الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

محمد دياب: "أسد" إنساني وينسف أن القيمة الحقيقية للبشر ترتبط بالقوة والمال

  • مشاركة :
post-title
محمد دياب ومحمد رمضان

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

العبودية هي النسخة المبالغ فيها من الطبقية التي لا يزال العالم يعيشها حتى اليوم
الفيلم ينسف فكرة اتهامات "الأفروسنترك" من أول مشهد وأظهرنا في العمل اختطاف العبيد من إفريقيا بواسطة قراصنة إنجليز
مرسوم تحرير العبيد أحدث زلزالًا اجتماعيًا في القرن الـ19
مشهد غرق الرضع صُنع بالكامل بالمؤثرات البصرية.. ومحمد رمضان تعلّم الغطس من أجل الفيلم
صوّرت مشاهد إفريقيا بالكامل داخل مصر.. ومشهد الجزيرة والنخاس مع رمضان كانا الأصعب
اهتممت بالبناء الدرامي أكثر من التوثيق التاريخي الحرفي.. والعمل معالجة درامية مستوحاة من روح العصر

في تجربة سينمائية تُعد الأضخم والأكثر جرأة في السنوات الأخيرة، يعود المخرج المصري محمد دياب إلى الشاشة الكبيرة بفيلم "أسد"، الذي فتح من خلاله أبوابًا شائكة تتعلق بالعبودية والعنصرية والطبقية داخل حقبة تاريخية نادرًا ما اقتربت منها السينما العربية بهذا الحجم من المغامرة البصرية والإنسانية.

بعد رحلته العالمية في Moon Knight، يخوض دياب مغامرته الأصعب، واضعًا الجمهور أمام ملحمة إنسانية تدور في منتصف القرن التاسع عشر، حيث تتحول رحلة البحث عن الحرية إلى صراع وجودي يهز المجتمع بأكمله.

3 سنوات من التحضيرات والجهد الكبير ومشاهد نُفّذت بحرفية عالية وإعادة بناء مصر القديمة بصريًا لتكون نموذجا لإفريقيا، وتوليفة عربية من الممثلين، يطرح "أسد" أسئلة معقدة حول الإنسان والسلطة والعدالة، في عمل وصفه كثيرون بأنه "ملحمي" ونقلة جديدة في شكل السينما التاريخية المصرية.

وفي أول حوار له عن الفيلم مع موقع "القاهرة الإخبارية"، يكشف محمد دياب كواليس واحدة من أكثر التجارب السينمائية إثارة للجدل والطموح، ويتحدث بصراحة عن المعارك النفسية والإنتاجية التي خاضها، وكواليس المشاهد القاسية، ولماذا اختار فيلم عن العبودية لتقديمه للجمهور، وما لمسه في حقبة العبودية يشبه واقعنا الحالي، وغيرها من التفاصيل الدقيقة حول الفيلم.

لماذا ذهبت إلى منطقة العبودية والتهميش في القرن الـ19 تحديدًا؟

أحاول دائمًا بعد كل فيلم الذهاب إلى مناطق جديدة أتحدى فيها نفسي كمخرج، وأقدم أفلامًا تدور داخل عوالم لم أخضها من قبل، وعندما قدمت فيلم "678" كنت أقترب من عالم النساء والفتيات، وهو عالم لم أكن أعرف تفاصيله بالكامل، وفي "اشتباك" دخلت إلى عالم سياسي شائك لا يتفق الجميع معه، بينما تناول "أميرة" القضية الفلسطينية، وهي أيضًا منطقة إنسانية وفكرية تحمل الكثير من التحديات.

حتى تجربتي في Moon Knight كانت قائمة على المزج بين شخصيات فرعونية وأمريكية ومصرية داخل عوالم غريبة بالنسبة لي، أنا وخالد وشيرين دياب كنا نفكر دائمًا ما المنطقة الجديدة التي يمكن أن ندخلها؟.. وكانت فكرة الأفلام التاريخية حاضرة في أذهاننا منذ سنوات، وكتبنا بالفعل مشروعات تاريخية من قبل، وكنا نتمنى أن يتحقق أحدها.

وفيلم "أسد" كان أول مشروع تاريخي نسعى لتنفيذه بشكل حقيقي، بعدما وجدنا في لحظة تحرير العبيد خلال منتصف القرن التاسع عشر مادة درامية شديدة الثراء، لأن هذه اللحظة أحدثت زلزالًا اجتماعيًا بين ملاك العبيد والعبيد والمجتمع كله. ومن هنا بدأنا نبحث عن دراما ممثلة في شخصية "أسد”، ذلك العبد الذي يطارد حريته في لحظة أصبحت فيها الحرية ممكنة بالفعل، وكيف يمكن أن يتحول هذا الإنسان إلى مصدر إلهام للآخرين، ومن هذه الفكرة خرجت قصة "أسد" والدراما الملحمية التي شاهدها الجمهور.

