الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

" أثقل من الحياة".. وثائقي يجسد معاناة 5 ناجيات من حرب غزة

  • مشاركة :
post-title
بوستر الفيلم

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

في شهادة حية موجعة تتجاوز حدود التوثيق التقليدي، يقدّم المخرج الفلسطيني مصطفى النبيه فيلمه الوثائقي الطويل "أثقل من الحياة"، كعمل إنساني يغوص في أعماق التجربة لـ5 ناجيات من الحرب، كاشفًا عن تفاصيل يومية قاسية تعيشها نساء من قطاع غزة، في واقع تتآكل فيه المعاني تحت ضغط الجوع والفقد والتشرد.

 الفيلم الذي يمتد إلى 70 دقيقة، استغرق تصويره عامًا ونصف العام، ليخرج من قلب المعاناة لا من خارجها، بإنتاج مركز الإعلام المجتمعي، وإدارة إنتاج عندليب عدوان.

وأكد "النبيه"، لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن "أثقل من الحياة" لا يتناول الحرب بوصفها حدثًا، بل كأثر ممتد داخل الإنسان، قائلًا: "الفيلم ليس عن الحرب فقط، بل عما تتركه داخل الإنسان من آثار نفسية عميقة".

وأوضح أن العمل يتتبع خمس نساء من غزة، يواجهن يوميًا ما هو "أثقل من الموت" ألا وهو الجوع والفقد والتشرد والمرض والإذلال وانكسار العدالة، في عالم قاسٍ تتعرض فيه النساء لأشكال متعددة من الاستغلال، يصل بعضها إلى الابتزاز الجسدي مقابل البقاء. 

أضاف: "الفيلم لا يقف عند لحظة الانكسار، بل يتقدم خطوة أبعد، نحن أمام نساء يُدفعن إلى الحافة… ويرفضن السقوط".

وأكد "النبيه" أن الكاميرا في هذا العمل لم تكن ناقلًا محايدًا، بل كانت جزءًا من التجربة، موضحًا: "الكاميرا هنا لا تروي، بل تعيش"، حيث دخل فريق العمل في تفاصيل الحياة اليومية التي يتحول فيها كل فعل بسيط إلى معركة، مثل الخروج في منتصف الليل بحثًا عن الطحين، والنوم في الشوارع تحت القصف، والوقوف لساعات طويلة في الطوابير، والتزاحم مع الرجال لحماية العائلة وتأمين الحد الأدنى من الحياة.

المكان جزء من الحكاية

لم تكن أماكن التصوير منفصلة من الحكاية بل جزءًا منها، يقول "النبيه": "الأماكن ليست مجرد خلفية، بل جزء من الحكاية: خيام، شوارع، طوابير مياه، طوابير تكية، أسواق، وأجساد منهكة تواصل الصمود"، مشيرًا إلى أن الحكايات تتشابك دون تسلسل زمني صارم لتُشكّل صورة واحدة للمرأة الفلسطينية كجسد واحد متعدد الجراح.

قصص الناجيات

وكشف "النبيه" عن تفاصيل الشخصيات الخمس، مؤكدًا أن اختيارهن لم يكن عشوائيًا، بل بوصفهن نماذج مكثفة لتجارب إنسانية بلغت أقصى حدودها.

يقول عن أول شخصية بالعمل وهي الدكتورة ليلى شاهين والتي وصفها بأنها حارسة الذاكرة في زمن المحو التام للجذور الفلسطينية: "شهدت في طفولتها إعدام عائلتها، وعاشت في ملجأ للأيتام، قبل أن تكرّس حياتها لحفظ التراث، أسست متحف رفح بجهدها الشخصي، لكنه دُمّر بعد عام واحد، كما دُمّر منزلها، اليوم تعيش في خيمة، لكنها لا تتوقف: تُدرّس طلاب الفنون عبر الإنترنت، تجمع بقايا الذاكرة من بين الركام، وتحارب النسيان في مكان يُمحى فيه كل شيء"، مؤكّدًا: "ليلى لا تنقذ الأشياء فقط… بل تحاول إنقاذ المعنى".

بينما يقول عن بطلة الفيلم الثانية والتي تدعى نعمة فرج الله، وهي زوجة لرجل فقد بصره، وأم لخمسة أطفال، قررت أن تكون الأب والأم معًا: "في غياب كل شيء، أصبحت هي كل شيء، نراها تقف في طوابير الماء لساعات، تتزاحم للحصول على الطعام، وتقود عائلتها في تنقل دائم هربًا من الخطر".

وأضاف: "نعمة لا تتحدث كثيرًا… لكنها تتحرك بلا توقف"، مشيرًا إلى أن مشكلتها أنها "جميلة في عالم وقح"، لكنها قررت أن تعيش كما تريد وتدافع عن عائلتها.

كما يوثق الفيلم قصة آلاء شحادة، التي تسرد تجربتها المرعبة خلال النزوح، حيث سارت بين الدبابات وشهدت لحظات الإذلال وتعري الناس دون تمييز، ورأت كيف يُعدم كل من يلتفت حوله في أثناء النزوح من الشمال إلى الجنوب.

