وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في مرحلة مختلفة تمامًا من رئاسته، حيث يتصاعد التضخم بشكل حاد، وليس هناك مخرج سهل من الصراع مع إيران الذي تورط فيه الجيش الأمريكي، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض شعبية ترامب.
أمس الجمعة، غادر ترامب واعدًا بزيارة "شي" إلى البيت الأبيض في سبتمبر المقبل، واتفاقيات تجارية كانت مخيّبة للآمال في معظمها، مثلما حدث عندما انخفض سعر سهم شركة "بوينج" بنسبة 8% بين وصول ترامب إلى بكين ومغادرته.
هذه المرة، لم تكن هناك تصريحات شاملة حول كيفية إدارة أمريكا الترامبية للعالم، ولا ودٌّ مفرط مثل ما حدث مع قادة الشرق الأوسط في زياراته السابقة قبل عام. فقط كان هناك الرئيس الصيني شي جين بينج، الذي كان عمليًا للغاية، ولكنه بدا غير قابل لتقديم تنازلات من أجل أولويات الزعيم الأمريكي.
بينما جاء ترامب إلى بكين على أمل إبرام اتفاقيات تجارية، أوضح "شي" أن مصير تايوان -وليس الاستثمار- هو الأولوية القصوى للصين، محولًا بذلك التركيز عن اهتمام ترامب المفضل، محذرًا من "مواجهات وحتى صراعات" مع الولايات المتحدة في حال سوء إدارة الخلافات حول الجزيرة المتنازع عليها.
وتشير صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن ذلك كان تحولًا جذريًا عما كان عليه الوضع قبل عام "حينها، كان (ترامب) قد فرض رسومًا جمركية شاملة على جميع أنحاء العالم، بما في ذلك رسوم على الصين بلغت ذروتها عند 145%. وتعهّد بأن الحرب الروسية في أوكرانيا ستنتهي قريبًا تحت قيادته. وكان يضغط على إيران للانخراط في الدبلوماسية للتخلي عن برنامجها النووي".
تضيف: "معظم تلك الجهود تلاشت. ولا تزال الحرب في أوكرانيا مستعرة، وقد ألغت المحكمة العليا العديد من الرسوم الجمركية. وتمّ تهميش الدبلوماسية مع إيران لصالح الحرب".
أولويات مختلفة
مع تراجع شعبيته وتدهور الاقتصاد، بات ترامب يسافر على الساحة الدولية بدعم محلي أقل مما كان عليه قبل عام. وفيما يتعلق بإيران، رأى الرئيس الأمريكي أن بإمكانه استغلال الصين للضغط على حلفائها في طهران لإعادة فتح مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن الملف النووي.
وقال ترامب إن الزعيمين تحدثا عن القضية، لكنه حرص على عدم تصوير نفسه كمتوسل أمام الصحفيين العائدين إلى الولايات المتحدة على متن طائرة الرئاسة "أنا لا أطلب أي معروف، لأنه عندما تطلب معروفًا، عليك أن ترده. لسنا بحاجة إلى معروف".
أيضًا، على الرغم من أن ترامب تفاخر بالصفقات التي قال إنه تم إبرامها خلال الرحلة، حيث "سيكون مزارعونا سعداء للغاية"، كما قال، إلا أن عدم وجود تفاصيل ملموسة من أي من الجانبين ترك السؤال مفتوحًا حول ما تم الاتفاق عليه بالضبط.
تلفت "واشنطن بوست" إلى أن ذلك كان مختلفًا تمامًا عن الطموحات الأوسع التي كانت لدى ترامب لعلاقاته مع شي العام الماضي، عندما اتفق الرجلان على الاجتماع أربع مرات في عام 2026 لإعادة صياغة علاقتهما بشكل عام "ومع انشغال ترامب الآن بإيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، لم يعد هناك مجال كبير لإعادة النظر في هذه العلاقات".
في غضون ذلك، حاربت الصين الإجراءات التجارية التي اتخذها ترامب العام الماضي بوقف صادرات المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في الصناعات التحويلية المتقدمة. وأبرمت الصين اتفاقًا أعاد تدفق هذه المعادن، لكنها تركت الباب مفتوحًا أمام إمكانية توقفها مجددًا إذا ما أثارت سياسات ترامب غضب بكين.
أما شي جين بينج، فقد كان تركيزه مناقضًا تمامًا لنهج ترامب الذي انتهجه قبل عام. فقد روّج الزعيم الصيني للوضع الراهن والاستقرار، وقدّم لترامب مراسم استقبال تكاد تكون مطابقة لتلك التي أقيمت في زيارته الأخيرة عام 2017، بالإضافة إلى جولة في مجمع الحدائق الإمبراطورية التي يبلغ عمر بعض أشجارها ألف عام، في تذكير لطيف بالاستمرارية العريقة.
وتشير الصحيفة إلى أن الجولة والزيارة إلى تشونجنانهاي، المقرّ الرئيسيّ ومجمع الإقامة الخاصّ بكبار قادة الصين "كانت بمثابة استعراض مُعدّ مسبقًا للاحترام تجاه ترامب، نظرًا لأنّ دخول الأجانب إليها أمر نادر الحدوث. لكنّها كانت أيضًا استعراضًا للقوة، لتذكير الزوّار بأنّ شي جين بينج يعتزم رعاية ما كان ترامب يُعجب به طويلًا بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي".
رؤية أوسع
بينما يولي ترامب أهمية كبيرة لعلاقاته الشخصية مع الزعماء الآخرين، ينظر "شي" إلى ما هو أبعد منه، حيث يتوقع التعامل مع إدارات أخرى بعد ترامب.
وتعتقد بكين أن الوضع الراهن وهذه الفترة الحالية من الاستقرار يخدمان مصالحها، لأنها تعتقد أن التوجهات الحالية تصب في مصلحتها. وتشمل هذه التوجهات رئيسًا يبدو أقل اهتمامًا من العديد من أسلافه بالالتزام بضمانات الولايات المتحدة التي قدمها الرئيس رونالد ريجان قبل عقود بشأن دعم تايوان.
قال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة: "أعتقد أن ثمانينيات القرن الماضي بعيدة جدًا، إنها فترة طويلة جدًا"، موضحًا عدم اهتمامه باتباع السوابق التي وُضعت في تلك الحقبة".
وعلى الرغم من أنه التزم بمبدأ رئاسي تقليدي يتمثل في الغموض من خلال رفضه الإجابة على سؤال حول ما سيفعله إذا تعرضت تايوان للهجوم، فقد أضاف: "آخر شيء نحتاجه الآن هو حرب تبعد 9500 ميل".
ويرى محللون أن استضافة شي جين بينج في سبتمبر المقبل قد تؤجل قرار إدارة ترامب بشأن حزمة الأسلحة لتايوان البالغة 14 مليار دولار -التي تحتاج إدارته إلى إحالتها رسميًا إلى الكونجرس- حتى ذلك الحين، وهو ما يُعدّ بحد ذاته مكسبًا لبكين.
كما قال بعض المحللين الصينيين إنهم يأخذون طموحات ترامب على محمل الجد، لكنهم يعتقدون أن رؤيته تتمثل في الولايات المتحدة ذات النفوذ المحدود في جميع أنحاء العالم.