وما الذي رأيته في هذه الحقبة ويشبه الواقع في العالم اليوم؟

بالنسبة لي، العبودية هي النسخة المبالغ فيها من الطبقية التي لا يزال العالم يعيشها حتى اليوم، الفكرة نفسها قائمة على وجود بشر في القمة بشكل مبالغ فيه، وآخرون في القاع تمامًا، ما يعني أننا لا نزال نعيش نوعًا من "العبودية المقنعة"، خصوصًا في ظل الرأسمالية الجشعة التي نراها اليوم، حيث يمتلك شخص واحد مثل إيلون ماسك مئات المليارات، بينما يعيش ملايين البشر بأقل من دولار أو دولارين يوميًا.

في النهاية، "أسد" يذكّرنا بأن الإنسان يجب أن يعامل أخاه الإنسان بعدالة وإنصاف، وأن القيمة الحقيقية للبشر لا يجب أن ترتبط بالقوة أو المال أو الطبقة.

الفيلم مليء بالمشاهد الصعبة في تنفيذها.. أي المشاهد تعتبرها الأصعب ولماذا؟

الفيلم بأكمله كان مليئًا بالمشاهد الصعبة، وكل مشهد كان يحمل تحديًا مختلفًاـ هناك مشاهد السحل، ومشاهد الأكشن، والمشاهد الدرامية الثقيلة، والمشهد المحوري في منتصف الفيلم الذي يغيّر فيه "النخاس" مسار حياة "أسد"، وكذلك مشهد النهاية.

والحقيقة أن بعض المشاهد كانت صعبة تقنيًا، وأخرى مرهقة تمثيليًا، كما أن ظروف التصوير نفسها كانت قاسية أحيانًا، خصوصًا أننا صوّرنا الفيلم على مدار عامين كاملين، فكانت هناك أيام شديدة الحرارة، وأخرى صورنا فيها داخل أماكن مرهقة جدًا من حيث الظروف المناخية والروائح الكريهة.

لكن إذا تحدثت عن المشهد الأصعب تحديدًا، فأعتقد أنه مشهد الجزيرة والغرق، لأنه لم يكن سهلًا سواء في التصوير أو في مراحل ما بعد التصوير، وكان التحدي الأكبر هو الوصول به إلى المستوى البصري الذي ظهر به في النهاية.

وأضيف إلى ذلك أيضًا مشاهد إفريقيا، لأن كل ما شاهده الجمهور في الفيلم تم تصويره داخل مصر، حتى المشاهد التي بدت وكأنها مصورة في إفريقيا، أنا سعيد جدًا بفريق العمل، لأنه هو السبب الحقيقي في وصول الصورة والجودة البصرية إلى هذا المستوى.

حدثنا عن مشهد غرق الأطفال الرضع في المياه.. هل هذا المشهد حقيقي أو استعنت بالذكاء الاصطناعي؟

مشهد غرق الأطفال الرضع كان من أكثر المشاهد التي كنا نعرف منذ كتابتها أنها ستكون قاسية وصادمة جدًا، وفي الوقت نفسه مميزة، لأنه لم يُقدم بهذا الشكل من قبل لا في السينما العربية ولا الأجنبية، لكن قسوة المشهد كانت مناسبة لما يحدث داخل الفيلم وللشخصيات التي يتناولها.

وبالتأكيد لا يمكن أن نلقي أطفالًا رضعًا داخل المياه، لذلك جرى تنفيذ المشهد بالكامل باستخدام الجرافيكس والمؤثرات البصرية، وليس عبر الذكاء الاصطناعي، استعنا بأطفال حقيقيين فقط للتصوير فوق المركب، لكن لم يتم الاقتراب بهم من المياه المفتوحة نهائيًا.

وخلال التصوير كنا حريصين جدًا على التعامل مع الجميع، سواء الكومبارس أو المجاميع أو الممثلين، بمنتهى الإنسانية والاحترام، وبالتأكيد كان الأطفال هم الأولوية القصوى بالنسبة لنا من حيث الرعاية والأمان.

الفيلم يتناول قضية العبودية والعنصرية، وهي منطقة شائكة.. هل كنت متخوفًا من ردود الفعل أو الهجوم؟

بصراحة أنا لا أرى العبودية والعنصرية مناطق شائكة بقدر ما أراها قضايا مهمة جدًا يجب أن نتحدث عنها، العالم كله اليوم يناقش هذه القضايا ويحاول أن يصبح أكثر وعيًا وإنسانية، والبشر أصبحوا أكثر حساسية تجاه مشاعر الآخرين مهما اختلفت ألوانهم أو خلفياتهم.

فكرة المساواة بين البشر ورفض الحكم على الإنسان بسبب لونه أو جنسه أو طبقته ليست رسالة "أسد" فقط، لكنها جزء من أي عمل أقدمه، أنا دائمًا أحاول أن أدفع الناس للنظر إلى الآخرين والتعاطف مع معاناتهم وحياتهم، لأننا في النهاية بشر نتشارك المشاعر نفسها.

