كتبت ونشرت في الصحافة الليبية تحت اسم مستعار لفتاة
أحببت أدب توفيق الحكيم من رواية "عودة الروح"
كان أبى رجلًا شديد الذكاء رغم أنه لم يتعلم أصلًا
ولدت في حي شعبي تتنوع فيه الثقافات والفنون
أحببت صحافة القاهرة منذ كان عمري 7 سنوات
انضممت لفرقة المسرح الحديث الليبية في وقت مبكر
هؤلاء علموني (إبراهيم السحاتي، فتحي الجدي، وعيسى التهامي)
"نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، ولا تظن أنها البداية" تذكرت هذه الرسالة أو الحكمة أو الفلسفة أو المقولة التاريخية التي ألقى بها أسد الصحراء المناضل الليبي عمر المختار في وجه المحتل قبل ما يقرب من 95 عامًا.. حيث استمعت لها ونحن أطفالٌ. وسط حشد من أهل قريتي في صعيد مصر حيث كنا، منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، نشاهد الفيلم التاريخي عمر المختار. وأذكر بعد انتهاء الفيلم تلك الدهشة التي علت وجوهنا كأطفال لم يتشكّل وعينا بعد، دموع الرجال والنساء، والحال كذلك وهي تتحرك في مآقيها وهم يشاهدون الفيلم خاصة عند المشهد الذي قال فيه عمر المختار لمنْ يمثل المحتل جملته التاريخية: "ننتصر أو نموت" ثم قال مُنبِّهًا ومُذكِّرًا: "في قرون ظلامكم قُدْنا العالم في المعارف"! مشاهد الانتباه، والدهشة، والإعجاب، والحزن على وجوه أهل القرية ظلت عالقة في ذهني لا أنساها، وأظن أن نفس المشاهد كانت، وما زالت، موجودة على وجوه كل أهالي المدن والقرى والوديان والصحراء والضياع العربية، حيث لا يُغيّبها الزمن ولا تُمحى من الذاكرة.
ولا أعرف على وجه الدقة لماذا تذكرت هذه المشاهد وأنا أتحرك من وسط القاهرة مارًا بشارع النيل على امتداد حي العجوزة (توقفت قليلًا أمام منزل نجيب محفوظ ثم أكملتُ المسير) في طريقي إلى لقاء الكاتب الروائي الليبي أحمد الفيتوري، حيث كان موعدي معه في هذه المقابلة الصحفية. أمام منزل نجيب محفوظ تذكرت كلمة المناضل عمر المختار التي قال فيها:" في قرون ظلامكم قدنا العالم في المعارف"ـ ثم أكملتُ المسير على قدمي حتى وصلت إلى أول شارع المعهد البريطاني المتفرع من شارع النيل.
قبل أن يصل الضيف كنت قد راجعتُ في ذهني مسيرة حياته منذ مولده، مستعينًا بما سجله في كتابه (بورتريهات) في حي الصابري بمدينة بني غازي، حيث الفقر روح الحياة والنهوض توأمه، مرورًا بمسيرة حياة إنسانية شديدة الخصوبة، وغنية بالتفاصيل انتقل فيها من حضن الأم والجدة الدافئ إلى دكان والده (الذي كان يبيع فيه الدقيق والبضائع) إلى كُتَّاب ـ أو تكية الجامع ـ حيث حفظ "تحت فلقة الفقيه بعض ما تيسر من القرآن" إلى التعليم بمراحله المختلفة ثم حبه للقراءة التي فتحت له آفاقًا واسعة وممتدة على ثقافة المسرح والصحافة والأدب.
في هذه المسيرة التقى أحمد الفيتوري بشخصيات شكَّلتْ وجدانه، وعمّقت ثقافته، وبلورت أفكاره، واكتشفتْ مواهبه، وهي ـ بطبيعة الحال ـ شخصيات فاعلة وبارزة حيث كل شخصية فيهم تُعَد "عِشْرة عمره" لا ينساها، ولا يتجاهلها، ولا تغادر صورها وملامحها ذاكرته، حيث يدونها في مذكراته، ويكتبها في كتاباته، ويحكي عنها في مروياته ومقابلاته الصحفية والتلفزيونية.
