الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

التقنية الرخيصة.. ديناميكيات سوق صناعة الدرونز عالميا

  • مشاركة :
post-title
مسيرات لوكاس الأمريكية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

تشهد صناعة الطائرات بدون طيار (الدرونز) تحولات متسارعة جعلتها من أكثر الصناعات التكنولوجية نموًا على المستوى العالمي خلال العقد الأخير، إذ تُقدر قيمة سوق الدرونز العالمية بعشرات المليارات من الدولارات، مع توقعات باستمرار النمو بمعدلات مرتفعة حتى نهاية العقد الحالي، مدفوعًا بزيادة الطلب من الحكومات والشركات على حلول أكثر كفاءة وأقل تكلفة مقارنة بالوسائل التقليدية، إذ تحولت الدرونز إلى صناعة استراتيجية تؤثر على موازين القوة الاقتصادية والعسكرية عالميًا.

وتأسيسًا على ما سبق يحاول هذا التقرير توضيح خريطة صناعة الدرونز عالميًا.

مؤشرات رئيسية

يُمكن التعرف على ملامح صناعة الدرونز عالميًا من خلال مجموعة من النقاط الأساسية:

(-) حجم الصناعة: تشهد سوق الطائرات المسيّرة العالمية ازدهارًا ملحوظًا، حيث قدّر حجمه بـ 83.8 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2033. وتُسهم التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار، وتقنيات البطاريات في دفع استخدام الطائرات المسيّرة في مختلف القطاعات، بدءًا من الزراعة وصولًا إلى الدفاع. إلا أن السوق تتسم بتجزئة عالية، إذ تتعايش الطائرات المسيّرة الاستهلاكية (التي تقودها شركة DJI) مع طائرات عسكرية متطورة من كبرى شركات الدفاع.

ومن حيث تكلفة صناعة الدرونز، فإن تكلفة التصنيع للوحدة غالبًا بين 300 إلى 3000 دولار للطائرات الاستهلاكية والمتوسطة، بينما الطائرات الاحترافية المستخدمة في المسح والزراعة من 5000 دولار إلى 20 ألف دولار، وتتكلف الدرونز الصناعية والمتقدمة من 20 ألفًا إلى 150 ألف دولار حسب الحمولة والاستقلالية وأنظمة الملاحة، بينما تختلف الدرونز العسكرية من حيث البسيطة التي تتراوح من 500 إلى 5000 دولار، والتكتيكية المتوسطة من 50 ألفًا إلى 500 ألف دولار، والقتالية الكبيرة مثل Male UAVs تتجاوز 10 ملايين دولار، ويوضح الجدول (1) تكلفة البدء في تشغيل مصنع طائرات بدون طيار، حيث تصل التكلفة الإجمالية إلى 2.9 مليون دولار.

جدول (1) يوضح تكاليف بدء تشغيل مصنع طائرات بدون طيار

(-) دول تصنيع الدرونز: تتصدر الصين سوق الطائرات المسيرة عالميًا، إذ تستحوذ على أكثر من 70% من حصة السوق الاستهلاكية والتجارية، حيث تُهيمن شركات مثل DJI وAutel Robotics وEHang على كلٍ من الأسواق الاستهلاكية والصناعية، حيث تنتج أكثر من 300 طراز من الطائرات المسيّرة لتطبيقات تتراوح بين التصوير الجوي والتنقل الجوي الحضري. وتمنحها تكاليف الإنتاج المنخفضة، والدعم الحكومي (بما في ذلك استثمارات بقيمة 30 مليار دولار أمريكي في تصنيع السيارات الكهربائية والطائرات المسيّرة)، وسلسلة التوريد القوية، ميزة تنافسية، فالصين تصدّر ما يقارب 40 مليون طائرة مسيّرة سنويًا، منها 600 ألف إلى الولايات المتحدة وحدها، على الرغم من ارتفاع الرسوم الجمركية. فإن المخاوف بشأن الأمن السيبراني والاعتماد على التكنولوجيا الصينية تدفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل.

وتأتي في المرتبة الثانية الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تُعدّ الولايات المتحدة رائدة عالميًا في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، لا سيما في التطبيقات العسكرية والتجارية المتطورة. وبفضل أسطولها المُقدّر بنحو 13,000 طائرة مسيّرة عسكرية في عام 2025، تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها المطلق في مجال استخدام الطائرات المسيّرة في الحروب. وتُنتج شركات مثل "أيروفايرونمنت" و"نورثروب جرومان" و"بوينج" أنظمة متطورة مثل "ريفن" و"واسب" و"إم كيو-9 ريبر" لأغراض الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.

