الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

من "بشيت" إلى الشتات.. فلسطيني من زمن النكبة يروي مآسي 78 عاما

  • مشاركة :
post-title
الفلسطيني إسماعيل عطية سيد أحمد ناصر الدين- لقطة من فيديو مصوَّر

القاهرة الإخبارية - ياسمين يوسف

كانت قرية بشيت الفلسطينية، الواقعة في مركز قضاء الرملة جنوب شرقي مدينة يافا، واحدة من القرى الزراعية المزدهرة في فلسطين، تشتهر ببساتينها الواسعة وحقولها الخصبة وأشجار الزيتون والحمضيات والعنب واللوز التي أحاطت بمنازلها البسيطة، قبل أن تتحول إلى قرية مدمرة لا أثر لها على الأرض.

هناك، عاش الفلسطيني إسماعيل عطية سيد أحمد ناصر الدين -المولود في أبريل عام 1936- طفولته الأولى، قبل أن تتحول القرية في عام 1948 إلى ساحة حرب انتهت بالنزوح والاقتلاع في واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ الحديث، عُرِفَت بالنكبة الفلسطينية.

اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على النكبة، لا يزال الرجل الذي دخل عامه الـ91 يحتفظ بصورة قريته في ذاكرته كما كانت، ويستعيد تفاصيل الرحيل القاسي الذي قاده -مع آلاف الفلسطينيين- إلى حياة اللجوء المستمرة حتى الآن.

بشيت.. أرض الخير

وصف "ناصر الدين"، خلال مقطع مصور خاص لموقع قناة "القاهرة الإخبارية"، قريته التي كان يقطنها ألفا شخص بأنها "جنة مليئة بالخيرات"، مستعيدًا مشاهد الحقول والبساتين التي كانت تشكل مصدر رزق السكان.

وروى أن أهالي بشيت اعتمدوا على الزراعة وتربية المواشي، وكانت القرية تضم مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالقمح والخضروات والأشجار المثمرة، إلى جانب الحياة الاجتماعية الهادئة التي جمعت العائلات الفلسطينية آنذاك، لكن تلك الحياة بدأت تتغير تدريجيًا مع تصاعد المواجهات في فلسطين خلال سنوات الانتداب البريطاني.

نكبة قبل النكبة

قال "ناصر الدين" إن "النكبة الفلسطينية لم تبدأ فعليًا عام 1948"، بل سبقتها سنوات من التوترات والأحداث الدامية التي عاشها الفلسطينيون خلال الانتداب البريطاني مع تصاعد الهجمات البريطانية والصهيونية ضد الفلسطينيين والثوار، مستذكرًا محطات سبقت النكبة، مثل ثورة الشيخ عز الدين القسام.

وذكر أن عائلته عاشت آثار تلك المرحلة مبكرًا، موضحًا أن عمه قُتل على يد القوات البريطانية في عام 1917 بسبب مشاركته في الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية.

هجوم بشيت

وأشار "ناصر الدين" إلى أن قرية بشيت تعرضت لأول هجوم من اليهود في 30 مارس 1948، إلا أن أهالي القرية تمكنوا حينها من التصدي للهجوم وإجبارهم على التراجع، مضيفًا أن "العديد من قتلى اليهود بقوا في أرض المعركة بعد انسحابهم".

فيما أوضح أن "الهجوم الأكبر وقع فجر 11 مايو 1948، عندما بدأ اليهود هجومًا واسعًا استمر حتى ساعات الفجر"، مضيفًا أن ذخيرة المدافعين عن القرية نفذت بالكامل خلال المعركة، ما سمح لليهود باقتحام بشيت، وقتلوا أكثر من 22 رجلًا وامرأة، إلى جانب إحراق عدد كبير من المنازل.

حلم لا يتحقق

داخل المنزل، بقيت عائلة "ناصر الدين" خلال الساعات الأولى من القتال، قبل أن يطلب منهم الأهالي مغادرة القرية بعد اتساع دائرة القتل واقتراب اليهود المسلحين.

