محمد الهادى آدم:
أبى عاش يحب شيئين: شعر المتنبي و"شرب الشاي"
سافر إلى القاهرة للدراسة عام 1948.. وعاش بدايات ثورة يوليو
أحبَّ عبدالناصر من النظرة الأولى.. ورثاه قائلًا: أكذا تفارقنا بغير وداع؟
أغنية "أغدًا ألقاك" نُشِرت عام 1962.. وتغنت بها أم كلثوم 1971
عاش شاعرًا ومعلمًا يؤمن بقضايا الأمة ووحدة المصير
آخر قصيدة كتبها للنيل قال فيها: "قل لمن جهل التاريخ: لن يرحل النيل"
رغم مرور 55 سنة على أغنية "أغدًا ألقاك" لا يزال العشاق يسألون: حبيبة الشاعر مَن تكون؟
كان يري أم كلثوم صرحًا من صروح الإبداع والثقافة المصرية الأصيلة
"وغدًا.. تأتلق الجنة أنهارًا وظلًا
وغدًا.. ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولَّى"
هكذا قال لنا، ونصحنا، الشاعر السوداني الكبير الهادي آدم قبل ما يقرب من 90 سنة -كتب قصيدة "أغدًا ألقاك" وعمره 18 سنة تقريبًا- تحدث فيها عن الحب العفيف، الشريف، اللطيف، الجميل، وعن الشوق والشجون، والظنون، والجنون، والرجاء، والدعاء، والفكر، والصبر، والعمر، والبصر، والقضاء، والقدر. وحاول -قدر استطاعته- أن يلفت انتباهنا كعشاق يسهرون الليل على ضفاف نهر الحب أن الحياة بعد -وقبل- كل هذا الحب الذي نحبه قد تكون جنة وقد تكون نارًا.
ولكي نريح ونستريح -من الحب وسنينه- علينا أن ندرك نعمة النسيان فهي -في شريعة المحبين- الأجمل، والأعظم، والأبقى، فإذا ابتعد أو غدر بك الحبيب اليوم، فتذكر أن غدًا سوف يأتي.. وسوف تنسى "فلا تأس على ماضٍ تولَّى"، ثم يقول محذرًا، وناصحًا وراشدًا وهاديًا (إذ كان له من اسمه نصيب، اسمه الهادي): "قد يكون الغيب حلوًا.. إنما الحاضر أحلى".
لقد عاش الهادي آدم حياته التي اقتربت من الثمانين عامًا يقول للناس "الحاضر أحلى"، لكن العشاق والمحبين الغارقين في رومانسية الحب الجميل في وطننا العربي الكبير -خاصة بعدما غنت الست أم كلثوم في الخميس الأول من مايو عام 1971 رائعته أغدًا ألقاك- يتركون دائمًا حاضرهم ويفتشون فى ماضيهم عن ذلك الحبيب المفقود، واللقاء الموعود به غدًا. فإن فشلوا -وغالبًا ما يحدث ذلك- يلجأون إلى الشاعر نفسه وقصة حبه، ويسألون في جنون وفي ظنون عن حبيبته مَنْ تكون؟ وهم بذلك أو للدقة بسبب ذلك -حسبما فهمت من حديثي مع ابنه محمد، وهو دارس للاقتصاد والعلوم السياسية ما بين الخرطوم وأنقرة- يتجاهلون ثلاثة دواوين للشاعر من أجمل ما كتب الشعراء العرب في الـ100 سنة الأخيرة:
الديوان الأول "كوخ الأشواق" 1962، الديوان الثاني "نوافذ العدم" 1997، والديوان الثالث "عفوًا أيها المستحيل" 2002، هذا بخلاف قصيدته الرائعة عن النيل -وهي آخر ما كتبه من الشعر- التي جاء عنوانها "لن يرحل النيل"، يقول فيها:
وقل لمنْ جهل التاريخ عن سرف
ومن تعلق عن جهل بأوهام
لن يرحل النيل عن شطيِّ عمالقةٍ
يومًا ليجرى على شطآن أقزام
إن غالبية العشاق والمحبين ينسون للشاعر كل ذلك، ويواصلون رحلة البحث أو رحلة التفتيش عن سر اللقاء -غدًا- بالحبيب؟ ومَنْ هذا الحبيب؟ ومتى كُتِبتْ هذه القصيدة للحبيب؟ ولماذا هجر الحبيب حبيبه؟ ولماذا ابتعد عن طريقه؟ ثم انتظر على شوق اللقاء به "في وسط الطريق"؟
وهؤلاء العشاق في رحلة بحثهم فى قلب الشاعر عن حبه الضائع -إذا سلمنا بالروايات التي تُروى في هذا السياق- هم في واقع الأمر يبحثون عن حبهم الذي ضاع، والذي يتمنون له أن يعود باللقاء غدًا أو بعد غدٍ.
