الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

المخرج المصري مراد منير: فايزة كمال تسكنني.. وأنا أسكن الحزن!

  • مشاركة :
post-title
الفنانة المصرية الراحلة فايزة كمال والمخرج مراد منير

القاهرة الإخبارية - حوار: خيري حسن ـ تصوير: عمرو حطب

ــــ أناجيها كل صباح "وحشتيني يا حبيبة العمر"
ــــ ما زلت أجلس على ضفاف النهر أنتظر فايزة تعود

"يا حلم يا جناح المساكين

يا وعد من ورد البساتين

ملايين ربيع رايحين جايين

والكون حزين من غير ألوان"

كان هذا هو (الحلم).. (الجناح).. (الوعد).. (الربيع).. (الحزن). وكانت هذه هي (الألوان) كلها -أو بعضها- التي تشبه لوحة زيتية رسمها فنان تشكيلي من القرن التاسع عشر -أو هكذا تخيلتُ- وجاء بها فرسان ذاك الزمان ووضعوها على جدران، وحوائط، ومداخل، وستائر مسرح سينما ميامي في شارع طلعت حرب بوسط القاهرة.

ولقد رأيتها -أي اللوحة- وأنا أترجل في ممره الضيق بعض الشيء وسط جمهور بدأ يتوافد ليشاهد العرض المسرحي (ابن الأصول).. وكذلك "يشاهد (الحلم) و(الوعد) و(الورد) و(الربيع) قبل الآوان بأوان!".

الآن أمشي في الممر ومعي زميلي المصور في طريقنا إلى لقاء الفنان المصري مراد منير، مؤلف ومخرج العرض، الذي كما يقول تاريخه الفني سافر من القاهرة إلى قبرص عام 1987، ليلتقي هناك الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم، إذ كان يعمل في صحيفة ناطقة بالعربية في ذلك الحين، ليكتب أغاني مسرحية (الملك هو الملك) الذي كان -أي مراد منير- يُحضِّرها ليقدمها في الموسم المسرحي عام 1988 على خشبة مسرح السلام بوسط القاهرة.

ومن قبرص سافرا معًا إلى سوريا وهناك التقيا الكاتب السوري سعد الله ونوس (1942 ـ 1997) كاتب النص. في دمشق كتب أحمد فؤاد نجم أغاني المسرحية كلها، التي غناها المطرب المصري محمد منير ولحنها حمدي رؤوف، وما زالت المسرحية والأغاني حاضرة في ذاكرة الجماهير العربية، حيث ما زال الحلم.. والوعد.. والربيع.. والحزن.. والألوان -كلها أو بعضها- راسخة في مخيلة المتلقي العربي الذي ما زال، كما أشار ونوس ونجم ومراد في انتظار تحقيق (الحلم العربي) على أمل أن يتحقق قبل فوات الآوان.

اللقاء مع المخرج المصري مراد منير -في هذه المقابلة- لم يكن من أجل الحلم العربي، الذي ما زالت الشعوب تنتظره- لكنها كانت من أجل حلم آخر هو حلمه بالارتباط بالإنسانة -قبل الفنانة- فايزة كمال بطلة العرض المسرحي "الملك هو الملك"، الذي تحول -أي الحلم- إلى واقع بدوافع الحب الذي جاء فجأة بلا أي مقدمات أو تبريرات أو تفسيرات، بحسب وصف مراد منير نفسه، من زميلته وبطلة عرضه التي تحولت إلى حبيبته ثم زوجته وأم أولاده (ليلى ويوسف) ثم بعد "عشرة عمر" استمرت 25 عامًا تحولت فايزة كمال من "موال جميل" إلى "ناي حزين" ما زال يعزف ألمًا.. هذا الألم بدأ بفترة مرضها التى واجهتا بقوة، وصبر، وثبات "بمرحلتيه الأولى والثانية تحت وطأة السرطان" ثم رحيلها المؤلم عام 2014.

في أولى هذه المقابلات الصحفية التي تحمل عنوان "عشرة عُمر" ذهبتُ إلى مراد منير ليحدثنا عن فايزة كمال وفي أذني صوت محمد منير ما زال يغني:

"دلوعة ماشية بتتغندر

بين الإمام والشهبندر

والغاوي قاعد يستنظر

حَب العزيز يطرح رُمَّان".

