الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

يوسف إدريس لـ"نزار قباني": "اعذرني يا صديقي.. لا أعرف عنوانك في بيروت"

  • مشاركة :
post-title
يوسف إدريس ونزار قباني

القاهرة الإخبارية - خيري حسن

يا نزار.. الأمل ضعيف لكن يقيني أنه لا يزال باقيًا
لقد أوقعتني بقصيدتك عن بلقيس في حيرة كبرى
الذين قتلوا بلقيس حاولوا أن يغتالوا قلبك.. لكنهم فشلوا

"بلقيس..

البحر في بيروت

بعد رحيل عينيك استقال

والشعر.. يسأل عن قصيدته

التي لم تكتمل كلماتها

ولا أحد.. يُجيب عن السؤال"

لقد ظل الشاعر السوري الكبير نزار قباني، حتى وفاته عام1998 -اليوم ذكرى رحيله إذ رحل في 30 أبريل- يسأل ويكرر السؤال: يسأل مَنْ قتل البراءة؟ مَنْ قتل الحضارة؟ مَنْ قتل البشارة؟ مَنْ قتل بلقيس؟ منْ قتل الجمال؟ وكانت بلقيس امرأة (الجمال) فوق (الجمال) بجمال!

•••

17 سنة عاشها نزار قباني -وواقع الأمر قد لا يكون عاشها أصلًا بالمعنى المجاز- بعد قتل حبيبته وزوجته في حادث تفجير مبنى السفارة العراقية في بيروت في نهار عربي بيروتي مظلم ومؤلم وحزين يوم 15 ديسمبر عام 1981، والذي راح ضحيته ما يقرب من 61 قتيلًا في التو واللحظة، ولم يعرف نزار قباني طيلة هذه السنوات إجابة عن السؤال؟ مَنْ الذي قتل بلقيس؟ مَنْ الذي قتل الجمال؟

•••

بلقيس..

"مطعونون.. مطعونون في الأعماق

والأحداث يسكنها الذهول

بلقيس..

كيف أخذت أيامي وأحلامي

وألغيت الحدائق والفصول"

بعد عام تقريبًا من ذلك الحادث المدوي، تنقَّلَ نزار بين المدن العربية، ومنها القاهرة التي عاد إليها هربًا من أجواء المأساة، هربًا من الحزن الذي كان لا يفارقه، هربًا من الدمع الذي كان غالبًا ما يهاجمه في سكون الليل كلما تذكر قهوة بلقيس، وعلبة سجائر بلقيس، ومعطف بلقيس، وتصاوير بلقيس المعلَّقة أمامه في كل ركن من البيت.

وعندما سافر -بعد شهور من الحادث- من بيروت إلى القاهرة، تذكَّر في المطار أول زيارةٍ له لمصر عام 1948، والتي سكن فيها في حي مصر الجديدة، بالقرب من مطار القاهرة الدولي، يقول:

"كانت ضاحية مصر الجديدة في الأربعينيات نظيفة وجميلة وحضارية، تشبه ضاحية ويمبلدون البريطانية، أما الزحام والضوضاء فلم أكن أشعر بهما لا في القاهرة ولا في لندن لأنني كنت في حالة سلام مطلقة مع نفسي"، الآن يغادر نزار صالة الوصول في طريقه إلى وسط القاهرة ليذهب إلى لقاء الدكتور يوسف إدريس وعمالقة الثقافة والفن في مبنى الأهرام حيث كان في انتظاره -بعد برقية أُرسلتْ للقاهرة- نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وزكي نجيب ويوسف جوهر، وغيرهم من كتاب الأهرام الذين كانوا يسكنون الدور السادس في ذلك العصر، جاء نزار قبانى إلى القاهرة بحثًا عن إجابة عن السؤال: مَنْ الذي قتل بلقيس؟ ولماذا قتلوا الجمال؟ ولماذا نحن العرب نقتل بعضنا بعضًا ثم لا نجد إجابة للسؤال؟ وكان يشاركه السؤال يوسف إدريس وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ. 

•••

بلقيس..

"كل غمامةٍ تبكي عليك

فمن ترى تبكي عليَّ

كيف رحلتِ صامتةً ولم تضعي يديكِ على يديا"

في هذا اليوم الذي زار فيه مبنى صحيفة الأهرام، ذهب الإذاعي الشاب عبدالرحمن رشاد حينذاك -رئيس الإذاعة المصرية فيما بعد- إلى يوسف إدريس لإجراء حديثٍ معه كان محددًا سلفًا.