ولأن الذي "راح" لن يعود فليس أمامهم -أو هكذا أتصور- سوى العمل بنصيحة وفلسفة الهادي آدم التي قال فيها -أو تمنَّى- لكل عاشق ولهان إذا لم يأت حبيبه غدًا -وغالبًا لن يأتي- فليس عليه سوى أن ينسى "فلا يأس على ماضى تولَّى".
فهل يستجيب العشاق لنصيحة الشاعر؟ لا أظن ذلك خاصة وكل عاشق من شدة عشقه، وحبه، وغرامه، كلما استمع لصوت الست أم كلثوم وهى تغنِّي:
"يا رجائي أنا كم عذبني طول الرجاء
وأنا لولا أنت لم أحفل بمن راح وجاء
أنا أحيا لغدي الآن بأحلام اللقاء
فأت أو لا تأت أو أفعل بقلبي ما تشاء"
يظل معلقًا بهذه الأحلام.. أحلام اللقاء غدًا.
فوق جبل المقطم شرق القاهرة، التقيت مع محمد الهادي آدم، ابن الشاعر السودانى الكبير، وبين أوراقي التي معي قصيدته الرائعة "لن يرحل النيل"، التي كتبها حبًا في النيل الذي تربَّى على شطآنه فى قريته بالسودان -بجوار العاصمة الخرطوم- ثم سكن وعمره 18 سنة بجواره -أي بجوار النيل أيضًا- في القاهرة عام 1948، في منطقة روضة المنيل وسط القاهرة عندما جاء زائرًا وطالبًا للعلم، حيث درس اللغة العربية وعلومها في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ثم واصل دراساته العليا في كلية الآداب جامعة عين شمس (شرق القاهرة)، قبل أن يعود إلى الخرطوم ليلتحق بسلك التعليم ليكون معلمًا لأجيال وراء أجيال من أبناء وطنه.
صعدنا إلى استراحة مرتفعة من فوقها نري القلعة وبرج القاهرة والأهرامات والنيل وبجوارنا شباب أعمارهم ما بين العشرين والثلاثين يأتون ويذهبون ويأكلون ويشربون ويتحدثون ويحلمون -تحت تأثير الحب وخياله- بحياة جميلة وردية في المستقبل رغم مادية الحياة وصعوبتها في عصرنا الراهن.
طلب زميلي المصور عمرو حطب، أن نوقف التصوير والتسجيل أكثر من مرة؛ بسبب وصول أو مغادرة حبيب وحبيبته (نحن لم نخطط لذلك فاختيار المكان جاء بالمصادفة) وبالفعل نستجيب في كل مرة.. قلت للابن: كيف كان يرى الهادي آدم تعاونه التاريخي مع الست أم كلثوم؟ قال: فى البداية علينا أن نعرف أن قصيدة أغدًا ألقاك نُشِرت فى ديوانه الأول "كوخ الأشواق"، والقصيدة بالطبع تختلف -أو بعضها- عن كلمات الأغنية. وقد جاء اختيار الست أم كلثوم لقصيدة الوالد كحلم تحقق ليس لأن هناك أغنية ستغنَّي له؟ لا.
