لم يكد صدى رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي يهدأ، حتى استقر الإطار التنسيقي الشيعي بوصفه الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي على مرشح تسوية بعيد عن الأجواء السياسية التقليدية في البلاد، وهو رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، في اعتراف ضمني من إيران والقوى القريبة منها في الساحة السياسية العراقية بالحفاظ على طبيعة التوازن القائم بين واشنطن وطهران، دون مواجهة مفتوحة بين القوى السياسية التي تمتلك ميليشيات موالية للأخيرة، أو التخلي المطلق عن تمثيل مصالح تلك القوى من داخل الحكومة المأمولة التي نتجت عن توازن داخلي بين قوى الإطار من أنصار رئيسي الوزراء السابقين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، وأسفرت عن تمرير تشكيل حكومي من 14 وزيرًا فقط في 14 مايو 2026، وعدم اجتياز مرشحي كتل محسوبة على الميليشيات تصويت البرلمان العراقي في الجلسة ذاتها.
وتبرز رغبة كلا الطرفين، خاصة الجانب الإيراني، في إعادة تبريد المشهد العراقي في ظل تصعيد المواجهة أخيرًا، مع الكشف عن وجود عسكري إسرائيلي في جنوب العراق بداية حرب إيران في مارس 2026 لدعم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران، بالتزامن مع انطلاق هجمات بطائرات مسيّرة من الأجواء العراقية إلى الأراضي السعودية والإماراتية، أبرزها في استهداف محيط محطة براكة للطاقة النووية بدولة الإمارات.
وتأسيسًا على ما سبق، يتناول التحليل التالي تأثير المشهد الحكومي على التدخلات الأمريكية والإيرانية في المشهد العراقي عامة، ومستقبل الحكومة والإطار التنسيقي الشيعي بوجه خاص.
جوهر خلافات التشكيل
مرّر البرلمان العراقي حكومة علي فالح الزيدي في 14 مايو 2026 بواقع 14 حقيبة، بينما أرجأ البت في 9 حقائب هي (الدفاع، والداخلية، والعمل، والهجرة، والإسكان والإعمار، والتخطيط، والثقافة، والتعليم، والشباب والرياضة) لما بعد عطلة عيد الأضحى، وهو ما أبرز الانقسامات التالية:
(*) انقسامات حول الأجنحة المسلحة: عززت تطورات حرب إيران التي اندلعت في 28 فبراير 2026 من انخراط الفصائل الموالية لإيران بالحرب مستهدفة ليس فقط القوات الأمريكية وإنما أهداف عالية القيمة في دول الخليج والأردن، وأغلبها أهداف مدنية ذات طبيعة حيوية، ما أدى لتضرر السياسة التي دأب العراق على انتهاجها، خاصة عقب حراك تشرين 2019 كساحة للتلاقي بين الشركاء الإقليميين والدوليين، فضلًا عن تعزيز العلاقات مع الجوار الخليجي الشقيقة.
وبات الصراع حول شرعية بقاء ظهير مسلح للأحزاب والكتل السياسية عقب القضاء على تمركزات تنظيم "داعش" الإرهابي صاعدًا في العملية السياسية، مع تبني زعيم التيار الصدري صاحب القاعدة الشعبية الأكبر داخل المكون الشيعي خيارًا بالانفصال عن المشهد السياسي واستقالة أعضاء التيار من البرلمان العراقي 2022. هذا النقاش عاد مجددًا قبل اندلاع الحرب مع إعلان الرئيس الأمريكي في 27 يناير 2026 على منصته "تروث سوشيال" رفض التعاون مع العراق حال عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى السلطة، "بسبب سياساته وأيديولوجيته المتشددة".
وعلى الجانب الآخر اتسعت الفجوة بين الإدارة الأمريكية وحكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني نتيجة لحركات الميليشيات خلال عمليات الأخيرة ضد المصالح والأفراد الأمريكيين خاصة في حادثة "كمين المطار" الذي استهدف موكبًا دبلوماسيًا أمريكيًا لنقل صحفية كانت مختطفة في العراق إلى مطار بغداد الدولي في 8 أبريل 2026.
(*) صراع نفوذ: شغل الصراع على الترشيح لمنصب رئيس الوزراء بين رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي أطراف الإطار التنسيقي الشيعي، ما هدّد بتعريض وحدة الإطار للخطر، إذا يجمع أطراف وقوى الإطار التنسيقي المتحالفة نيابيًا، موقف موحد ينطلق من اعتباره الكتلة الأكبر التي ينص الدستور العراقي على حقها في تشكيل الحكومة، وليحسم الصراع في جولته الأولى بين تحالف الإعمار والتنمية بقيادة السوداني، الذي شكّل أكبر التكتلات السياسية في عدد المقاعد، وفق نتائج انتخابات نوفمبر 2025 بواقع 46 مقعدًا وائتلاف دولة القانون الذي حلَّ ثالثًا بواقع 23 مقعدًا، باختيار المالكي مرشحًا لقوى الإطار. وتمثلت الجولة الثانية من الصراع في التصويت على تشكيل الحكومة التي لم يُمرر فيه مرشحي الكتل والأحزاب المرتبطة بميليشيات مسلحة، التي تمتلك وحدها نحو 80 مقعدًا في إطار تحالفي المالكي والسوداني، باستثناء تحالف الفتح بقيادة هادي العامري قائد منظمة بدر التي مثّلها وزيري النقل والموارد المائية.