في المسرح جلست معه لمدة ساعة تقريبًا -على مقاعد الجمهور- يحدثني والشجن في صوته، والصدق في كلماته، والحب في تنهيداته، والحزن بين جفنيه "طلب مني في بداية الكلام ألا نتطرق إلى أيام فايزة الأخيرة مع المرض حتى لا تتحول الحروف إلى دموع خاصة والجمهور بدأ يتوافد حولنا وسط أضواء خافتة تشبه أضواء الشموع!".

في البداية قلت: يبدو وكأن فايزة -الحبيبة والزوجة- ما زالت تسكنك ولم تغادرك حتى الآن رغم أنها رحلت منذ 12 عامًا؟، رد: "نعم هي كذلك"، وبعدما وجه بعض التعليمات الفنية لمساعده -مخرج شاب شهرته (جدو)- يعمل معه في مسرحية (ابن أصول)، التفت لي قائلًا:

"فايزة كمال بنت أصول -وهذا تعبير الفنان محمد منير في أثناء عرض مسرحية الملك هو الملك- ومن كان ابن أصول "رجل أو امرأة" ويرحل عن دنيانا علينا جميعًا أن ننتظر عودته"، أو كما قال أحمد فؤاد نجم:

"الغاوي قاعد يستنظر

حَب العزيز يطرح رُمّان"!

وأنا -والكلام ما زال هنا للزوج قبل الفنان- ما زلت على ضفاف نهر الحياة أنتظر فايزة كمال تعود!".

ثم سكت وتنهد بصوت مسموع ثم قال بصوت متهدج: "أعرف أنها لن تعود، لكنني أعرف أيضًا أنها هناك في العالم الآخر تنتظر ذهابي إليها، لنكون معًا بعد الموت، مثلما كنا معًا في الحياة.. ثم قال بكلمات دامعة: "وحشتيني يا فايزة!".

قلت وفي قولي علامة استفهام؟: كل هذا الحب يا أستاذ مراد؟ رد: "وأكثر من ذلك لو عاد بي الزمن مرة أخرى للبدايات" ثم أضاف: "كانت فايزة برنسيسة وسط الفتيات، وهانم وسط الهوانم، ومضة نور في الظلام، نسمة في حر الصيف. ضحكة بريئة وسط الأحزان. عرفتها حبيبة ـ دعك من فترة العمل كزميلة ـ وزوجة ولم نختلف ولم نشتبك ولم نتعارك ولم نتخاصم ولو مرة واحدة على مدار رحلة زوجية استمرت 25 سنة كما يحدث مع أغلب الأزواج، خاصة في الوسط الفني الذي لا تعيش فيه الزيجات طويلًا. في هذه الرحلة حققنا النجاح وجمعنا المال من عملنا؛ لكننا كنا ننفقه دون أي حساب ـ خاصة أنا ـ فلم تضجر من ذلك الإسراف والتبذير ولم تحاول أن تغير من طباعي (ويا ليتها فعلت فأنا بعد رحيلها بعت شقتي وسيارتي وأعيش اليوم في شقة إيجار ـ فأنا شخصية مسرفة بطبعي، ولم أعمل أي حساب للزمن وعندما تسألني ولماذا لم تأمن تقلبات وحسابات الزمن).

أقول لك: "لأنه كان في بيتي زوجة اسمها فايزة كمال تعيش معي (على الحلوة والمرة) كما قال مطربنا الجميل محمد عبدالمطلب وكانت مطالبها في الحياة بسيطة، وأحلامها عادية مثل أي زوجة مصرية وعربية رغم أنها ولدت وعاشت وتعلمت في دولة الكويت الشقيقة ودرست المسرح هناك. ورغم رحلة سفرها وغربتها مع أسرتها في الخليج إلا أنها عندما عادت إلى القاهرة وتزوجنا.. عاشت معي تحب الفن الهادف، والكلمة الحقيقية، والإبداع الذي يرتقي بالناس أكثر من حبها لوجود رصيد في البنوك أو شراء العقارات أو المجوهرات، وما شابه ذلك مما يحارب ـ أحيانًا ـ من أجله الناس خاصة بعض النساء". سكت مراد منير وكأنه يتذكر موقفًا حدث معها في هذا الإطار ثم قال:

"مرة أعطيتُ لها 20 ألف جنيه ـ بقيمة 2000 جنيه اليوم تقريبًا ـ لتشتري ملابس لنفسها حيث كانت تستعد لتقديم عمل درامي يحتاج لملابس مختلفة ومتنوعة وبالفعل أخذت المال واتجهت إلى وسط البلد ـ بالقاهرة ـ لشراء الملابس وعندما عادت وجدتها اشترت لي أنا مجموعة من البدل والملابس والأحذية ولم تشترِ لنفسها أي شيء وعندما سألتها: لماذا لم تشترِ لنفسك؟ ابتسمت وقالت: "أنا مش مهم.. المهم أنت يا حبيبي!".