ولكن لأن التى ستغني له هي الست أم كلثوم -وأم كلثوم للهادي آدم ليست مجرد مطربة أو مغنية أو فنانة لكنه كان يراها تجسّد شموخ أبناء وادي النيل وصلابتهم وكفاحهم وصبرهم وحلمهم عبر التاريخ. كان يرى فيها عبقرية الشخصية المصرية وأصالتها، ولقد تأكد له هذا عندما التقى بها منذ اللقاء الأول. وكان أبي شديد التقدير والاحترام للست أم كلثوم وهذا الاحترام ليس فقط لصوتها الجبار الذي لا يتكرر، ولكن لعقلها وثقافتها وشخصيتها التي اقترب منها عندما التقى بها عدة مرات فيي أثناء التحضير والاتفاق على الأغنية (قصيدة أغدًا ألقاك نُشِرت في ديوانه الأول الصادر عام 1962 بعنوان "الغد" وختام القصيدة يقول:
"فغدًا لا نعرف الغيب ولا ماض تولى
وغدًا.. لا يعرف القلب لهذين محلّاً
وغدًا.. تصطخب الجنة أنهارًا وظلًا
أحييك.. ولكن بفؤادي ليس.. إلا"
ثم في الأغنية أضيف البيت الأخير.
إنه شموخ الحب عن الهادي آدم الذي يقول فيه:
"أحييك.. ولكن بفؤادي.. ليس إلا"
أوقفنا التصوير مرة أخرى عندما جاء شاب وحبيبته فألقيا نظرة عابرة على المكان فوجدا كاميرات وآلات تصوير وتسجيل يدور وهما يريدان أن يجلسا سويًا بعيدًا عن أعين "الغرباء" ليحيي كل حبيب فيهما حبيبه بتحية الحب. وعندما وجدا أنه لا مانع من الجلوس على منضدة بعيدة بعض الشيء جلسا وطلب من النادل ما يشربانه -وأنا أرقبهما من بعيد- ثم انخرطا في الكلام بعدما شبَّك كل منهما يده في يد الآخر.
ابتسمت لزميلي المصور الذي أشار بمواصلة الحديث مع الضيف. الضيف الذى لا يعرف هذان الحبيبان الجالسان بجوارنا أن والده هو الشاعر الذي كتب للست أم كلثوم "أغداً ألقاك"؟.. ولو عرفا أظن أنهما كان -محبة فى الست والشاعر والأغنية- لقاما والتقطا معه الصور الفوتوغرافية وسألاه عن قصة حب الشاعر وكيف.. ومتى كتب هذه الأغنية؟.. لكنهما كان غارقيْن فى الحب وسنينه؟..
عدت للابن وسألته عن نشأة الأب في السودان، قال: "كان والده رجلَ علمٍ ودين من مشايخ السودان حيث درس وحفظ القرآن الكريم وحصل على شهادة كانت تسمى وقتها شهادة العالمية واهتم بتعليم وحفظ ابنه للقرآن الكريم الذي أتمه فى سن صغيرة جدًا وقرأ في مكتبة أبيه أمهات الكتب من "الألفية" إلى عيون ذخائر الشعر العربي قبل الإسلام وبعده، وكان مُتيّمًا بالشاعر العربي أبي الطيب المتنبي (يضحك الابن ويقول أكثر شيئين أحبهما في الحياة هما شعر المتنبى وشرب الشاي)! ولقد أخذ من المتنبي -بخلاف الشعر- صفات شخصية تجسّدت فيه مثل الاعتاد بالنفس، والشهامة، والقوة، والاعتزاز بكل ما يقدمه، حيث ظلَّ يؤمن بدور العلم والتعليم فى السودان، وكان على مسافة واحدة من كل التيارات السياسية في الخرطوم، وكان يرى أن الحل فى التعليم والثقافة والتربية الوطنية التي تحمي الوطن، وتشد من صلابته وتدعم أركانه وثوابته بأجيال متعلمة تعرف قيمة الوطن وحدوده ووجوده.
