفرض رسوم، بينما أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر أليموف في 9 مايو 2026 عن مشروع قرار روسي-صيني قيد المناقشة يدعو لإنهاء الحرب وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، ويتضمن فقرات مستقلة لمعالجة قضية الأمن البحري.
تأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي مستقبل الترتيبات الأمنية في مضيق هرمز في ضوء نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية المتعثرة ودور الفواعل الدولية في حلحلة الأزمة.
رؤى متقاطعة
تتباين الرؤى الإقليمية والدولية حول مستقبل أمن مضيق هرمز في ضوء تقاطع تلك القضية مع الصراع الأوسع في منطقة الشرق الأوسط، ورغبة القوى الدولية في توظيف الصراع الإقليمي لإعادة رسم التوازنات الدولية، رغم الاعتبارات الدقيقة لتداخل مصالح الأمن والطاقة، وهو ما يمكن الوقوف عليه في سياق الرؤيتين التاليتين:
(*) العودة لما قبل الحرب: وهو ما يتفق عليه دول الخليج العربي وغالبية المجتمع الدولي، ويتمثل في فصل الترتيبات الأمنية الإقليمية عن قضية الملاحة عبر مضيق هرمز، مع احتفاظ الأخير بطابعه كممر بحري دولي لا تنظمه ترتيبات أو قواعد خاصة تؤثر على حرية الملاحة خلاله، بالتوازي مع احترام الترتيبات الأمنية الثنائية بين أي من الدول الخليجية والحلفاء الإقليميين والدوليين من جهة، والأطر المؤسسية القائمة في منطقة الخليج العربي وعلى رأسها كيان مجلس التعاون لدول الخليج العربي من جهة أخرى.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها في ظل انعدام الثقة على جانبي المضيق واحتفاظ دول الخليج بحقها في اختيار تحالفاتها وسبل الحفاظ على أمنها واستقرارها والتحوط من التهديدات الإيرانية التي تستهدف اختراق مجتمعاتها وأمن بنيتها التحتية الحيوية، واعتماد أغلبها على المضيق في تصدير النفط والغاز والأسمدة واستيراد السلع الغذائية الحيوية ومحطات تحلية مياه البحر، كما تلتقي مع مواقف المجتمع الدولي في تجنب سيناريو استمرار السيطرة الإيرانية الانتقائية على المضيق، بما تعنيه من فرض سابقة في تقنين سيطرة الدول المشاطئة على الممرات البحرية الدولية وفرض عوائق مادية أو تغيير لمسارات الملاحة المتعارف عليها.
(*) توازن أمني جديد: يتسم الموقف الروسي والصيني بالتحفظ إزاء تمرير أي قرار من مجلس الأمن الدولي يتناول إلزام إيران بتحرير حركة الملاحة عبر مضيق هرمز دون صياغة "متوازنة" تنظر بعين الاعتبار لمسببات الصراع الحالي وهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية ابتداءً والحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية. وفيما يجمع الطرح الروسي المؤيد صينيًا مع الرؤية الإيرانية في استبعاد الحضور العسكري الأجنبي في منطقة الخليج وإعادة بناء منظومة أمنية إقليمية موسعة تضم دول الخليج الست إلى جانب إيران والعراق، يظهر التباين مع مساعي طهران لإضفاء شرعية على تحصيل رسوم عبر المضيق والحفاظ على الميليشيات الموالية لإيران في المنطقة.
وجاءت المبادرة الروسية الأولى في يوليو 2019 بعنوان "مفهوم روسيا للأمن الجماعي في منطقة الخليج" لتدشين منظومة للأمن والتعاون تلتزم بموجبها الدول الثمانية سالفة الذكر بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتحقيق الشفافية العسكرية وبناء تحالف لمكافحة الإرهاب والتفاهم على الحل السياسي في سوريا واليمن (حينها) والاتفاق على الحد من التسلح وإنشاء منطقة منزوعة السلاح على جانبي المضيق، كما سعت المبادرة لتحجيم الحضور الدولي في المنطقة عبر النص على التقليص التدريجي للوجود العسكري الأجنبي تدريجيًا وإعادة بناء التوازن مع الولايات المتحدة في إطار مجموعة خماسية من الدول الضامنة للأمن في الخليج والتي شملت أمريكا وروسيا والصين والهند والاتحاد الأوروبي.