هنا.. عند كلمة "حبيبي" طلبتُ من زميلي المصور وقف التسجيل والتصوير قليلًا بعدما جاءت إليه ابنته ليلى ـ ماتت أمها وعمرها 12 عامًا ـ وهمست في أذنه بكلمات فهمت منها أنها تشير إليه بضرورة الاستعداد للعرض، الذي سيبدأ بعد قليل وقبل أن تتركنا قال وهو يوجه كلامه لي: "ليلى ابنتي التي تساعدني على فراق أمها، لأنها تحمل روحها.. صحيح الشكل شكلي، والعقل عقلي، لكن الروح روح فايزة"، ابتسمت لها وردت الابتسامة بأحسن منها، لأنها فيها كما أشار والدها روح فايزة كمال ثم استأذنت للانصراف حيث تشارك في العرض المسرحي.

ثم عاد يُكمل حديثه قائلًا: "كانت فايزة فتاة مصرية بسيطة -رغم ملامحها التي تبدو منها أنها ابنة طبقة ارستقراطية وعاشت معي بنفس الطريقة التي تعيش بها أي فتاة بسيطة متواضعة وكأي زوجة في أي مدينة عربية- وأنا رأيتها أول مرة تُمثل في الكويت بعد تخرجها مباشرة ثم مرت السنوات وعدت إلى القاهرة وبدأتُ التحضير لمسرحية الملك هو الملك وكانت ضمن فريق العمل الذي اخترته. في البداية قالت: "مساحة الدور صغيرة" أقنعتها بأن الدور بقيمة ما يقوله الممثل وليس بمساحة وجوده واقتنعت وبدأنا البروفات بعدما اكتمل فريق العمل. (صلاح السعدني ومحمد منير وحسين الشربيني لطفي لبيب). عندما بدأت دعاية المسرحية تُعلَّق في الشوارع وتُنشر في الصحف جاءت تطلب وضع اسمها في مساحة أكبر من أحد الزملاء (كان الفنان حسين الشربيني) قلت لها: لا.. هو أحق منكِ أن يكون اسمه في الأفيش قبل اسمك. لم تقتنع واستمرت في طلبها واستمر رفضي القاطع لطلبها حتى ضجرت منها وضجرت مني، وأخيرًا اقتنعت وبدأنا العرض الذي حقق أرقامًا مبهرة واستمر عرضه سنوات في نجاح منقطع النظير.

قلت كيف بدأت قصة الحب بينكما؟ رد: "الحقيقة أنا حتى اليوم -وبعد اليوم- لا أعرف كيف تسلل الحب إلى قلبينا وأذكر -وهو يتذكر كان مبتسمًا- أننا في أثناء العمل قال لي ذات مرة الفنان صلاح السعدني: "إيه رأيك لو تزوج محمد منير فايزة كمال"؟، قلت.. والله فكرة! رد: "إذن أعرض عليهما ونعلن هذا في أثناء العرض". قلت سأفعل ذلك".

