الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف تكشف عملية اعتقال "السعدي" تحولات المواجهة الأمريكية الإيرانية خارج الشرق الأوسط؟

  • مشاركة :
post-title
السعدي مع قاسم سليماني-أرشيفية

القاهرة الإخبارية - محمد حافظ

لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران محصورًا في حدود الاشتباك التقليدي داخل العراق وسوريا أو في نطاق الضربات الجوية المتبادلة والرسائل العسكرية غير المباشرة، بل بات يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الأدوات الاستخباراتية والقانونية والأمنية العابرة للحدود.

في هذا السياق، جاء إعلان وزارة العدل الأمريكية اعتقال محمد باقر سعد داود السعدي، أحد القيادات البارزة المرتبطة بـ"كتائب حزب الله" العراقية، بعد توقيفه في تركيا ونقله إلى نيويورك لمحاكمته، ليكشف عن مرحلة جديدة من طبيعة المواجهة بين واشنطن وشبكات الفصائل الموالية لإيران.

العملية لم تكن مجرد توقيف لشخصية مطلوبة، وإنما حملت في توقيتها ومكان تنفيذها وطبيعة الاتهامات الموجهة للساعدي رسائل أمنية وسياسية تتجاوز حدود العراق وتركيا، خصوصًا مع الحديث الأمريكي عن تورطه في التخطيط لهجمات داخل أوروبا وكندا والولايات المتحدة. كما أعادت العملية طرح تساؤلات معقدة تتعلق بقدرة واشنطن على اختراق شبكات الفصائل المسلحة، وحدود الدور التركي في إعادة ضبط علاقاته الأمنية مع الغرب، ومستقبل تحركات قادة ما يعرف بـ"محور المقاومة" خارج المجال الإيراني التقليدي.

وفي ظل اتساع رقعة المواجهة الإقليمية منذ الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران خلال الأشهر الأخيرة، يبرز سؤال أكثر أهمية، هو: هل تمثّل عملية اعتقال السعدي بداية لتحول أمريكي نحو استراتيجية ملاحقة الأفراد والشبكات العابرة للحدود بدلًا من الاكتفاء بسياسة الردع العسكري التقليدي؟

دلالات العملية الأمريكية ورسائلها الأمنية

تكشف عملية اعتقال السعدي عن تحول واضح في طبيعة الأداء الأمني والاستخباراتي الأمريكي تجاه الفصائل العراقية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، إذ لم تعد واشنطن تعتمد فقط على سياسة الاستهداف المباشر بالطائرات المسيّرة أو العقوبات الاقتصادية، وإنما انتقلت إلى نمط أكثر تعقيدًا يقوم على الملاحقة الدولية والاختراق الاستخباراتي العميق.

وتبرز أهمية العملية في أن واشنطن تمكنت من تعقب أحد القيادات المرتبطة بملفات أمنية حساسة خارج الأراضي العراقية، ثم نقله إلى الولايات المتحدة دون الكشف عن تفاصيل المسار العملياتي الكامل، وهو ما يعكس مستوى مرتفع من التنسيق الأمني والاستخباراتي بين عدة أجهزة ودول.

كما كشفت لائحة الاتهام الأمريكية عن امتلاك واشنطن معلومات دقيقة تتعلق بتحركات السعدي وعلاقاته السابقة بقيادات بارزة في ما يعرف بـ"محور المقاومة"، من بينهم قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، وهو ما يشير إلى استمرار نشاط شبكات الرصد الأمريكية داخل البيئة التنظيمية للفصائل المسلحة رغم التغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

الأخطر في القضية لا يتعلق فقط بعملية الاعتقال، بل بطبيعة الاتهامات نفسها. فبحسب الرواية الأمريكية، لم يعد نشاط بعض الفصائل الموالية لإيران مقتصرًا على استهداف القواعد الأمريكية داخل العراق أو سوريا، وإنما امتد –وفق الاتهامات– إلى التخطيط لهجمات في أوروبا وكندا والولايات المتحدة. وهنا تظهر محاولة أمريكية واضحة لإعادة توصيف هذه الفصائل باعتبارها تنظيمات عابرة للحدود وليست مجرد جماعات محلية ذات امتداد إقليمي.

هذا التحول يحمل أبعادًا سياسية وقانونية مهمة، لأنه يتيح لواشنطن توسيع نطاق الملاحقة الدولية، ويفتح الباب أمام تعاون أمني أوسع مع الدول الغربية تحت عنوان "مكافحة الإرهاب العابر للقارات"، وليس فقط احتواء النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار، تبدو العملية أيضًا بمثابة رسالة ردع مباشرة إلى قيادات الفصائل المسلحة بأن الحماية الجغرافية لم تعد كافية، وأن التحرك في دول الجوار أو حتى في العواصم الإقليمية بات محفوفًا بمخاطر المراقبة والاعتقال والتسليم.

تركيا وإعادة رسم حدود التوازن مع واشنطن وطهران

مثّل تنفيذ عملية الاعتقال داخل الأراضي التركية أحد أكثر الجوانب حساسية في القضية، لأن أنقرة ظلت خلال السنوات الماضية مساحة حركة معقدة ومتداخلة للعديد من الشبكات الإقليمية المرتبطة بإيران أو الفصائل العراقية، سواء لأغراض لوجستية أو مالية أو سياسية. لكن تسليم السعدي إلى الولايات المتحدة يعكس تحولًا مهمًا في حسابات الدولة التركية، خاصة في ظل إدراك أنقرة أن أي تساهل مع أنشطة مرتبطة بعمليات تستهدف مصالح غربية قد يضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي.