قال يوسف إدريس لعبدالرحمن رشاد: "في الحجرة المجاورة -أظنها كانت حجرة توفيق الحكيم، والظن هنا لعبدالرحمن رشاد- ستجد نزار قباني، اذهبْ إليه وسجل معه للإذاعة، اسمعه واجعلْ العالم العربي كله يسمعه وهو يبكي بلقيس! وبالفعل ذهب إليه وسجل معه حديثًا عن الشعر والفن والثقافة والسفر والحب وبالطبع عن بلقيس التي لا يزال جرحها في قلبه ينزف دمًا، ثم عاد إلى يوسف إدريس وترك نزار قباني -بعدما حضر نجيب محفوظ إلى حجرة توفيق الحكيم- يحاول أن يجد إجابة للسؤال؟ لماذا قتلوا بلقيس؟ لماذا قتلوا الجمال؟

•••

"هل تعرفون حبيبتي بلقيس

فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام

كانت مزيجا رائعًا

بين القطيفة والرخام

كان البنفسج بين عينيها

ينام ولا ينام"

إلى حجرة يوسف إدريس جاء نزار قباني وجلس يشعل سجارته ويمسك بيده فنجان قهوته فيما كان يوسف إدريس يقلِّب بين أوراقه عن مسودةٍ -أو بروفةِ برقيةٍ- نُشرتْ في مقال بعد ذلك، كان قد كتبها ليرسلها إلى نزار في بيروت بعد الحادث المفجع، حاول فيها أن يخفف من واقع الصدمة التي ألمَّتْ بصديقه وعِشْرة عمره، وكان عمرًا من الإبداع، ومن الثقافة، ومن الشعر، ومن الصداقة، ومن الحلم، ومن الشعارات، ومن القومية العربية، ومن الوحدة العربية، ومن الاشتراكية، ومن التحرر من الاحتلال والرأسمالية، ومن الهزيمة ومن النصر.

ولقد حاول يوسف إدريس إرسالها من القاهرة إلى بيروت لكنه فشل، والسبب كما يقول يوسف إدريس: "ماذا أفعل يا نزار وأنا حتى لا أعرف عنوانك في بيروت لأرسل لك وإذا عرفته فأنا لا أعرف إن كان لا يزال قائمًا أو أن كل صناديق البريد في بيروت قد تفجَّرت هي الأخرى وتلاشت؟"، ثم يقول في البرقية التي تحوَّلتْ إلى رسالة أو للدقة مقالاً نُشِر في صحيفة الأهرام في حينها: "أنا لا أريد بكتابتي أن أؤلمك؟ ولكن ماذا أفعل حين تصبح المأساة مؤلمة؟ ماذا يفعل الصديق إذا ألمَّت بصديقه كارثة ما كان يتوقعها له أشد أعدائه خبثًا وخسةً؟"، ثم يسأل: "ماذا أفعل يا نزار وأنا حتى لا أعرف عنوانك في بيروت؟"، كان هذا السؤال ضمن أسئلة كثيرة سألها يوسف إدريس وكتبها -ضمن ما كتب- بعد شهرين من الحادث المفجِّع".

•••

"الموت في فنجان قهوتنا

في مفتاح شقتنا

وفي أزهار شرفتنا

وفي ورق الجرائد والحروف الأبجدية

ها نحن يا بلقيس.. ندخل مرةً أخرى لعصر الجاهلية"

لكن أين كان نزار قباني يوم الحادث؟ هذا السؤال سأله الكاتب الصحفي المصري مفيد فوزى لنزار قباني عندما التقى به في لندن عام 1996؟، ردَّ: "غياب بلقيس بهذا الشكل الدرامي كان أشبه بمسرح اللا معقول.. سمعت الخبر من الإذاعة اللبنانية حيث كنت في مكتبي بشارع الحمراء، حين سمعت صوت انفجار زلزلني من الوريد إلى الوريد، ولا أدري كيف نطقت ساعتها قائلًا:

"يا ساتر يارب

بعد دقائق جاء من ينعى الخبر

فقلت وأنا لا أزال في مكاني:

بلقيس راحت"

وأدركت على الفور أن بلقيس تحولت إلى لون من ألوان قوس قزح"

•••

في عام 1976، تحدَّث الشاعر نزار قباني عن زواجه من بلقيس الراوي -إحدى أجمل نساء العرب في القرن العشرين- فقال:

" لقد تزوجت من امرأة تفهمني جدًا، ومتحضرة جدًا في نظرتها للشعر، وهي تعتبر أن شعري هو إضافة لها، وهو -أي الشعر- شريك لها في الحياة الزوجية".

فعاد وسأله السائل:

"بمعنى إيه شريك أستاذ نزار"؟

سكت قليلًا ثم قال:

"هي ردَّت على سؤال يشبه سؤالك عندما سألوها:

" يا بلقيس.. ما بتغاري من معجبات نزار قباني"؟ قالت:

" لا.. لقد تزوجت نزار وأنا أعرف جميع معارفه، وأعرف أن له معجبات، ويوم لا يصبح لنزار معجبات.. فلن يبقى نزار!".