وفي هذا النطاق تكتسب شركة "سكايديو" زخمًا متزايدًا في مجال نشر الطائرات المسيّرة ذاتية القيادة لأغراض السلامة العامة وتفتيش البنية التحتية، مدعومةً بعقود وزارة الدفاع الأمريكية. ومن المتوقع أن ينمو سوق الطائرات المسيّرة التجارية في الولايات المتحدة بمعدل نمو سنوي مُركّب يزيد على 8% خلال الفترة من 2026 إلى 2030، مدفوعًا بالدعم التنظيمي من إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية والطلب المتزايد في قطاعي الخدمات اللوجستية والزراعة.

وتُعد إسرائيل من الدول الرائدة عالميًا في تطوير وإنتاج طائرات الدرونز العسكرية والاستخباراتية، إذ بدأت الاستثمار المبكر في هذا القطاع منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم تحولت إلى مركز عالمي لتقنيات الطائرات غير المأهولة بفضل الدمج بين الصناعات الدفاعية والابتكار التكنولوجي، إذ أنها تُصنّف من أكبر مصدّري أنظمة الدرونز العسكرية عالميًا، ومن أبرز شركاتها (Israel Aerospace Industries، Ebit Systems) وفي أبريل 2026 أعلن رئيس صربيا "ألكسندر فوتشيتش" أن بلاده تخطط لإنتاج طائرات بدون طيار بالتعاون مع إسرائيل.

وتعتبر فرنسا من الدول الأوروبية الرائدة في صناعة الدرونز بالمجالات التجارية والعسكرية، إذ تُصنّف فرنسا ضمن أبرز الدول المنتجة للطائرات المسيّرة التجارية والعسكرية، حيث تقود شركات مثل "باروت إس إيه" و"مجموعة تاليس" الابتكار. وتحافظ "باروت" على حضور قوي في أوروبا، مع التركيز على التطبيقات الحكومية والصناعية بتصاميم متوافقة مع معايير الأمن السيبراني.

وتدعم خبرة مجموعة "تاليس" في مجال الإلكترونيات الدفاعية والأنظمة المتكاملة إنتاجها للطائرات المسيّرة المتطورة للأغراض العسكرية والأمنية. وتستفيد فرنسا من بيئة تنظيمية مواتية وتزايد استخدامها في الزراعة وفحص البنية التحتية. وتُعدّ سوق الطائرات المسيّرة في البلاد جزءًا من اقتصاد أوروبا الذي سيبلغ ناتجه المحلي الإجمالي (تعادل القوة الشرائية) 29.8 تريليون دولار أمريكي في عام 2025، مدفوعًا بتنوع الصناعات والتقدم التكنولوجي.

وتبُرز تركيا كلاعب رئيسي في إنتاج الطائرات العسكرية بدون طيار، بقيادة شركتي "بايكار" و"الصناعات الجوية التركية"، وقد حظيت طائرات بدون طيار مثل بيرقدار TB2 وأكينجي باعتراف دولي لنجاحها في ساحات المعارك، ما عزّز سوق التصدير التركية ونفوذها الجيوسياسي. وبحلول عام 2027، سيُقلل تركيز تركيا على التطوير المحلي من اعتمادها على الموردين الأجانب، ما يُعزز استقلاليتها الاستراتيجية. وتتميز طائرات تركيا بدون طيار بفعاليتها من حيث التكلفة وتصميمها خصيصًا لتلبية الاحتياجات التشغيلية المحددة، ما يجعلها جاذبة للمشترين الدوليين.

وتعد الهند مركزًا كبيرًا للابتكار في الطائرات المسيّرة، حيث تشير التوقعات إلى إمكانية تصنيع بقيمة 23 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعة بالتطبيقات الدفاعية والزراعية، إذ شجعت قواعد الطائرات المسيّرة لعام 2021 وبرنامج الحوافز المرتبطة بالإنتاج، اللذان وضعتهما الحكومة، الإنتاج المحلي، حيث تقود شركات مثل IdeaForge Technology Pvt. Ltd هذا التوجه. وتُبرز مشاريع مثل مشروع Rustom-II التابع لمنظمة البحث والتطوير الدفاعية (DRDO) سعي الهند لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطائرات المسيّرة العسكرية.