في الشارع رأيته من بعيد يترجَّل يحمل على ظهره عمره الذي تخطَّى السبعين وفي يده أوراقٌ وكتبٌ، قدَّم بعضها إهداءً لمكتبة القاهرة الإخباريةـ وبعضها إهداءً لي بتوقيعه في الحالتين, بعد دقائق جلست معه في انتظار زميلي المصور الذي لحق بنا قبل الحديث. في البداية قلت له: "في روايتك ذائعة الصيت: "ألف داحس وليلة غبراء" ـ صدرت طبعتها الأولى في بني غازي 2010 وفي القاهرة 2016، قلت مستفهمًا: "حلمت أن أبي مات"؟ سكتَ ولم يعلق ثم هز رأسه ونادى النادل الذي جاء.
وقبل أن يسألني: (تشرب إيه")؟ أكملتُ قائلًا: جئت اليوم حتى أتوقف معك، ولو قليلًا، أمام صوت الزمن، والمحن، والحلم، والنصر، والمعارف، والمشارف، والأب، والموت، والتاريخ" في عصر يدفعنا لننسى كل ذلك!.
أبى...
بدأ الفيتوري حديثه من عند الأب، حيث قال: "كان أبي رجلًا شديد الخصوصية والحضور والذكاء ـ رغم أنه لم يتعلم أصلًا ـ والقوة والطيبة في نفس الوقت. كان يجلس في دكانه يعمل في تجارته ويهتم بالسياسة والثقافة ويحاول أن ينقل هذا إلى أهله وجيرانه وأصدقائه كل هذه المعارف وكنت أنا "صبيًا غرًّا" عندما عشت "حربًا أولى في عمري الأول، والناس من خشيتها التهمت السوق" وكان دكان أبي المحشور بالدقيق والبضائع الأخرى محشورًا بالناس وكأنها قارعة الطريق" ثم يقول: "ولدت في حيٍّ شعبي تتنوع فيه الثقافات والفنون ما بين الأدب والصحافة والرقص والموسيقي وفي الخلفية ـ وإن شئت الدقة ـ الواجهة من كل ذلك - جو ديني صوفي.
درست في مدرسة (دكاكين) الابتدائية وناظرها كان شخصية رائعة اسمه فتحي الجدي، الذي درس وتعلم في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم توقفنا قليلًا بعدما جاء النادل بفنجان القهوة له، وقال: "في هذه المدرسة وأنا ما زلت ابن تسع سنوات وجدت نفسي مندفعًا للصحافة حيث كانت صحافة القاهرة (الصحف اليومية ـ الأهرام والأخبار والجمهورية والمجلات: الهلال والمصور والكواكب وميكي وسمير (لقد قرأت في مجلة سمير رائعة توفيق الحكيم عودة الروح) تصل إلينا في بني غازي في نفس اليوم وعلى أقصى تقدير في اليوم التالي.
ومن هذه الوجبة الصحفية الرائعة تعرفت منذ الصغر على الكُتّاب والصحفيين والفنانين المصريين والعرب. وكان أبي يأتي بها وبي ويقول لي: "اقرأ لنا الأخبار" وكان يجلس مستمعًا بتركيز ومعه مجموعة من أصدقائه. أبي كان يحب العلم والسياسة والثقافة وأصر على تعليمي حتى أنه كان يحملني على ظهره ليوصلني للمدرسة في أيام المطر، ولذلك دائمًا ما أقول إن أبي أول من شكّل وأثّر وأصَّل في نفسي حبي التعليم والثقافة والصحافة والفنون، رغم أنه - كما ذكرت - لا يقرأ ولا يكتب. قال ذلك وسكت فقلت أنا بصوت هامس بيني وبين نفسي، ربما لم يسمعه وكأنه - أي الأب - قد قرأ أو سمع وصية عمر المختار دون أن يدري حين قال: "قُدنا العالم في المعارف"!
