استقبلت بكين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأبهى صور البروتوكول؛ في زيارة لم تتجاوز 48 ساعة، هي الأولى لرئيس أمريكي منذ تسع سنوات، غير أن الفخامة التي أحاطت باللقاء مع شي جين بينج في تشونجنانهاي، لم تُترجَم إلى مكاسب حقيقية لأيٍ من الطرفين، فبينما تحدّث ترامب عن "اتفاقيات تجارية رائعة"، ووصف شي الزيارة بأنها "تاريخية"، خلُصت صحيفة ليزيكو الفرنسية إلى أن الملفات الكبرى لم تشهد أي تقدم فعلي.
ضباب يلف أبرز ملفين
أشارت الصحيفة إلى أنه على صعيد الملف الإيراني، أعلن ترامب توافقًا مع شي على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز دون رسوم أو وجود عسكري، مدعيًا، في مقابلة مع فوكس نيوز، أنه انتزع ضمانات صينية بعدم تسليح طهران، غير أن بكين لم تؤكد شيئًا من ذلك، فيما أكد ذاو مينجهاو، أستاذ الدراسات الأمريكية في جامعة فودان بشنجهاي، أن الصين لن تقطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران، المورد الأساسي لنفطها الرخيص، مشيرًا إلى أن واشنطن ذاتها فرضت عقوبات على شركات صينية بسبب ارتباطاتها بالقطاع النفطي الإيراني، ما يُضيّق هامش المناورة الصينية، وما إن عاد ترامب على متن الطائرة الرئاسية حتى لوّح باستئناف الضربات على إيران، فارتفعت أسعار النفط الخام فورًا في الأسواق العالمية.
أما على الجبهة التجارية، أفادت ليزيكو بأن الهدنة بين البلدين جُدِدت ست مرات منذ انطلاق هجوم الرسوم التعريفية الأمريكية في ربيع 2025، ما أتاح خفض الرسوم الجمركية المتبادلة تدريجيًا، وأبعد شبح الانفصال الاقتصادي الكامل، غير أن الزيارة لم تُرسخ هذه الهدنة كما كان مأمولًا، إذ لم ينجح ترامب في توسيع صادرات الصويا والذرة الأمريكية، وعاد بصفقة بوينج التي لم تتجاوز 200 طائرة، أي ثلث ما كان يُتوقع، فيما أحدث اضطرابًا فعليًا في سهم الشركة بالبورصة.
وتحدث ترامب عن وعد بشراء 750 طائرة مستقبلًا، إلا أن المراقبين يُذكِّرون بأن الصين اعتادت على استقبال الزعماء الغربيين بحفاوة على مستوى الشكل وصلابة في الجوهر، وهو ما عاشه ماكرون بنفسه في ديسمبر 2025 حين عاد من بكين دون عقود تُذكر.
رسائل صينية بلا تنازلات أمريكية
أشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن بكين كانت تأمل في انتزاع موقف أمريكي صريح يعارض استقلال تايوان وتجميد صفقة أسلحة بقيمة تتخطى 14 مليار دولار، لكن ترامب تحاشى الخوض في الملف علنًا، مُكتفيًا بالقول إنه ناقشه "بالتفصيل" مع شي، مؤكدًا أن القرار يعود إليه وحده، ومُلمِّحًا إلى أنه لا يريد حربًا على بُعد 15 ألف كيلومتر.
وخلُص ليل موريس من معهد سياسات المجتمع الآسيوي، إلى أن القمة منحت الصين منبرًا لإيصال رسائل قوية بشأن تايوان، لكنها لم تُسفر عن أي تغيير رسمي في السياسة الأمريكية، مضيفًا أن مصير صفقة الأسلحة المعلقة هو الاختبار الحقيقي لمدى جدية ترامب في التعامل مع التحذيرات الصينية.
الرابح الحقيقي
رغم شُح النتائج الملموسة، حققت بكين مكسبًا دبلوماسيًا بارزًا باستضافتها رئيس أكبر قوة في العالم باحتفاء ومهابة، كأن الحرب التجارية لم تكن يومًا، وفي هذا الإطار، قدمت الصين مفهومًا جديدًا أسمته "الاستقرار الإستراتيجي البنّاء" لضبط حدة التنافس مع واشنطن والحد من نقاط الاحتكاك، وهي ترى في ذلك ضرورة بالغة في ظل بقاء اعتمادها على تقنيات أمريكية حساسة تمتد من محركات الطائرات إلى معالجات الذكاء الاصطناعي من إنفيديا.
وكشفت ليزيكو أن شي يستعد لاستقبال بوتين في الأسابيع القليلة المقبلة، في رسالة توظيف دبلوماسي لافتة، وتبقى الأنظار مشدودة إلى لقاءين محتملين بين الزعيمين، الأول في واشنطن في سبتمبر، والثاني في شينزين في نوفمبر على هامش قمة أبيك.