في عام 2018، شهد مهرجان كان السينمائي واحدة من أبرز اللحظات الاحتجاجية في تاريخه، حين وقفت المخرجة آفا دوفيرناي، والممثلة والمخرجة كيت بلانشيت، والمخرجة الفرنسية الراحلة أنييس فاردا، والممثلة والمخرجة كريستين ستيوارت، إلى جانب أكثر من 80 سينمائية، على درجات قصر المهرجانات احتجاجًا على غياب المساواة بين الجنسين داخل صناعة السينما العالمية، جاء ذلك بعد إعلان المسابقة الرسمية للمهرجان، والتي لم تضم آنذاك سوى ثلاثة أفلام فقط من إخراج نساء.
في أعقاب تلك الاحتجاجات، وقّع تيري فريمو على تعهّد من جمعية "لو كوليكتيف 50/50" (الجمعية الفرنسية المكرسة لتعزيز التنوع الجنسي والجندري في صناعة السينما) يحدد الخطوات التي سيتخذها المهرجان لزيادة تمثيل المرأة في برامجه، بما في ذلك إعداد إحصاءات مصنفة حسب الجنس لبرنامجه السنوي، والعمل في الوقت نفسه على تحقيق المساواة بين الجنسين في هيئاته الإدارية ولجان البرمجة.
وبعد مرور ما يقرب من ثماني سنوات على تلك الوعود، لا تزال النتائج محل جدل، ففي دورة عام 2026، ضمت المسابقة الرسمية خمسة أفلام فقط من إخراج نساء، وهو تراجع مُقارنة بعام 2025 الذي سجّل رقمًا قياسيًا بمشاركة سبع مخرجات ضمن المسابقة الرئيسية.
وخلال المؤتمر الصحفي الافتتاحي لدورة 2026 (الحالية)، دافع "فريمو" عن سياسة الاختيار قائلًا إن الأفلام يتم اختيارها بناء على جودتها الفنية، وليس وفق جنس مخرجيها، وفي رد رسمي لمتحدث باسم المهرجان على تساؤلات حول جهود تحقيق المساواة، أكد أن إدارة المهرجان ملتزمة منذ سنوات بتحقيق التوازن الجندري في جميع المجالات الواقعة ضمن مسؤولياتها المباشرة.
وترى فاني دي كاسيماكر، المندوبة العامة في جمعية "لو كوليكتيف 50/50"، أن الحديث عن "الحصص" أو "الكوتا" لا يزال يثير مخاوف داخل الصناعة السينمائية، مشيرة إلى أن العاملين بالمجال غالبًا ما يحمّلون أطرافًا أخرى مسؤولية الأزمة بدلًا من الاعتراف بالخلل البنيوي القائم.
قدّم مهرجان كان السينمائي لمجلة هوليوود ريبورتر مجموعة من البيانات، فإن لجان التحكيم أصبحت متوازنة بين الجنسين منذ عام 2011، كما تحققت المساواة في رئاسة اللجان منذ 2013 وتضم لجنة الاختيار الرسمية حاليًا خمس نساء مقابل أربعة رجال، فيما تتجاوز نسبة النساء داخل الكادر الإداري والتنظيمي للمهرجان وسوق الأفلام 50%، بما في ذلك المناصب القيادية.
ورغم ذلك، لا تزال الفجوة واضحة في القسم الأهم والأكثر تأثيرا داخل المهرجان، وهو المسابقة الرسمية، فبينما بلغت نسبة المخرجات المشاركات في مجمل الاختيارات الرسمية لعام 2026 نحو 34%، وهي زيادة تقدر بـ 8% مقارنة بعام 2025، تنخفض هذه النسبة إلى 22% فقط داخل المسابقة الرئيسية، وهي الفئة التي تمنح الأفلام فرصًا أكبر للفوز بالجوائز الكبرى والحصول على عقود توزيع عالمية.
وتقول كيرستن شافير الرئيسة التنفيذية لمنظمة "نساء في السينما" إن المشكلة تتجاوز مجرد أرقام المشاركة، موضحة أن الصناعة لا تزال تنظر إلى المخرج العظيم باعتباره رجلا في المقام الأول، مع وجود استثناءات محدودة مثل كلوي تشاو وجين كامبيون.
أما فيث إليزابيث، مؤسسة منظمة نعم هي كان، فقالت لمجلة "هوليوود ريبورتر" إن جوهر الأزمة يتمثل في المسابقة الرسمية نفسها، نظرا لأنها البوابة الحقيقية نحو الجوائز الكبرى مثل السعفة الذهبية والاعتراف العالمي، وتشير إلى أن النساء غالبا ما يتم توجيههن نحو أقسام أقل شهرة وتأثيرًا داخل المهرجان.