•••

كان الحادث قد وقع عندما قاد انتحاري -يُسمى أبو مريم- سيارة مفخخة (بعض المصادر ذكرت انها كانت محملة بـ100 طن متفجرات)، ودخل بها في مبنى السفارة العراقية فقتل على الفور ما يقرب من 61 شخصًا -وكانت من بينهم بلقيس الراوي التي كانت تعمل في الملحقية الثقافية بالسفارة- مفيد فوزي في هذا اللقاء سأله: "كيف تزوجتَ بلقيس؟ قال: بلقيس كنز عظيم عثرت عليه مصادفة، حين كنت أقدم أمسية شعرية فى بغداد عام 1962. وقصتنا ككل قصص الحب في المدن العربية جوبهتْ بـ(لا) كبيرة تشبه لاءات الخرطوم (في مؤتمر القمة العربي في الخرطوم بعد نكسة 67 اتخذت الجامعة وقتها قرارها التاريخي بلاءاتٍ ثلاثة في 29 أغسطس عام 1967: "لا صلح.. لا اعتراف.. لا تفاوض) ثم يكمل نزار قباني: "وكان الاعتراض -اعتراض أسرة بلقيس- بسبب مجموعاتي الغزلية في بلقيس والتي اعتبرتها القبيلة وثائق ضدي حيث لا تزوِّج القبيلة بناتها لأي شاعر تغزل بإحدى فتياتها، ولما يئستُ من إقناع شيخ القبيلة بعدالة قضيتي.. ركبت الطائرة وسافرت إلى إسبانيا لأعمل دبلوماسيًا فيها لمدة 3 سنوات، وخلال هذه السنوات الطويلة كنت أكتب لبلقيس، وكانت تكتب لي رغم أن بريد القبيلة كان مُراقبًا"، سأله المحاور المصري الراحل مفيد فوزي: ومتى تم الزواج؟ ردَّ: "في عام 1969 ذهبت إلى بغداد بدعوى رسمية للاشتراك في مهرجان (المربد).. وهناك ألقيتُ قصيدة من أجمل قصائدي كانت بلقيس بطلتها"، قلت فيها:

"مرحبًا يا عراق.. جئت أغنيك

وبعض الغناء بكاء

أكل الحزن من حشاشة قلبي

والبقايا تقاسمتها النساء"

ثم يكمل نزار ذكرياته قائلًا: "وهذه القصيدة هزَّت بغداد فتعاطفت الدولة -والحكومة- والشعب العراقي كله مع قضيتي، وتولّى القادة البعثيون وقتها الذهاب إلى أسرة بلقيس وخِطبتِها من أبيها وكان على رأس الوفد وزير الشباب ووكيل وزارة الخارجية"، ثم يتنهد قليلًا ويقول: "ذهبت يا مفيد إلى بغداد عام 1969 لألقي قصيدة شعر.. فعدت منها وأنا أحمل معي نخلة عراقية (بلقيس)"، وبعد عشر سنوات من الزواج سقطت أو.. أو.. قُطعتْ النخلة وماتت بلقيس!

•••

"بلقيسُ..

أيتها الصديقةُ.. والرفيقةُ ..

والرقيقةُ مثلَ زَهْرةِ أُقْحُوَانْ ..

ضاقتْ بنا بيروتُ.. ضاقَ البحرُ ..

ضاقَ بنا المكانْ ..

بلقيسُ: ما أنتِ التي تَتَكَرَّرِينَ ..

فما لبلقيسَ اثْنَتَانْ ..

في مكتب الأديب يوسف إدريس بصحيفة الأهرام المصرية، لا يزال نزار قباني يحتسي فنجان قهوته، ولا يزال إدريس يقلب في أوراقه ويقرأ من مقاله الذي نشره ونزار يستمع: "كان لك توفيق (نزار قباني صُدم قبل ذلك بانتحار أخته ثم موت ابنه الأكبر توفيق ثم استشهاد بلقيس زوجته الثانية) فأخذه القدر غدرًا.. وغدرًا حاول أن يغتالك من قلبك وكانت المعجزة في رأيي أنك بقيت حيًا.. وعرفت السر حين تعارفنا أسريًا أكثر وعرفت بلقيس وعرفت أنك لم تمت فوق رحمة الله التي أسبغها على عباده في لحظات القضاء المدلهمة تلك، لأنها كانت بجوارك بل وأكثر من هذا عوضتْك عن توفيق بابنك الرائع تمامًا عمرو وقبله كانت قد أعطتك زينب وأعطتك النبع والإلهام والحياة المزغردة بالفرحة التي تحياها وسط -أو رغم- بلادنا التي كانت بالنكبات المولولة تتساقط".