وقال "النبيه" إن قصتها تعكس أنه "حين لا تكتمل النجاة، تكبر الجرائم ويصبح الموت أفضل من الحياة"، مضيفًا: "آلاء أم لأربعة أطفال، فقدت ابنتها تحت القصف بعد أن لجأت إلى خيمة ظنتها أكثر أمانًا، زوجها غادر عبر البحر وتركها تواجه العالم وحدها، عاشت الجوع والتشرد والابتزاز الجسدي والحرمان من أبسط الحقوق، لكنها خرجت ليلًا ونامت في الشوارع وزاحمت لتؤمّن الدقيق دون أن تساوم على كرامتها".

بينما يشير إلى أن بطلة العمل الرابعة تدعى إيمان التي نجت من الحرب، لكنها عاشت انكسارًا وغربة داخل المجتمع، إذ يؤكد أنها فقدت زوجها، ثم فقدت كل أشكال الحماية، وانتُزِع أطفالها منها، وتعرضت للتشهير والتعنيف، ليؤكد "النبيه" أن قصتها لا تكشف الحرب فقط، بل ما بعدها، مضيفًا: "حين يمكن أن يتحول المجتمع نفسه إلى ساحة قاسية أخرى".

أما ريهام أبو عوض فتجسّد معاناة المرأة الحامل في الحرب، حيث حملت بتوأمين وسط الجوع، وبكت كثيرًا خلال المجاعة في أثناء بحثها عن أي شيء يسد رمق أطفالها ويحميهم من موت مؤكد، فهي عاشت القصف، وشهدت استشهاد أفراد من عائلتها، وخرجت من تحت الأنقاض، وإلى ذلك عاشت الحمل في أقسى الظروف، مجاعة وخوف وغياب الرعاية وفقد مستمر، لكنها استمرت رغم كل شيء.

وأكد "النبيه" أن هؤلاء النساء تعرضن لمحاولات استدراج وابتزاز جسدي في واقع يضغط عليهن من كل اتجاه، لكنهن رفضن الاستسلام، وخرجن ليلًا، ونمن في الشوارع، وتزاحمن مع الرجال، لا بحثًا عن البطولة، بل دفاعًا عن عائلاتهن.

وشدد على أن اختيار الشخصيات جاء انطلاقًا من كونهن يمثلن شرائح مختلفة من المجتمع، لكن يجمعهن خوض معاركهن بصمت وقوة، دون أن تُروى قصصهن كما ينبغي، قائلًا: "في كل حكاية مستوى عالٍ من الصبر، وإرادة واضحة للبقاء، وتشبّث بالحياة رغم كل ما فُقد".

وأضاف: "ما يُعرض في الأخبار لا يكشف إلا السطح، بينما تختبئ القصص الأكثر قسوة وإنسانية في التفاصيل اليومية التي لا تُرى، هؤلاء النساء لا يمثلن أنفسهن فقط، بل يعكسن صورة أوسع للمرأة الفلسطينية وقدرتها على الاستمرار في ظروف تتجاوز حدود الاحتمال".

مشاركات دولية

وكشف النبيه أن الفيلم شارك في مهرجان بفرنسا، كما تم تقديمه ضمن الدورة الحالية من مهرجان القاهرة السينمائي، في خطوة تهدف إلى إيصال هذه الحكايات إلى جمهور أوسع.

وعن كواليس التصوير، قال: "لم تكن عملية التصوير منفصلة عن الواقع، بل كانت امتدادًا له، نفس المعاناة التي يعيشها الناس يعيشها فريق العمل يوميًا: نقص حاد في المعدات وانعدام البدائل وظروف غير مستقرة تجعل كل يوم تصوير مغامرة غير مضمونة".

وأضاف: "في هذا السياق، لا يتعلق التحدي فقط بالتقنيات، بل بالشعور الثقيل بالعجز.. أن تسمع قصص الألم عن قرب، وترى تفاصيل المعاناة، دون أن تملك القدرة على مدّ يد العون.. الكاميرا توثّق، لكنها لا تنقذ".

وأشار إلى أن أبسط الأدوات كانت مسألة مصيرية: "فقدان عدسة قد يعني توقف العمل، لأنه لا يوجد بديل"، لافتًا إلى أن كل لقطة صُوِّرت تحت ضغط حقيقي، حيث يتقاطع السعي للبقاء مع الإصرار على صناعة فيلم.

وأوضح أن التنقل كان من أكثر العقبات إرهاقًا، بسبب صعوبات المواصلات وخطورة الطرق، ما جعل الوصول إلى مواقع التصوير تحديًا بحد ذاته.

واختتم "النبيه" تصريحاته بالتأكيد على أن الفيلم محاولة لطرق "جدار الخزان"، ليس فقط لتسجيل الواقع، بل للمساهمة في تغييره، مضيفًا أن "أثقل من الحياة" يضع الكاميرا في يد النساء، ويضع العالم أمام مسؤولية أن يرى، لا أن يدير وجهه، لأن ما سنراه ونسمعه "يقشعر له البدن ولا يستوعبه العقل".