منذ اللحظة الأولى حصد الفيلم إشادات كبيرة، وفي المقابل ظهرت حملات لمقاطعة الفيلم باعتباره يروّج للأفروسنترك.. كيف قرأت هذا المشهد؟

الحمد لله نحن سعداء جدًا بردود فعل الناس تجاه الفيلم، لأن الجمهور قدّر المجهود المبذول في كل عناصر العمل، سواء على مستوى الصورة أو التقنية أو الأداء.

أما فيما يتعلق باتهامات "الأفروسنترك"، فأعتقد أن هناك سوء فهم كبيرًا. فكرة "الأفروسنترك" تقوم على ادعاء أن مصر بناها الأفارقة، وأن المصريين الحاليين ليسوا السكان الأصليين، وهذا كلام غير صحيح تمامًا.

وفيلم "أسد" نفسه ينفي هذه الفكرة من أول مشهد، لأن الأطفال والعبيد الذين يظهرون في الفيلم يتم اختطافهم من إفريقيا بواسطة قراصنة إنجليز ويتم جلبهم إلى مصر لبيعهم، ما يعني أن أصولهم ليست مصرية، وبالتالي فالفيلم ضد هذه الفكرة تمامًا ولا يروّج لها بأي شكل.

وأتمنى من الناس أن تتحرى الدقة قبل إطلاق الأحكام، خصوصًا عندما يكون هناك عمل بُذل فيه مجهود كبير بهذا الشكل.

ما الرسالة التي كنت تود توصيلها من خلال هذا الفيلم؟

الفيلم يتناول حقبة حساسة مرتبطة بالعنصرية والعبودية، لكنني كنت مهتمًا أكثر بالبناء الدرامي وليس بالتوثيق التاريخي الحرفي، نحن نتحدث عن حدث تاريخي حقيقي، وهو بداية صدور مرسوم قرارات تحرير العبيد خلال منتصف القرن التاسع عشر، وما أحدثه ذلك من تأثير اجتماعي ضخم.

رحلة تحرير العبيد نفسها استمرت لعقود طويلة بعد ذلك، لكن الفيلم لا يهتم بالأسماء أو التواريخ بقدر اهتمامه بالفكرة الإنسانية والدرامية للحدث.

هل كنت حريصًا على الصدق التاريخي أكثر أو التأثير الدرامي؟.. وأين ينتهي التوثيق التاريخي ويبدأ خيال محمد دياب السينمائي داخل الفيلم؟

الفيلم مبني على أحداث حقيقية، أهمها مرسوم تحرير العبيد الذي أحدث زلزالًا اجتماعيًا في ذلك الوقت، لكن شخصية "أسد" نفسها وما يمر به داخل الأحداث ينتمي إلى الخيال الدرامي.

هناك وقائع مشابهة حدثت بالفعل، لكن شخصية "أسد" تحديدًا ليست شخصية تاريخية موثقة، وما يحدث لها داخل الفيلم هو معالجة درامية مستوحاة من روح العصر.

حدثنا عن التوليفة المختلفة لفنانين من أكثر من دولة بين مصر وفلسطين ولبنان والسودان.. كيف جاءت اختيارات الأبطال؟ 

أنا فخور جدًا بكل الممثلين المشاركين في الفيلم، وكل واحد منهم قدّم أداءً عظيمًا داخل دوره. وكنا محظوظين أيضًا بأن السينما السودانية شهدت خلال السنوات الأخيرة أعمالًا مهمة جدًا مثل "وداعًا جوليا" و"ستموت في العشرين"، وهو ما جعلنا نستعين بعدد من الممثلين السودانيين الموهوبين.

ومنهم علي قاسم، إلى جانب رزان وكامل الباشا، والفيلم يضم توليفة عربية متنوعة من ممثلين مصريين وسودانيين ولبنانيين وفلسطينيين، وسعيد جدًا بهذه الفكرة، لأنها تعيدنا إلى روح السينما المصرية القديمة التي كانت حاضنة لكل الثقافات العربية.

إلى أي مدى التزم محمد رمضان بتفاصيل الشخصية؟.. وماذا عن كواليس مشهد السحل في الأرض أو الإخصاء وغيرها من المشاهد القاسية؟

محمد رمضان ممثل محترف جدًا، ومنح الفيلم نحو عامين كاملين من الالتزام والتفرغ، كنا نناقش كل مشهد بالتفصيل، ومعناه بالنسبة للشخصية، والتحديات النفسية والبدنية الموجودة فيه.

مشهد السحل مثلًا كان من أصعب المشاهد، ووجود وجه محمد رمضان داخل المشهد أعطاه قوة نفسية أكبر بكثير، كما أنه كان مستعدًا لتنفيذ كل المشاهد المطلوبة، بما فيها مشاهد الغطس، رغم أنه لم يكن يجيد السباحة أو الغطس بشكل جيد.

وأنا أشيد جدًا بشجاعته، لأنه خرج من الصورة النمطية للبطل الشعبي، وخاض مخاطرة فنية حقيقية أعتقد أنها جلبت له احترامًا وإشادات واسعة من الجمهور.

وسوم :