وتدرك القيادة التركية أن المرحلة الحالية تختلف عن السنوات السابقة؛ فالصراع الأمريكي-الإيراني لم يعد محصورًا في ساحات الشرق الأوسط فقط، بل أصبح مرتبطًا بأمن أوروبا والغرب بشكل مباشر. لذلك يبدو أن أنقرة اختارت توجيه رسالة واضحة بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها كنقطة عبور أو منصة دعم لعمليات قد تُصنف دوليًا باعتبارها أعمالًا إرهابية عابرة للحدود.

كما تعكس العملية رغبة تركية في إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل التوترات التي شهدتها العلاقات بين الجانبين خلال الأعوام الأخيرة. فالتعاون الأمني في ملف حساس بهذا الحجم يمنح أنقرة فرصة لتقديم نفسها كشريك موثوق في ملفات مكافحة الإرهاب والأنشطة المرتبطة بالشبكات الإيرانية.

ومن زاوية أخرى، فإن نجاح عملية التوقيف والتسليم بهذه السرعة يفرض حالة من القلق داخل أوساط الفصائل المسلحة العراقية، لأن تركيا كان يُنظر إليها باعتبارها مساحة حركة أقل خطورة مقارنة بالعراق أو سوريا، لكن العملية كشفت أن حتى هذا المجال بات خاضعًا للرقابة والتنسيق الأمني الدولي.

أزمة متصاعدة للفصائل العراقية المسلحة

أثارت عملية اعتقال السعدي حالة من الارتباك داخل الفصائل العراقية المقربة من طهران، ليس فقط بسبب شخصية المعتقل، وإنما بسبب الطريقة التي تمت بها العملية، وما تعنيه من اختراق أمني واسع لتحركات القيادات المرتبطة بتلك الفصائل.

وتبدو الأزمة الأكبر بالنسبة لهذه الجماعات مرتبطة بانهيار فكرة "المناطق الآمنة". فبعد سنوات من الاعتماد على تعدد ساحات الحركة الإقليمية، أصبح واضحًا أن الملاحقة الأمريكية تجاوزت حدود العراق وسوريا، وباتت تشمل تحركات القيادات في دول الجوار أيضًا.

وفي المقابل، سعت المنصات الإعلامية المقربة من الفصائل إلى التشكيك في الرواية الأمريكية، واعتبرت الاتهامات جزءًا من حملة سياسية تستهدف تشويه صورة "الحشد الشعبي" وتحويله من قوة محلية مرتبطة بمواجهة تنظيم "داعش" الإرهابي إلى تنظيمات مصنفة ضمن شبكات الإرهاب الدولي.

كما حاولت بعض الفصائل تحميل الحكومة العراقية مسؤولية ما جرى، باعتبار أن "السعدي" مواطن عراقي وقيادي في فصيل منضوٍ رسميًا تحت هيئة الحشد الشعبي، وهو ما أعاد الجدل مجددًا حول إشكالية العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة، وحدود السيادة الوطنية، ومدى قدرة بغداد على ضبط القرار الأمني داخل البلاد.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد احتمالات التصعيد الميداني. فبعض التيارات الراديكالية داخل الفصائل قد ترى أن الرد على الاعتقال يجب أن يأتي عبر استئناف الهجمات ضد القواعد الأمريكية في العراق وسوريا، باعتبار أن واشنطن تجاوزت من وجهة نظرهم قواعد الاشتباك التقليدية، وانتقلت إلى مرحلة الملاحقة الفردية المباشرة.

غير أن المفارقة هنا تكمن في أن هذه العملية قد تدفع الفصائل نفسها إلى مزيد من السرية والانكماش، خوفًا من اتساع نطاق الاختراقات الأمنية، خاصة بعد توصل واشنطن لهذه العناصر.

في النهاية، يمكن القول إن قضية محمد باقر السعدي، تكشف عن ملامح مرحلة جديدة في الصراع الأمريكي الإيراني، فهي مرحلة من المحتمل أن لا تعتمد فقط على الضربات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، وإنما تقوم على الملاحقة الأمنية والقانونية العابرة للحدود، واستهداف الشبكات والأفراد في أي مساحة جغرافية يمكن أن يتحركوا داخلها.

كما تعكس العملية تغيرًا في طبيعة الأدوار الإقليمية، خاصة بالنسبة لتركيا التي تبدو أكثر ميلًا لإعادة تموضعها الأمني بما يحقق توازنًا مع واشنطن دون الدخول في صدام مباشر مع طهران. وفي المقابل، تواجه الفصائل العراقية المسلحة تحديًا غير مسبوق يتعلق بقدرتها على الحفاظ على شبكاتها وتحركاتها في ظل اتساع نطاق الاختراق الاستخباراتي الدولي.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل تمثل عملية السعدي بداية لمرحلة جديدة من "مطاردة الشبكات" الإيرانية حول العالم، أو أنها مجرد رسالة ردع مؤقتة ضمن صراع مفتوح مرشح لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة؟