ولقد حاول كثيرًا العمل على هذا المنهج ورفض أن يسافر خارج السودان -مع أن فى ذلك عائدًا ماديًا كبيرًا عُرض عليه- لقناعته التامة برسالته في السودان وهي رسالة العلم والتعليم. ولقد تأسس لديه هذا المنطق وهذا الفكر من ذخيرة القراءة الأولية التي تعد هي التأسيس الحقيقي له كشاعر فكان ديوانه الأول "كوخ الأشواق" الذى قال فيه:
"من كوخ أشواقٍ أطل على معالم ذكرياتي
وأظل أدفن في جوانبه الكئيبة أمسياتي"
قلت فى هذا الديوان قصيدة قصيرة عنوانها "ممرضتي" كتبها فيما يبدو حبًا وولهًا بممرضة رأها فى مستشفى قصر العينى بالقاهرة قال فيها:
"امرحي فى جانب القصر سكرى
كيف شاء الصبا جمالا وبشرى
شفى المدنفون من سحر عينيك
فظلوا لسحر عينيك أسرى"
يبتسم الابن ويقول: "حب أبي لمصر وناس مصر كان بلا حدود، وكان يصل إلى حد العشق، وأنت لا تتخيل عندما كانت تأتي سيرة مصر أمامه كيف كان حاله.. وهذا مرجعه أنه عاش منذ صباه يدرك ويعرف ويدعّم أهمية وحدة وادى النيل بين الشعبين. النهر واحد.. والحلم واحد.. والمصير واحد.. والتعليم واحد. واللغة واحدة
فى عام 2004 عُرض عليه السفر للتكريم في مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون، فوافق دون تردد، وعندما قلنا له إن صحته قد لا تتحمل عناء السفر رفض قولنا وأصر على الرغم من المرض على السفر للقاهرة، وكأن لسان حال يقول: "من أجل مصر يهون السفر والمرض"، وبالفعل سافر وحضر التكريم، وكانت هذه آخر رحلة سفر له خارج السودان. ليسجل فى مشوار حياته أن أول رحلة سفرٍ له كانت للقاهرة وآخر رحلة سفر كانت أيضًا للقاهرة.
الزيارة الأولى جاءت للقاهرة للدراسة وأذكر أنه قال لنا إنه فى اليوم التالي لوصوله سنة 1948 كان قد مات الفنان المصري نجيب الريحاني، فترك أبي سكن الطلبة -حيث مقر للجالية السودانية- وذهب لحضور حفل تأبينه غير عابئ بترتيبات وصوله من السفر، وقال: "هذا فنان عظيم كنا نحب فنه فلا يجب أن أترك جنازته ولا أسير خلفه فى وداعه"، وهذا المشهد أو الموقف يلخص لك حب أبي لكل ما هو مصري. من النيل -الذي هو امتداد لنيل الجنوب والشمال فى السودان- إلى الفن والثقافة والناس، فلقد تعلّم وتربى على كتب طه حسين والعقاد (كان حريصًا على حضور صالون العقاد في بيته بحى مصر الجديدة شرق القاهرة أثناء دراسته في جامعتى القاهرة وعين شمس) والمازني والمنفلوطي وكانت أشعار علي محمود طه (الملاح التائه) لا تفارق مكتبته.
" أنت يا جنة حبي واصطحابي وجنوني
أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني
أنت يا معبد صمتي وصلاتي وسكوني
أغدا ألقاك يا لهف فؤادي من غد
وأحييك ولكن بفؤادي أم يدى؟"
قلت له: كيف تلقَّى خبر غناء أم كثوم له؟.. قال: كان يومًا -كما قال لنا- عظيمًا في حياته، خاصة وهو لم يسع لذلك، فلقد وقع الاختيار -ربما بسبب ترشيحات من بعض الشعراء فى مصر- قيل إنه الشاعر المصري صالح جودت -صاحب ترشيح القصيدة للست- وزاد هذا سعادته أكثر -كما ذكرت آنفًا- عندما تعرف واقترب وجلس عدة مرات مع الست أثناء التحضير للعمل.