تسعى هذه الرؤية لمعالجة ملف المضيق باعتباره جزءًا من صراع جيوسياسي، وهو ما يتطلب حوكمة التوازن الأمني على جانبي المضيق وإعادة صياغة أطر التعاون الإقليمي بما يحقق الشمول ويعالج مخاوف الطرفين بصورة متوازنة، ويقتصر فيه الدور الدولي على ضمان الالتزام بالترتيبات الجديدة، بينما يتجاهل ذلك الطرح في مجمله مخاوف الطرف الخليجي من حجم التهديدات الإيرانية المباشرة أو عبر الوكلاء الإقليميين.
وفي المقابل، تعتمد الرؤية الإيرانية الأخيرة على تحويل المضيق إلى ورقة جيوسياسية تعزز من نفوذها الإقليمي بالسيطرة على ممر ملاحي حيوي لإمدادات الطاقة العالمية، وإضفاء شرعية قانونية وسياسية إطارية على تلك السيطرة من خلال تشكيل هيئة تنظم المرور عبر المضيق تخضع للأطر الإقليمية المشتركة، وتتضمن تحصيل رسوم (مقننة) لتحقيق منافع اقتصادية داخلية وأمنية وبيئية إقليمية.
تحالفات متباينة
فيما أدارت إيران معركة السيطرة على مضيق هرمز خلال الحرب لصالحها وحرمت الولايات المتحدة من استغلال تلك الورقة على الساحة الدولية بمساعدة الفيتو الروسي والصيني، إلا أن تسوية ملف أمن مضيق هرمز تظل الشاغل الأهم للمجتمع الدولي، بما قد يسهم في إنهاء الصراع وإبعاد شبح التصعيد، أو توسيع نطاق الحرب في حالة إخلال إيران بالتوازن الدولي القائم ومواصلة انتهاك سيادة دول الخليج العربي والإضرار بمصالحها الاقتصادية وأمنها القومي.
(&) الإستراتيجية الأمريكية: تشتمل على بناء تحالف عسكري (للدفاع والهجوم) من أجل تقويض أسس السيطرة الإيرانية على المضيق، والتي تتضمن بطبيعة الحال تدمير البنية التحتية العسكرية في الجزر الحاكمة ومواقع ساحلية مطلة على المضيق، مما يعني الدخول في مواجهة عسكرية مطولة مع طهران تتعامل مع مخاطر المنصات غير المأهولة مثل الطائرات المسيّرة التي يمكن إطلاقها من أي نقطة في الجغرافيا الإيرانية والزوارق البحرية الصغيرة، والتي يتوقف نجاحها على تخريب السفن والتأثير على حركة الملاحة وإن تضاءلت سيطرتها الميدانية تدريجيًا.
أسهمت حرب إيران في إحياء مخاوف استراتيجية للولايات المتحدة من خلال فرض طهران سيطرتها على حركة الملاحة عبر المضيق ورفع سقف المطالبات بخروج القوات الأمريكية من المنطقة لإنهاء الحرب، ما استدعى إعلان مشروع الحرية لتحرير البحارة والسفن العالقة داخل المضيق. ويرتبط الحضور الأمريكي في منطقة الخليج العربي باندلاع الثورة الإيرانية والغزو السوفيتي لأفغانستان، وهو ما انعكس في صياغة الاستراتيجية الأمريكية الكبرى و"عقيدة كارتر" 1980، والتي نصت على أن أي محاولة قوى خارجية السيطرة على المنطقة تعتبر تعديًا على المصالح الحيوية للولايات المتحدة واستعداد واشنطن للرد على تلك المحاولة بكل الوسائل ومنها القوة العسكرية.