ثم يواصل يوسف إدريس قوله: "أن تكون موظفة في سفارة والسفارات مفروضٌ أنها أشد الأمكنة أمانًا وأمنًا هكذا منذ أن عرفتْ الدنيا السفارات بل وأقصى شيء حدث لها أو فيها من ابتكارات الإرهاب أن هوجمت بمسلحين أو أُخُذ موظفوها رهائن، أما أن تُدكَّ السفارة دكًا بقنابل المدافع وفى وضح النهار,, لا ديناميت مخبأ أو طائرة برقت فى السماء وألقت حملها قبل أن تلمحها أو تدركها عين، لا هذه المرة قنابل ومدافع حتمًا استغرقت لتعمل عملها وقتًا كفيلًا في أي مكان على سطح الأرض أن يوقف هجومًا فورًا أو على أقل القليل يُعرَف مصدره أو أن ينجو من جحيمها أحد.. أي تفسيرٍ، لأي شيء هذا الذي يحدث لنا وفينا وبنا"؟

ثم يختم يوسف إدريس مرثيته عن بلقيس قائلًا: "لكي يُجسَّد القبح بأشد ما يكون التجسيد قبحًا

والغدر بأشد ما يكون الغدر خساسةً

والفجيعة بأبشع ما تكون الفواجع عهرًا

ليس موتًا وإنما هو إشارة إلهية، ضحيتها صحيح بلقيس، وإنما كان لا بد أن تكون الضحية مثل براءتها وطهرها وعفتها".

ثم أخرج يوسف إدريس قصيدة بلقيس من بين أوراقه ونظر إلى أبياتها وقال: "لقد أوقعتني بقصيدتك عن بلقيس يا نزار في حيرة كبرى"، نزار لا يزال جالسًا يشرب فنجان قهوته الرابع، ويدور في رأسه نفس السؤال: لماذا قتلوا بلقيس؟ لماذا قتلوا الجمال؟

يكمل يوسف إدريس: "قصيدة بلقيس لا يمكن أن يكتبها سواك ولا يمكن لك أن تكتبها إلا إذا اختطفت منك بلقيس وعلى تلك الصورة المخيفة الشوهاء، فلقد أفزعتني وأنت تصور لنا حقيقة ما أدت إليه خلافاتنا.. حقيقة صورتنا في مرآة أي مفجوع منا، وكم من فواجع دارت وتدور لنا ولكن لا أحد يمسها أو يريد وجودها".

ثم يسأل يوسف إدريس: هكذا يا نزار صرنا لا نبالي أين المسير؟، ثم يختم قوله: "أما أنت يا نزار، فأي كلام لك أو معك يكشف تمامًا عبث أي كلام أصبحنا نقوله.. اغفر لي يا نزار، فما يبقيني ويبقيك ويبقينا أحياءً إلا شعاعُ أملٍ ضئيلٍ تمامًا وكل يوم يضؤُل، ولكن أكاد أقسم أنه موجود ولا يزال".

وعند البقاء -أو محاولة البقاء- وعند الأمل -أو محاولة الأمل- غادر نزار قباني حجرة صديقه ولا يزال يبحث عن إجابة السؤال.. لماذا قتلوا بلقيس؟ لماذا قتلوا الجمال؟

•••

وفي مثل هذا اليوم من عام 1998، مات نزار قباني بعدما لف الشوارع والمدن.. بعدما كتب الشعر والسحر.. وقال عن بلقيس: "نامي بحفظ الله أيتها الجميلةْ

فالشعر بعدك مستحيلٌ

والأنوثة مستحيلةْ

ستظل أجيالٌ من الأطفال

تسأل عن ضفائرك الطويلةْ

وتظل أجيالٌ من العشاق

تقرأ عنك.. أيتها المعلمة الأصيلةْ

وسيعرف الأعرابُ يومًا

أنهم قتلوا الرسولةْ"

وإن كان نزار قباني قد مات دون أن يعرف هوية منفذي الهجوم (أعلن عنهم فقط في عام 2020 بعدما تأخرت القضية والحكم فيها ما يقرب من 40 سنة)، لكنه عرف -أي نزار قباني- أن ينعى أمة -وليس بلقيس فقط- في قصيدة، عندما قال:

"شكرًا لكم..

شكرًا لكم..

فحبيبتي قُتِلت.. وصار بوسعكم

أن تشربوا كأسًا على قبر الشهيدةْ

وقصيدتي اُغتيلتْ ..

وهل من أمـةٍ في الأرض..

إلا نحن تغتال القصيدة؟