وكانت الوجهة الأولى قرية يبنا المجاورة، التي تحولت في تلك الفترة إلى ملاذ لعشرات العائلات الفلسطينية النازحة من القرى المحيطة.

وقال "ناصر الدين" إن سكان قرى عدة، من بينها ذنابة وعجور والمغار وبشيت، نزحوا إلى يبنا هربًا من القصف والهجمات المسلحة، مشيرًا إلى أن القرية كانت تُعرف باسم "أم القرى" بسبب اتساعها وما ضمته من لاجئين.

وتابع: "كنا نظن أن الغياب لن يستمر سوى أيام قليلة، خاصة بعد دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، لكن الأيام تحولت إلى سنوات طويلة من اللجوء".

رحلة لا تنتهي

من "يبنا" بدأت رحلة التهجير القاسية، انتقلت العائلة بين ياصور وصميل وبيت جبرين وزكرين والمجدل وغزة، وصولًا إلى خان يونس، حيث استقرت العائلة منذ عام 1948 وحتى اليوم.

وخلال تلك الرحلة، عاش النازحون أوضاعًا إنسانية صعبة، وسط نقص الغذاء والخوف المستمر من القصف والهجمات الجوية.

يصف "ناصر الدين" الأيام الصعبة التالية، قائلًا: "اعتمدت العائلات الفلسطينية على المساعدات التي كان يقدمها الجيش المصري للحصول على الخبز والطعام، فيما تعرضت تجمعات النازحين في أكثر من منطقة للقصف الإسرائيلي، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى".

ذاكرة لا تموت

عند المقارنة بين نكبة 1948 والحرب الإسرائيلية التي شهدها قطاع غزة عام 2023، يرى "ناصر الدين" أن النكبة تبقى "الأكثر خطورة وتأثيرًا" من حيث فقدان الأرض والتهجير الجماعي، رغم وصفه ما جرى في غزة بأنه "من أبشع الجرائم في العصر الحديث".

أوضح: "فقد الفلسطينيين خلال النكبة نحو 78% من أرض فلسطين التاريخية، بينما بقي الدمار في حرب غزة محصورًا داخل مساحة صغيرة نسبيًا مقارنة بما جرى عام 1948، إذ أزيلت آلاف القرى الفلسطينية بالكامل خلال النكبة، في حين شهدت غزة تدميرًا واسعًا طال المدن والمخيمات والبنية التحتية".

دعم مصري متجذر

خلال حديثه مع موقع قناة "القاهرة الإخبارية"، أشاد "ناصر الدين" بالموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن القاهرة قدمت دعمًا تاريخيًا للفلسطينيين منذ حرب 1948، وأن جنودًا وضباطًا مصريين استشهدوا خلال المعارك دفاعًا عن الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما لفت إلى أن هذا الدور المصري لم يقتصر على حرب 1948 فقط، بل امتد أيضًا إلى حروب 1956 و1967 وآخرها الحرب على قطاع غزة، مؤكدًا أن مصر ظلت حريصة على دعم القضية الفلسطينية بشكل راسخ وقديم عبر العقود.

كذلك، اعتبر أن رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة منع نكبة ثانية للفلسطينيين ومنع تكرار سيناريو التهجير الذي عاشوه خلال النكبة.

حق العودة يقين

رغم مرور 78 عامًا على النكبة، أكد "ناصر الدين" في ختام حديثه أن حق العودة بالنسبة إليه "حق يقين"، وليس مجرد مطلب سياسي.

وقال إن "ارتباط الفلسطيني بأرضه لا يمكن أن ينتهي، لأن تلك الأرض دُفن فيها الأجداد وعاشت فيها العائلات لمئات السنين"، مضيفًا أن "الفلسطينيين لن يتخلوا عن أرضهم مهما طال الزمن"، داعيًا الجيل الجديد بالتمسك بالأرض والصمود والوحدة.