وسعت واشنطن منذ بدء الحرب لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز، إلا أنها لم تنجح نسبيًا نتيجة عدم رغبة دول المنطقة أو الحلفاء الغربيين في توسيع نطاق الصراع والانخراط في حرب ضد إيران، كما واجهت نفورًا أوروبيًا متزايدًا وتوسعًا في نطاق ومهام القوى البحرية المكلفة بحماية حرية الملاحة على غرار عملية "الحارس" التي أطلقتها في يوليو 2019، ورفضت بعض القوى الأوروبية المشاركة فيها وفضلت تحت قيادة فرنسا تشكيل مهمة مراقبة أوروبية مستقلة عن العملية الأمريكية.
(&) تحالف بريطاني-أوروبي: تقود بريطانيا وفرنسا تحالفًا دوليًا (دفاعيًا) من 40 دولة أوروبية وخليجية لضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، يشمل مهام التنسيق مع المنظمة البحرية الدولية في مساعدة السفن والبحارة العالقين في المضيق، والاستعداد لتشكيل مهمة دولية لحماية الملاحة وإزالة الألغام عقب الوقف الدائم للحرب والأعمال العدائية.
وتتضمن المهمة المقترحة تنسيقًا محتملًا مع طهران لتجنب الاحتكاك أو المناوشات العسكرية من جهة، وتنسيقًا مفترضًا مع واشنطن باعتبارها الفاعل الأمني الرئيسي في المنطقة، فضلًا عن التعاون القائم مع دول الخليج.
وعلى الرغم من ارتباط فاعلية التحالف الأوروبي بوقف الحرب، إلا أنه يمثل أساسًا لتوافق إقليمي ودولي مع استمرار القوى الوسيطة في تيسير التوصل لنهاية شاملة للصراع تراعي مصالح مختلف الأطراف بما فيها دول الخليج العربي والقوى الإقليمية الرئيسية، إلا أن العوامل السياسية الداخلية وضعف أوراق الضغط تجاه إيران والولايات المتحدة قد تدفع لإفشال ذلك التحالف بصيغته وقيادته الحالية، خاصة مع إمكانية توسيع نطاق الصراع البحري إلى مضيق باب المندب، مما يعرض القوى الأوروبية لمعركة استنزاف لا يمكنها مجابهتها في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا واختلال التوازن مع روسيا حال استمرار خفض القوات الأمريكية في القارة نتيجة الخلافات بين ترامب والقادة الأوروبيين أو وفق تفاهمات الأول مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وإجمالًا؛ يمكن القول إن أمن مضيق هرمز يرتبط بإقرار ترتيبات أمنية مستقلة وتعزيز المنافع المتبادلة على ضفتي الخليج في سياق رؤية إقليمية تراعي في الوقت ذاته التوازن بين مصالح الدول المشاطئة، مع توفير ضمانات أمنية فعالة يمكن أن تردع إيران عن تهديد أمن المنطقة. ويشمل ذلك رفعًا تدريجيًا ومقيدًا للعقوبات على إيران مع السماح بتصدير حصتها من النفط والغاز جانبًا إلى جانب دول الخليج، مقابل التزام طهران بحرية الملاحة البحرية عبر المضيق واحترام أمن وسيادة دول المنطقة.
ويُستخلص من مشهد التحالفات القائمة حول مضيق هرمز أولًا: أن المجتمع الدولي لن يقبل بفرض رسوم على حركة الملاحة عبر المضيق، وثانيًا: أنه لا توجد حلول عسكرية ناجعة لتحرير المضيق من قبضة إيران، وثالثًا: بروز دور الوسطاء الإقليميين والضامنين الدوليين في تجسير الفجوة بين أطراف الأزمة والتأسيس لآلية جديدة لتنظيم الملاحة عبر مضيق هرمز دون عوائق.