أما عن ليلة غناء الأغنية وردود الفعل ليس على أبي فقط بل تستطيع أن تقول على السودان كله فحدّث بما تريد أن تتحدث به -دون حرج- من كلمات تعبّر عن السعادة والسرور والفخر والفرح. قلت للابن: على مدار مشواره الإبداعي والإنساني على من نستطيع أن نقول إن فلان كان "عشرة عمره"؟
قال هناك أسماء كثيرة.. منهم الأديب والشاعر وتلميذه بركات جمعة إدريس -وقد نعاه بقصيدة رثاء- ومن الشعراء من جيله هناك الشاعر إدريس جمّاع الذي جاء معه للدراسة بالقاهرة منذ نهاية الأربعينيات (إدريس جمّاع شاعر سوداني كبير كتب -من ضمن ما كتب- أبيات شعرية خالدة قال فيها:
إن حظًَي كدقيقٍ
فوق شوكٍ نثروه
ثم قالوا لحفاة
يوم ريحٍ اجمعوه
صعب الأمر عليهم
قلت يا قوم اتركوه
إن من أشقاه ربي
كيف أنتم تسعدوه"؟
وهو القائل فى عينين لفتاة إنجليزية رآها فى رحلة علاجية له خارج السودان:
"والسيف فى الغمد لا تُخشى مضاربه
وسيف عينيك في الحالين بتَّار")
أشار لي زميلي المصور على ضرورة سرعة الانتهاء، خاصة وضوء الشمس قد أشرف على السقوط خلف جبال المقطم التي نراها من بعيد، فقلت -وأنا أعتذر للضيف- إن الوقت يداهمنا، لكن قبل أن نودعك -حيث جاء من خارج القاهرة من أجل هذا اللقاء- كنت قد قرأت أبياتَ رثاءْ كتبها الهادي آدم في رحيل الرئيس جمال عبد الناصر وقبل أن أكمل كلامي قال الابن:
"يا فخر هذا الشرق يا ملَّاحه
وزعيم نهضته بغير نزاع
يا من بكفِّك صغته وصنعته
أكرم بكفٍّ للشعوب صناع
نم فى جوار الله وانعم عنده
بكريم مصطحب وحسنِ متاع
خرجت لك الجنات تكرم وافدا
والأرض قد خرجت ليوم وداع".
ثم قال الابن محمد الهادي: "عاش أبي حلم القومية العربية منذ أن بدأه الرئيس جمال عبد الناصر، والتأميم، والتعليم، والتصنيع، والوحدة، والتضامن، والعزة، والكرامة. وأسرتنا كلها تتذكر كم كانت ليلة مؤلمة وحزينة وكئيبة مرت عليه عندما علم بنبأ رحيل جمال عبد الناصر خاصة وهو كان يحبه ويقدره كثيرًا منذ أن التقى به فى أوائل أيام الثورة المصرية -يوليو 1952- حيث كان فى القاهرة للدراسة، ولذلك بكاه بشدة، وصادف فى اليوم نفسه مات صديق عزيز لديه- فكتب قصيدته التى نعى فيها عبد الناصر وقال فيها:
"أكذا تفارقنا بغير وداع
يا زينة الأبصار والاسماع
يا صاحب الوجه النبيل
وحامل الخطب الجليل
وقمة الابداع
يا من تخيرك الإله لأمة
محفوفةٍ بالغدر والأطماع"
وفي نهاية اللقاء جاء النادل بالشاي والقهوة مرة جديدة، حيث بدأت أضواء القاهرة تظهر من بعيد -نراها من فوق الجبل- عندما حلَّ المساء، وأثناء الحديث الجانبي بيننا -أنا والضيف وزميلي المصور- تسرّب إلينا صوت الست أم كلثوم من نوافذ سيارة تقف على مقربة يجلس فيها عاشقان يتحدثان ويتناجيان بكلمات الحب الملتهب على كلمات:
"وغدًا.. ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولَّى
وغدًا.. نزهو فلا نعرف للغيب محلاً
وغدًا.. للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا؟
قد يكون الغيب حلوا إنما الحاضر أحلى"!
ودّعت الضيف وتركت زميلي يلملم معداته وترجلت على كورنيش المقطم أسأل نفسي: متى يكون الحاضر أحلى؟.. فوجدتُ وكأن صوت الهادي آدم وقد انطلق من وراء جبال الخرطوم مارًا من وراء جبال وتلال وأودية حتى وصل إلى جبال المقطم بالقاهرة وهو يقول: يكون الحاضر أحلى إذا قلنا:
"زعموا بأن المستحيل ثلاثةٌ
في الكون
ليس لها مثيل
الغول والعنقاء والخل الوفيُّ
إلى الخليل
تناقلوا أخبارها فى الأرض
جيلًا بعد جيل
ما بين أجنحة الخيال
ومستجدات الفضول
والآن هل ظلت كسابق عهدها
لغزا تضل به العقول
أم أنها عادت لدينا الممكنات
فليس ثمَّت مستحيل"!
وهذا -فيما أظن- ما كان يؤمن به شاعر السودان الكبير الهادي آدم..
فعندما لا يكون -في الحب أو غير الحب- هناك (مستحيل)..
يكون "الحاضر أحلى".