يقول الفيتوري وهو يواصل رحلة بحثه عن نفسه من خلال ذكرياته المتدفقة أمامي، حيث يرددها بحماس شديد وذاكرة حديدية وسعادة تساوي ـ وربما تتجاوز ـ الفخر والثناء: "في المدرسة أصدرت أول صحيفة في حياتي وكان اسمها الشروق وكانت صحيفة حائط حيث علمني وساعدني في إصدارها أستاذي إبراهيم السحاتي ـ المناضل النقابي ـ والذي من خلالها ارتبطت بالصحافة كاتبًا ومحررًا ورئيسًا للتحرير في مراحل حياتي العملية كلها. انتقلتُ من المرحلة الابتدائية إلى مرحلة أكبر مدرسة عمر المختار الإعدادية والثانوية، ودرّس لنا فيها أساتذة منهم المطرب الفنان عطية محسن الذي درَّس لنا التاريخ والمجتمع ومحمد الزليتني الفنان التشكيلي، وكذلك كان بين هؤلاء المعلمين فلسطينيون ومصريون ولبنانيون وسوريون. ولا أنسى من بين هؤلاء عيسى التهامي الذي كان يدرّس لنا الشعر الحديث لعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي وبدر شاكر السياب، وكان معي من الزملاء النشطاء في الإذاعة المدرسية ومجلات الحائط داود الحوتي المسرحي ومحمود العرفي. ومن هنا انطلقت ناحية المسرح حيث التحقت مبكرًا عام 1970 بفرقة المسرح الحديث ثم أصدرتُ ـ ومعي مصطفى الهاشمي - مجلة الرائد لتتنوع أو تتشكّل حياتي وتستقر ـ في هذا السن المبكرة ـ ما بين المسرح والصحافة".
عاد الفيتوري يذكِّرني بأبيه قائلًا: "شغفي بالقراءة جعلني وأنا طفل أمسك برواية الشيخ والبحر فمرَّ أبي من أمامي سألني: ماذا تقرأ؟ قلت: رواية. فرد مندهشًا غاضبًا ـ ربما هذه المرة الوحيدة التي غضب من القراءة لأننا كنا في يوم العيد. ومن شدة شغفي نسيت العيد وفرحته وانهمكتُ في القراءة وهذا ما أزعج أبي.. "حتى يوم العيد كنت أقرأ" (قالها وهو يضحك ويقول كانت أيامًا جميلة)... والقراءة هنا التي كان يحرص عليها أحمد الفتيوري هي نفسها الرسالة والدرس الذي أراد لنا أن نعرفه - كشعوب عربية - ونتعلمه من المناضل عمر المختار عندما قال: "قُدنا العالم في المعارف فاحرصوا عليها".
المسرح
ينتقل بنا أحمد الفتيوري من مرحلة الطفولة والدراسة إلى منطقة أكثر رحابة، عندما بدأ يشعر بحبه الجارف للمسرح ـ فرقة المسرح الحديث الليبية ـ التي كان قال عنها: "نصرف من جيوبنا عليها ونعزم ضيوف المسرح في بيوتنا ونقضي جزءًا من ليلنا في مقر الفرقة مع الرفقاء (المسرحي علي بو جناح والتلفزيوني علي محمد المصراتي).
وما بين المسرح والصحافة عمل موظفًا صغيرًا في وزارة الصحة الليبية براتب قدره حينذاك 30 دينارًا يقوم بصرفها كلها على شراء الكتب والصحف والمسرح. وعن الصحافة يقول: "كتبت في الصحف الليبية تحت أسماء مستعارة، منها مثلًا أسماء نسائية (الكاتب الصحفي المصري الراحل مفيد فوزي كان يفعل ذلك ـ أو عرف عنه ذلك ـ حيث كان يكتب مقالًا أسبوعيًا في مجلة صباح الخير المصرية تحت اسم مستعار باسم (نادية عابد) وإن كنا قد عرفنا الاسم النسائي المستعار لمفيد فوزي؛ إلا أن الفيتوري لم يفصح لنا عن الاسم النسائي الذي كان يوقع به اسمه.