هنا.. بدهشة لها مبرراتها على الأقل بالنسبة لي سألته: هل فعلت ذلك بالفعل؟، قال: نعم فعلت. قلت وبماذا ردت فايزة؟، قال: "قالت أنا أحب محمد منير كمطرب وزميل لكنه لا يصلح لي زوجًا ولا أصلح له زوجة.. ثم ذهبت وعرضت على محمد منير -الفكرة- وهى اقتراح صلاح السعدني، وقلت له: صلاح السعدني يريد أن يزوجك فايزة كمال يا منير ماذا تقول؟، رد: لا.. فايزة بنت ناس. بنت أصول.. ونشأت في بيت له عاداته وتقاليده الزوجية والأسرية المنضبطة وأنا لست كذلك يا صديقي وبذلك سأظلمها معي لو تزوجتها!"، وبعد فترة في أثناء عرض المسرحية ماتت أمها وكانت شديدة الارتباط بها وكان رحيلها صدمة قاسية عليها وأنا ـ لا لشيء ـ قررت الوقوف بجوارها حتى تخطت الأزمة وتعافت من حزن رحيل والدتها.. واستكملت العمل في العرض الذي امتد نجاحه المذهل من مصر إلى المدن العربية وفي أثناء ذلك سافرتُ معها (إجازة مصيف بالصدفة) في حضور شقيقها لعدة أيام وهناك اعترفنا لبعضنا بالحب وعندما عدنا إلى القاهرة زرتها مرة في بيتها فقالت لي: "مراد هو أنت مش هتخطبني) فضحكتُ وغادرتُ المنزل وذهبتُ فورًا إلى محل مجوهرات واشتريت دبلتين ذهب وعدت وألبستها دبلة الخطوبة في حضور شقيقها فقط. ثم مرت فترة ووجدتها تسألني: "مراد هو أنت مش هتتزوجني؟"، فابتسمتُ مرة ثانية وقلت لها فورًا وفي نفس الليلة والعرض على المسرح وبعد نزول الستارة وقف الفنان صلاح السعدني وأعلن النبأ السعيد للجمهور. وفوجئت بعاصفة من التصفيق المدوي لدرجة أن الجمهور صعد معنا على المسرح ولا أنسى عندما مالت سيدة من الجهمور على أذني وقالت هامسة: "وحياة النبي تخلي بالك منها دي بنت أصول يا أستاذ، قلت لها حاضر من عينيا"، وبالفعل ظلت في عيني وقلبي وعقلي -وما زالت- كذلك حتى اليوم رغم رحيلها.

توقف مراد منير لحظات عن مواصلة كلامه وذكرياته وأيام "عشرة عُمره" الجميل مع الفنانة فايزة كمال، ثم بدأ يعطي تعليماته مرة أخرى لفريق العمل، طالبًا منهم الاستعداد لبدء العرض فور الانتهاء من الحديث معي. في هذه اللحظات كنت أسترجع في ذهني صوت محمد منير وهو يغني أغنية -علي عليوة من مسرحية الملك هو الملك- التي يقول فيها:

"والناس مجاريح

من عكس الريح

والريح هردانة

لا تبوح بأمانة

وأمانة يا خلي

تعشق وتقول"

وعن الناس.. والعشق.. والأمانة عاد يكمل كلامه قائلًا: "عاشت معي فايزة أجمل أيام العمر، إذ أدركتُ ظروف عملها فكانت مثلًا إذا عادت من التصوير الساعة 7 الصبح تجدني أنتظرها في شرفة البيت بعدما أحضرت لها وجبة الإفطار وهي كذلك كانت تعرف ظروف ومتطلبات عملي كمخرج وبهذه الطريقة وهذا الأسلوب في التعامل سار بنا قطار الحياة". قلت: "ألم يكن في هذا المشوار إشارات أو إضاءات هنا أو هناك كشفت لك عن معدنها الأصيل؟"، ابتسم ثم قال: "كان هناك الكثير حتى جمهورها من شدة حبه لها نسج من هذه الحكايات ما يشبه الأساطير".

أنا أذكر مثلًا أنها سافرت إلى عاصمة من العواصم وجاء لها من يقول إن سيدة القصر -قصر من القصور- "تحب أن تراك" وقدم لها الداعي عرضًا سخيًا أن تأخذ شنطة بها مبلغ ضخم من المال مقابل أن تزور القصر، لكنها بعد ساعة من حديثه معها في "الأوتيل" تركت فريق العمل والمدينة والدولة كلها ووجدتها تطلبني في البيت -لم يكن هناك الهاتف الجوال- فاندهشتُ وقلت لها: "من أين تتحدثين؟، قالت من مطار القاهرة الدولي.. لقد عدت الآن و"تعالى خدني"! وذهبت لها ومعي شقيقها الذي تعجب مما حدث فسألها ولماذا عدتِ إذن للقاهرة نظرت له وقالت: "حبيبي وحشني" ومن هذه العروض الكثير والكثير، منها مثلًا عرض من ثري كان من كبار رجال الأعمال والإنتاج الفني في الثمانينيات والتسعينيات وقال لها: "وقدم لها عرضًا مغريًا إذا وافقت عليه سيجعلها نجمة الوطن العربي والشرق كله حسب قوله.. فتركته وتركت العقد والعرض الذي كان يعرضه عليها وغادرت المكان فورًا. ثم يكمل مراد منير وهو يشعر بالفخر -وأنا كذلك الحقيقة- وكان هناك أيضًا -جاء من شخصية غير مصرية- من عرض عليها شقة مساحتها 600 م تساوي اليوم فيلا في أحد المنتجعات السياحية وفهمت غرضه فردت عليه (وهو حديث ساخر دار بينهما يستحق أن يُروى)، قائلة: "لكنني ست متزوجة"، رد: "كلهم يقولون ذلك"، قالت: "لكنني متزوجة من راجل" قال: "وأنا راجل".