وتكشف أرقام الدورة الحالية أن قسم "نظرة ما" سجل النسبة الأعلى من مشاركة النساء، حيث أخرجت النساء 10 أفلام من أصل 19 فيلما، كما يفتتح القسم بفيلم جديد للمخرجة جين شونبرون، وفي المقابل، اقتربت مسابقة الأفلام القصيرة من تحقيق التوازن، بعدما أخرجت النساء أربعة من أصل عشرة أفلام، فيما بلغت نسبة مشاركة النساء في العروض الخاصة 44%.
وتؤكد شافير أن هذه الأرقام تثبت أن زيادة تمثيل النساء ممكنة إذا توفرت الإرادة، مستشهدة بتجارب مهرجانات دولية أخرى، ففي مهرجان برلين السينمائي، أخرجت النساء تسعة أفلام من أصل 22 فيلما في المسابقة الرسمية، بينما وصلت نسبة الأفلام التي أخرجتها نساء في مسابقة الدراما الأمريكية بمهرجان صندنس السينمائي إلى 70%.
ويرى العديد من العاملين في القطاع أن الأزمة الحقيقية تكمن في البنية الصناعية للسينما العالمية، بدءا من التعليم والتدريب وحتى التمويل والتوزيع، فعلى الرغم من أن مؤسسات تعليمية كبرى مثل جامعة جنوب كاليفورنيا وجامعة نيويورك ومعهد الفيلم الأمريكي أصبحت تخرج أعدادا أكبر من النساء مقارنة بالرجال، فإن التمويل لا يزال يتجه بصورة أساسية إلى المشاريع التي يقودها رجال، لا سيما الإنتاجات الضخمة.
وتصف دي كاسيماكر الوضع بأنه أزمة عالمية في تمويل السينما المستقلة، مؤكدة أن النساء والفئات المهمشة هن الأكثر تضررًا منها، بينما تلخص شافير هذه الظاهرة بعبارة متداولة داخل مؤسسة "نساء في السينما": "حين تتدفق الأموال، تتراجع النساء".
وفي السياق نفسه، أطلقت المخرجة دافني شمون منظمتها غير الربحيةBreaking Through the Lens خلال مهرجان كان عام 2018، بهدف مساعدة المخرجات على الوصول إلى التمويل من خلال المنح والإرشاد واللقاءات المهنية وتؤكد شمون أن جوهر المشكلة يكمن في التمويل، معتبرة أن أي تغيير حقيقي يجب أن يبدأ من هناك.
وخلال إحدى فعاليات المنظمة في مهرجان كان العام الماضي، تحدثت كريستين ستيوارت عن الصعوبات الكبيرة التي واجهتها للحصول على تمويل لفيلمها الروائي الأول "تسلسل الماء"، رغم شهرتها ودعمها الجماهيري، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها النساء حتى في أعلى مستويات الصناعة.
من جانبها، تؤكد المنتجة الأمريكية لونا تشانج أن النساء لا يزلن يواجهن أزمة حقيقية في مواقع اتخاذ القرار داخل الصناعة السينمائية، معتبرة أن بعض القائمين على التمويل والإنتاج لا يزالون يشعرون بالتهديد من صعود النساء إلى مواقع السلطة والقيادة.
كما تستمر النقاشات حول دور التمويل الحكومي في معالجة الخلل القائم، خاصة بعد تطبيق بعض الدول الأوروبية، مثل السويد، أنظمة حصص جندرية في دعم الأفلام، ويعد فيلم "الوحش اللطيف" للمخرجة ماري كرويتزر، المشارك في مسابقة كان هذا العام، مثالا على الإنتاجات المدعومة ضمن هذه السياسات.
وفي ظل التراجع الملحوظ في تمثيل النساء داخل صناعة الترفيه الأمريكية، تزداد المخاوف بشأن مستقبل المخرجات عالميا، ووفق دراسة صادرة عن مبادرة أننبرج للشمول التابعة لجامعة جنوب كاليفورنيا، بلغت نسبة النساء اللواتي أخرجن أعلى 100 فيلم تحقيقًا للإيرادات في عام 2025 نحو 8.1% فقط، وهو أدنى مستوى خلال سبع سنوات.
ورغم الاعتراف العام بوجود تحسن تدريجي، ترى منظمات الدفاع عن النساء في السينما أن وتيرة التغيير لا تزال أبطأ بكثير من المطلوب وتؤكد دي كاسيماكر أن تحقيق المساواة ليس مستحيلا، لكنه يحتاج إلى أهداف واضحة وإجراءات حقيقية، لا إلى مزيد من الوعود.