تعود بكين إلى صدارة المشهد الدولي، إذ تتجه أنظار العالم أجمع إليها بعد وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إليها، في زيارة تحمل ثقلًا يتجاوز البروتوكول، وسط قمة مرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينج لإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
وبين حسابات الاقتصاد والتكنولوجيا والتوترات الجيوسياسية، تفتح القمة الباب أمام اختبار جديد لقدرة واشنطن وبكين على إدارة الخلاف بدل الانزلاق إلى المواجهة.
في هذا السياق، يقدم خبراء صينيون قراءة أعمق لرهانات الزيارة وحدود ما يمكن أن تحققه من اختراقات.
الحفاظ على قنوات التواصل
قال البروفيسور ليو شين لو، نائب رئيس جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، إن زيارة ترامب المرتقبة "تعكس رغبة مشتركة لدى الصين والولايات المتحدة في الحفاظ على التواصل رفيع المستوى".
وأوضح في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن أزمة الثقة المتبادلة بين البلدين تفاقمت بصورة أكبر منذ جائحة كورونا، مشيرًا إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن لم تنجح في تحقيق زيارة رئاسية إلى الصين، كما تراجعت بشكل ملحوظ الزيارات المتبادلة على مستوى الكونجرس خلال السنوات الماضية.
وأضاف "ليو" أن أغلب التحليلات ترى أن القمة الحالية قد لا تنتج "نتائج كبرى استثنائية"، لكن ذلك لا يقلل من أهميتها، لأن "إدارة الخلافات أصبحت مطلبًا مشتركًا وأساسيًا للطرفين، مع السعي في الوقت نفسه لتوسيع مجالات التعاون الممكنة".
وأكد ليو شين لو، أن مستقبل العلاقات الصينية الأمريكية سيظل مرتبطا بعوامل متعددة تشمل الإرادة السياسية للبلدين، والبيئة الدولية، والتطورات الاقتصادية والسياسية الداخلية لدى كل طرف، لكنه شدد على أن "الثابت الوحيد" في العلاقة بين القوتين يتمثل في أن الحوار والتعاون وإدارة الخلافات بشكل مناسب "هي الطريق الوحيد للحفاظ على استقرار العلاقات وتطورها بصورة صحية".
ولفت إلى أن بكين اليوم تختلف كثيرًا عن الصين التي واجهها ترامب خلال زيارته الأولى عام 2017، موضحًا أن الصين باتت تولي اهتمامًا أكبر بأمن الموارد الاستراتيجية وسلامة سلاسل الإمداد، وأصبحت تمتلك قدرات مؤثرة على استقرار سلاسل الصناعة العالمية في عدد من القطاعات الحيوية.
اختراقات طفيفة
وقال تشن جيه، عميد معهد الدراسات الدولية والإقليمية بجامعة جامعة "صن يات صن"، إن العلاقات الصينية الأمريكية تعد "أهم علاقة ثنائية في العالم"، معتبرًا أن القمة المرتقبة بين ترامب وشي ستتناول قضايا كبرى من شأنها المساهمة في استقرار العلاقات الثنائية وتعزيز توقعات المجتمع الدولي تجاه مستقبل العلاقة بين بكين وواشنطن، وهو ما سينعكس إيجابًا على الأمن والتنمية على المستوى العالمي.
وأوضح "تشن" في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن التقديرات تشير إلى أن العلاقات الصينية الأمريكية قد تشهد خلال العامين المقبلين مرحلة نمو ملحوظة في المجالات الاقتصادية والتجارية غير الحساسة، وعلى رأسها القطاع الزراعي، في حين ستظل فرص التعاون بين البلدين محدودة وصعبة في الملفات الحساسة، مثل الرقائق الإلكترونية المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأشار "تشن جيه" إلى أن هناك آمالًا بأن تسهم القمة أيضًا في تخفيف حدة التوترات الحالية في الشرق الأوسط، لافتًا إلى أن الصين تمتلك في المرحلة الراهنة "أفضل المقومات للقيام بدور الوسيط" في أزمات المنطقة.
وأضاف أن الصين كانت دائمًا تتطلع إلى استقرار العلاقات الصينية الأمريكية واستقرار العالم ككل، كما تواصل الدعوة إلى التعددية الدولية وتعزيز الثقة المتبادلة وتحقيق المكاسب المشتركة، إلى جانب الترويج لمفهوم "مجتمع المصير المشترك للبشرية".
وأكد أن الدور العالمي للصين وتأثيرها الدولي مرشحان للتعزز بصورة أكبر بعد هذه القمة، في ظل تنامي حضور بكين على الساحة الدولية وقدرتها على لعب أدوار سياسية واقتصادية ودبلوماسية متزايدة التأثير.
حسابات اقتصادية معقدة
وقال وانج جيا شيوان، الباحث في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، إن "أحد أبرز الفوارق بين زيارة ترامب الحالية وزيارته الأولى عام 2017 يتمثل في أن بنية القوة داخل العلاقات الاقتصادية الصينية الأمريكية تغيرت بشكل واضح"، موضحًا أن الصين في السابق كانت أكثر حرصًا على الحفاظ على استقرار صادراتها إلى الولايات المتحدة واستقرار البيئة الخارجية، "لكن الولايات المتحدة أصبحت اليوم أكثر احتياجًا للصين في بعض المجالات الحيوية".
وأشار الباحث الصيني في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، إلى أن ملف التجارة والزراعة يمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، موضحًا أن مشتريات المنتجات الزراعية الأمريكية لا تُعد بالنسبة لترامب مجرد قضية اقتصادية، بل ترتبط أيضًا بحساباته الانتخابية الداخلية.
وأضاف أن الولايات الزراعية الأمريكية تعد أحد أهم معاقل الحزب الجمهوري، غير أن الصين نجحت خلال السنوات الأخيرة في تنويع مصادر استيرادها الزراعي، ما أدى إلى تراجع حصة فول الصويا الأمريكي في السوق الصينية مقابل صعود البرازيل ودول أخرى.
وبحسب الأرقام التي أوردها الباحث، انخفضت حصة الولايات المتحدة من واردات الصين من فول الصويا إلى 15% فقط في عام 2025، بينما تجاوزت حصة البرازيل 70%، لذا يرى أن نجاح ترامب خلال الزيارة في دفع الصين نحو اتفاقات شراء زراعية جديدة "سيحمل أهمية سياسية واقعية بالنسبة له داخليًا".
وفي السياق نفسه، لفت وانج جيا شيوان إلى أن مرافقة الرئيس التنفيذي لشركة بوينج لترامب خلال الزيارة تعكس أهمية ملف الطيران المدني في المحادثات المرتقبة، وسط توقعات واسعة بأن تكون طلبيات الطائرات من أبرز الملفات المطروحة.