ردت وهي تشيح بوجهها عنه وتغادر المكان: "غير صحيح.. أنت مش راجل أصلًا، ثم عادت للبيت بكل ثقة وهدوء!".

قال ذلك ثم سكت قبل أن أحدثه -على عكس ما اتفقنا عليه في بداية حديثنا- عن مرحلة مرضها فقال: "هاجمها المرض اللعين واستطاعت أن تواجهه بصبر وقوة وإيمان وشفيت منه في المرة الأولى وعادت لحياتها العادية لمدة سنوات قبل أن يهاجمها مرة أخرى في موضع آخر من جسدها وبقوة أشد من المرة الأولى. وفي هذه المرة لم يرحم جسدها الضعيف ولا إحساسها المرهف ولا صبرها الذي كان سلاحها دائمًا ولم ينفد ولا حلمها الذي لم يكتمل ولا طفليها، إذ كانا صغارًا ولم يرحم المرض اللعين دموعي التي لم تجف حتى اليوم.

مر الوقت سريعًا في حديثي مع المخرج المسرحي المصري مراد منير وهو يحكي لنا عن "عشرة عمره" الفنانة الراحلة فايزة كمال. يحكي بحروف من الصدق، وذكريات من الحب، ودموع كادت أن تسقط من عينيه كلما جاء ذكر اسمها -وهو دائمًا ما يحب ذكره وترديده وهو يتكلم - فيقول: "بمناسبة ودون مناسبة: (فايزة كانت، فايزة شافت، فايزة قالت، فايزة عاشت)، وإن كانت الدموع لم تسقط من عينيه وأنا أجلس معه، إلا أنها -أو هكذا تصورت- كانت بحورًا محبوسة في قلبه كلما تذكر أيامها الأخيرة مع المرض تنتظر الإشارة لتنهمر في أي لحظة.. غير أنني تجنبت هذه اللحظة.

ودعته وتركته يحاول هزيمة حزنه الممتد منذ رحيلها، في ممر الخروج من مسرح سينما ميامي كان بجواري يمشي زميلي المصور عمرو حطب، وبداخله سؤال. في الشارع -شارع طلعت حرب- بوسط القاهرة قلت له: "يبدو أنك تريد أن تسألني عن شيء ما؟، رد: "ألم يكن من الممكن أن تضغط عليه قليلًا حتى يبكي؟"، ابتسمت وقلت له: "ألم تكن تجلس معنا؟"، رد: "طبعًا.. وكنت أصور اللقاء"، قلت: "إذن ألم ترَ دموعه؟"، وقبل أن يرد والدهشة فوق ملامح وجهه قلت له: "يا عزيزي دموع القلب أشد قسوة من دموع العين.. ورأيت الدموع أنهارًا في شرايين قلبه حزنًا على فراق فايزة كمال. هز زميلي رأسه ولم يعلق وودعني إلى طريقه.. فيما أنا اتجهت إلى محطة مترو جمال عبدالناصر حتى أعود إلى منزلي وصوت محمد منير يطاردني وسط صخب السيارات وأحاديث المارة حولي وهو يغنى:

"عطشان يا صبايا

درب الهوى صعيب

وأنا كل ما أقول التوبة

ترميني المقادير

حبيبي يا نجمة ليلي

يا منور السراديب

مكتوب على كف العاشق

روح بلدك يا غريب"

.......

وعلى كف - وقلب - مراد منير ما زال مكتوبًا اسم فايزة كمال وأظنه سيظل هكذا "مكتوبًا" حتى "يذهب لها"؛ لأنه -فيما أعتقد- ما زال يشعر أنه بدونها في الحياة لا يزال "غريبًا!".