(*) اصطفافات جديدة: أحدث عدم تمرير شخصيات محسوبة على القوى المسلحة المنضوية تحت إطار الحشد الشعبي انقسامات داخل الإطار التنسيقي ككل، ما أعاد تشكيل التحالفات السياسية الإطارية، فمن جهة أعلنت كتلتا "العقد الوطني" بقيادة فالح الفياض وتمتلك (14 مقعدًا) وكتلة "سند" بقيادة وزير العمل السابق أحمد الأسدي بواقع 6 مقاعد، إلى جانب عدد من المرشحين المستقلين، الانسحاب من تحالف الإعمار والتنمية، متهمين التحالف بـ"الإقصاء والتهميش" في توزيع الحقائب.
وأفرزت تلك الخلافات إلى بروز اصطفافين جديدين داخل الإطار؛ الأول بقيادة شياع السوداني وتحالفه "الإعمار والتنمية" إلى جانب وتيار الحكمة برئاسة عمار الحكيم وائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي وحركة "صادقون" بقيادة الأمين العام لفصيل "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي حظي في إطار محاصصة الحكومة على منصب نائب رئيس الوزراء وهي من المناصب المرجأ البت فيها إلى ما بعد عطلة عيد الأضحى في ظل خضوع الخزعلي للعقوبات الأمريكية.
على الجانب الآخر، أشار الإعلام العراقي، نقلًا عن نواب في "دولة القانون"، أن الائتلاف يعتزم تشكيل ما أسماه "تحالف الأقوياء" الذي يضم "تحالف الفتح" بقيادة هادي العامري، وحركة "عطاء" بقيادة فالح الفياض، و"المجلس الأعلى الإسلامي" بقيادة همام حمودي و"كتلة سند" بقيادة أحمد الأسدي.
مسارات محتملة
تمثّل حكومة الزيدي معادلة صعبة لصراع النفوذ الأمريكي الإيراني في العراق، فمن جهة وُظفت التهديدات الأمريكية في شق صف قوى الإطار المتحالفة سياسيًا ودستوريًا تحت إطار ما يُعرف بـ"الكتلة الأكبر"، إلى جانب ارتباط عائدات النفط المودعة في حسابات خارجية، التي تمثّل شريان الحياة للموازنة العراقية، ورقة قوة لواشنطن التي امتنعت عن تحويل شحنات الدولار المقدرة بنحو مليار دولار سنويًا تصرف على دفعتين، ومن جهة أخرى يمثل استمرار عدم اليقين بشأن مسارات حرب إيران دافعًا لبقاء النفوذ الإيراني مع احتفاظه بحالة من الكمون، وهو ما يمكن استشرافه في سياق السيناريوهين التاليين:
(&) تفكك الإطار: ويتضمن تعميق الانقسام بين التيارين الصاعدين أفقيًا بتوسيع التحالفات الوطنية العابرة للمكونات، فضلًا عن الخضوع لضغوط الجانبين الأمريكي والإيراني للاصطفاف خلف أي منهما، أو عودة التيار الصدري للحضور في المشهد السياسي بصورة مباشرة، ما قد يعيد ليس فقط تشكيل المشهد السياسي وإنما في إيجاد بيئة أكثر استقطابًا في الداخل العراقي.
(&) العودة لإدارة التوازن: هو الأكثر ترجيحًا؛ ويشمل التوافق على تصدير شخصيات تكنوقراطية وعناصر غير مؤدلجة من داخل الوزارات والمؤسسات المعنية وفق الحصص المقررة لكل كتلة أو تحالف سياسي في الحقائب المتبقية للمكون الشيعي. وتمثل التسريبات الموجهة عن مرشحي الكتل والتحالفات السياسية للوزارات، التي تضمنت ترشيح صهر المالكي ياسر صخيل المالكي لوزارة الداخلية وترشيح ليث الخزعلي شقيق الأمين العام لـ"عصائب أهل الحق" لمنصب نائب رئيس الوزراء، ضمن مساعي الصراع المنضبط الذي يرتبط بمبدأ التوازنات والمصالح المشتركة بين أطراف الإطار والذين قد يدفعوا لمنع انهياره خوفًا من انهيار العملية السياسية والشروع في تصفية حسابات بين شركاء اليوم بدعم الطرفين الأمريكي أو الإيراني.
وإجمالًا؛ تعيد الأطراف السياسية العراقية تشكيل تحالفاتها في إطار عملية سياسية محكومة بتوازنات الإطار التنسيقي وأولوية بقائه كوعاء للكتل الأكبر على المدى القصير، وهو ما يظهر في براجماتية اتخاذ القرار بترشيح علي الزيدي وتمرير حكومته جزئيًا ليصبح بذلك مؤشرًا على تراجع القوى التقليدية وانكفائها مؤقتًا لإدارة المشهد من الخارج أمام الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية من الولايات المتحدة.