وهذه المفارقة جعلت الكاتب الصحفي إدريس بن الطيب يرد على مقال الفتيورى ـ الموقع باسم نسائي ـ ظنًا منه أن كاتبته بالفعل امرأة.
الأب.. يعود!
ثم يعود بنا الفيتوري للحديث عن أبيه قائلًا: "عندما كنت في مرحلة الدراسة، بما فيها مرحلة الطفولة، كنت أعمل مع أبي في محل البقالة وفي نفس الوقت أشتري الصحف والمجلات ـ وأبي سمح لي بذلك ـ خاصة المجلات السياسية ومنها مجلة المصور المصرية وكان يجلس مع أبي في المحل مجموعة من المثقفين الشباب الذين كانوا منقسمين ما بين حبهم للكاتب عباس محمود العقاد ويناصرونه في كل كتاباته ومعاركه وقضاياه وبين الدكتور طه حسين ويناصرونه في كل أفكاره وكتاباته ومعاركه".
هنا سألته: "ومع أي فريق كنت أنت وقتها"؟ رد وهو يبتسم: "كنت بعناد الصبي قد اخترتُ كاتبًا آخر . اخترت توفيق الحكيم لا العقاد ولا طه حسين.. وحبي للحكيم جاء بعدما قرأت له روايته الشهيرة عودة الروح ـ قرأتها كما أسلفتُ في مجلة سمير التي كانت تصدر عن مؤسسة دار الهلال المصرية" ثم توقف قليلًا وكأنه تذكَّر أمرًا ما عندما قال: "ومن ضِمن حبي لتوفيق الحكيم وروايته عودة الروح ما سمعته ـ أو قرأته لا أذكر ـ نقلًا عن الرئيس جمال عبد الناصر حيث أشاد بها وقال فيما معناه إنها ـ أي الرواية ـ شدت من عضدي كي أقوم بالثورة من أجل مصر".
عدتُ معه إلى مرحلة عمله في الوظيفة فقال: "كنت أصرف راتبي كله على الفن والكتابة والصحافة؛ مما جعلني لا أملك حتى ثمن ركوب السيارة من مكان إلى آخر وهذا جعلني أمشي (أمشي فلسًا) في البداية ثم تحولت الحكاية إلى هواية فأصبحت من المشّاءين.. فأنا محب للمشي حتى اليوم"! ثم قال عن المسرح: "تعرفت في طرابلس ـ بعدما انتقلت من بني غازي إلى العاصمة ـ مع مجموعة من المسرحيين أذكر منهم على الرحبي والشاعر عمر الككلي والقاص عبد السلام شهاب ـ ثم انتقلنا معًا إلى الصحافة وأسهمنا مع مجموعة من كتاب شباب من بني غازي.. في إنشاء صفحة ثقافية بعنوان (آفاق ثقافية) في صحيفة الفجر الجديد التي كان رئيس تحريرها وقتها عبد الرحمن شلقم. في هذه المرحلة تم اعتقالنا ـ وكنا مجموعة من شباب الكتاب والصحفيين ـ في ديسمبر 1978.