وفي ألمانيا يُعزز التطور الهندسي قطاع تصنيع الطائرات بدون طيار، مع التركيز على التطبيقات الصناعية والدفاعية. وتتخصص شركات مثل فلايبيليتي في أسواق متخصصة، مثل عمليات التفتيش الداخلي لقطاعي التعدين والطاقة. ويدعم الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا، البالغ 6.18 تريليون دولار (معادل القوة الشرائية) في عام 2025، دورها كمركز تكنولوجي ضمن الاقتصاد الأوروبي البالغ 29.8 تريليون دولار. كما تُعزز الجهود التعاونية مع الدول الأوروبية الأخرى والامتثال للوائح الاتحاد الأوروبي مكانة ألمانيا في سوق الطائرات بدون طيار التجارية.

وفي اليابان يتم الاستفادة من الطائرات بدون طيار في الزراعة الذكية، وتفتيش البنية التحتية، مدعومة باقتصادها الذي يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي 6.88 تريليون دولار (معادل القوة الشرائية). وتُطور شركات مثل ياماها وACSL طائرات بدون طيار للزراعة الدقيقة والخدمات اللوجستية، مستفيدةً من منظومة التكنولوجيا المتقدمة في اليابان. يُعزز تركيز اليابان على دمج الطائرات المسيّرة مع إنترنت الأشياء وشبكات الجيل الخامس من فائدتها في مبادرات المدن الذكية. ويُؤهلها إطارها التنظيمي واستثماراتها في البحث والتطوير لتكون لاعبًا رئيسيًا في سوق الطائرات المسيّرة في آسيا.

يشهد قطاع الطائرات المسيّرة في كوريا الجنوبية نموًا متسارعًا، مدفوعًا بشركات مثل "هانوا سيستمز" والتركيز على الزراعة الذكية والتطبيقات الحضرية. ويتماشى اعتماد البلاد للطائرات المسيّرة في فحص البنية التحتية والسلامة العامة مع تطوراتها التكنولوجية ودعمها التنظيمي. ويُبرز دور كوريا الجنوبية في هيمنة منطقة آسيا والمحيط الهادئ على سوق الطائرات المسيّرة العالمية بنسبة 40.2% في عام 2024 نفوذها المتزايد.

وتُصنّف روسيا ضمن أبرز الدول المنتجة للطائرات المسيّرة العسكرية، مع تركيزها على التطوير المحلي من خلال شركات مثل كرونشتادت. ويدعم ناتجها المحلي الإجمالي البالغ 7.13 تريليون دولار (معادل القوة الشرائية) الاستثمارات الدفاعية، على الرغم من العقوبات الاقتصادية. تُستخدم الطائرات المسيّرة الروسية في مهام المراقبة والقتال، إلا أن محدودية الوصول إلى الأسواق العالمية والقيود التكنولوجية تُعيق قطاع الطائرات المسيّرة التجارية لديها.

ويوضح الجدول(2) أكبر 10 شركات إنتاجًا للدرونز في العالم، إذ يغلب عليها الشركات الصينية، ثم الأمريكية.

جدول (2) يوضح أكبر 10 شركات إنتاجًا للمسيرات في عام 2025

في النهاية تُشير المؤشرات العالمية إلى أن صناعة الدرونز أصبحت من أسرع الصناعات التكنولوجية نموًا وتحولًا استراتيجيًا خلال العقد الأخير، بعدما انتقلت من الاستخدامات المحدودة في التصوير والترفيه إلى أداة رئيسية في قطاعات الدفاع، الزراعة، الخدمات اللوجستية، الطاقة، وإدارة المدن الذكية. ويعود هذا التوسع إلى انخفاض تكاليف التصنيع، وتطور تقنيات البطاريات، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الملاحة والاستشعار عن بُعد.

اقتصاديًا، ساهمت الصناعة في خلق أسواق جديدة وفرص استثمارية كبيرة، مع توقع استمرار نموها عالميًا مدفوعًا بالطلب على الأتمتة والمراقبة الذكية والتوصيل السريع. عسكريًا، غيّرت الدرونز مفاهيم الحرب التقليدية عبر توفير قدرات هجومية واستطلاعية منخفضة التكلفة مقارنة بالمنصات التقليدية.

ورغم ذلك، تواجه الصناعة تحديات رئيسية تشمل القيود التنظيمية، مخاطر الأمن السيبراني، التشويش الإلكتروني، حماية الخصوصية، والاعتماد الكبير على سلاسل توريد الرقائق والبطاريات.