كنا 18 شخصًا متهمين بالانتماء لحزب ماركسي لينينى بهدف المساس بمكتسابات الثورة. يضحك بعدما توقف عن الكلام ثم يقول ـ أو بالأحرى يقول ويسأل : "هل أسكت وأبتعد عن الصحافة بعدما تم اعتقالنا؟ لا.. في المعتقل أصدرنا صحيفة اسمها "القبوية" ـ نسبة إلى القبو الذي نحن فيه ويضم زنازيننا ". سألته: هل كان لها شعارٌ؟.. ابتسم وقال: "نعم.. كان شعار القبوية صحيفة لا تبحث عن الحقيقة، وإن قالت الحقيقة فهي مصادفة.. وكنا نكتبها على ورق السجائر في نسخة واحدة تُتداول بين القراء ثم أصدرنا مجلة أطلقنا عليها اسم (النوافير) وضمت المجلة ـ في كل عدد ـ دراسة.. مثلًا (إخراج المعارك العسكرية في السينما الجزائرية) وفي عدد منها قدمنا دراسات في كتاب عن الفيلم المصري (عودة مواطن) وقدمنا ترجمات عن الإيطالية والإنجليزية والفرنسية وكل ذلك فعلناه لنقتل الملل ووحشة الاعتقال وظلمة السجن. وفعلنا ذلك على ورق السجائر. حيث يكتب الموضوع أكثر من واحد وينشر من نسخة واحدة... وهكذا مرت سنوات الاعتقال والتي تعرفت فيها على شخصيات رائعة من جنسيات مختلفة أوربية وإفريقية وعربية وليبية بطبيعة الحال وهذه المرحلة تركت تأثيرها العميق ـ رغم صعوبتها ومرارتها وقهرها ـ في نفسي حتى اليوم.
يعود الفيتوري ليؤكد على الأسماء التي أثرتْ في تكوينه وهم أساتذته: المعلم إبراهيم السحاتي وفتحي الجدي والمعلم اللبناني عيسى التهامي وطاهر بن طاطو وكتابات الكاتب المصري سلامة موسى وتوفيق الحكيم. وهذه الأسماء التي يذكرها الآن ـ رغم تفاوت العمر والمرحلة والزمان والمكان ـ يستطيع - كما يشير- أن يقول كانوا بالفعل والقول ـ عشرة العمر ـ التي علمتني وشجعتني وقدمتني للفن والإبداع والحياة. وقبل أن يطلب منا زميلي المصور عمرو حطب الانتقال إلى مكتبة منزل الفيتوري المقيم في حي العجوزة (سألته لماذا سكنتَ في هذا الحي بالتحديد؟ قال فيه سكن نجيب محفوظ وسيد مكاوي وفريد شوقي ومحمد السيد سعيد وإبراهيم عامر والشاعر جمال القصاص صديقي. وفي الأول من ناحية حي الدقي في شارع النيل سكن يوسف إدريس وفتحي غانم ويحيى شاهين وصديقي. ثم أضاف: "وقبل أن أعرف هذا عن سكان الحي من الأدباء والمشاهير كان هذا الحي هو أول مكان جئت إليه وعمري 17 سنة في زيارة الأولى للقاهرة".
الآن.. وافق أحمد الفيتوري على طلب زميلي المصور وغادرنا مكاننا إلى بيته ودخلنا إلى مكتبته العامرة بالثقافة والفن التشكيلى واستكملنا معه المقابلة التي طالت بأكثر مما توقعتُ، واستمعتُ فيها لأسماء وقامات ثقافية عربية وغربية بأكثر ما ظننت ثم ودعته بعدما أعدت عليه السؤال الأول الذي طرحته عليه فى بداية اللقاء: لماذا بدأتْ روايته بالقول: "حلمت أن أبي مات"!
سكت برهة ثم قال: "عندما تكمل قراءة مدخل الرواية ستجدني أجبت على سؤالك، حيث قلت: "في ساحة السجن قضيت عشر سنوات قضيتها فيه، وعند لحظة إطلاق سراحي أخبرني أخي أن أبي مات"! أليس هذا سببًا كافيًا حتى أبدأ هذه البداية في الرواية؟
"الآن مات والدي محمد عبد السلام الفيتوري.. مات ولكن الحلم لم يمت طالما الحياة باقية" هكذا ختم حديثه. وعند الحلم.. والحياة.. ودعته والدموع في عينيه تكاد تقترب من مآقيها، فأعادتني تلك اللحظة إلى دموع أهل قريتي وهم يسمعون المناضل العظيم عمر المختار في الفيلم التاريخي الشهير الذي لعب بطولته الفنان العالمي أنتوني كوين وهو يقول بشموخ وعزة وفخر وثبات:
"سيكون عليكم محاربة الجيل القادم والأجيال القادمة.. أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".. وبالفعل كان.