أظهرت الحرب الإيرانية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدير الأمر بطاقم محدود، مجموعة صغيرة من المقربين والمسؤولين الذين يبدو أن ولاءهم له أهم من مناصبهم الرسمية.
عندما كان الرئيس يتخذ قراره بشن الحرب على إيران، التقى، في منتصف فبراير، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكان من بين الحاضرين رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ووزيرا الخارجية ماركو روبيو والحرب بيت هيجسيث، ومدير وكالة المخابرات المركزية (CIA) جون راتكليف.
خلال هذا الاجتماع الحاسم، كان نائب الرئيس فانس خارج المدينة. أيضًا، غابت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي جابارد (ODNI)، المسؤولة عن مجتمع الاستخبارات الأمريكي (IC) بأكمله، والتي تُعد، من الناحية الفنية، أعلى رتبةً من راتكليف.
وتلفت مجلة "ذا أتلانتيك" إلى أنه منذ بداية الحرب، اختفت جابارد عن الأنظار؛ فهي، في نهاية المطاف، كانت في السابق ديمقراطية مناهضة للحرب تُعارض الصراع مع إيران. كما أن ترامب مستاء منها بسبب علاقتها الوثيقة بجو كينت، الرئيس السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب (NCTC)؛ فقد كان كينت رئيسًا لموظفيها في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، وهو من اختارته لإدارة المركز.
وبعد أقل من ثمانية أشهر في منصبه، استقال كينت احتجاجًا على الحرب، ومنذ ذلك الحين وهو يُوجِّه انتقادات لاذعة للإدارة.
ورغم أقاويل ترددت في مجتمع الاستخبارات الأمريكي حول أن ترامب يعتقد أن جابارد كانت تحمي كينت من البيت الأبيض، فإن جابارد كانت في وضع سيئ مع الإدارة حتى قبل بدء الحرب. ففي أوائل فبراير، عارضت تجديد المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، لكن ترامب تجاهل نصيحتها، وضغط على الجمهوريين لتمديد القانون.
بلا نفوذ
على الرغم من منصبها الرفيع في الحكومة، يبدو أن جابارد لا تتمتع بنفوذ يُذكر. ولأسابيع، ولا سيما منذ إقالة المدعية العامة بام بوندي، انصبّ اهتمام أوساط واشنطن على من سيكون التالي في حكومة ترامب، مع تصدّر جابارد قائمة المرشحين الأوفر حظًا.
وتشير "ذا أتلانتيك" إلى أنه "إذا صحّ أنها في طريقها للرحيل، فلن يكون لرحيلها تأثير كبير. فقد بدت تائهة في منصبها منذ يومها الأول، ومن الواضح أنها أُقصيت عن الساحة السياسية مع اندلاع الحرب. ليس الأمر أنها لم تكن مشغولة، بل يبدو أن جابارد تقضي وقتًا لا بأس به في التحقيق في أمن الانتخابات الأمريكية بدلًا من الانخراط في قيادة مجتمع الاستخبارات".
ورغم أن الانتخابات المحلية خارجة تمامًا عن اختصاص مدير الاستخبارات الوطنية، لكن جابارد ادّعت أن احتمال التدخل الأجنبي سمح لها بالتجول في مواقع الانتخابات في جورجيا أواخر يناير.
وتلفت المجلة إلى أنه "من المرجح أن جابارد كانت تحاول الاحتفاظ بوظيفتها بإظهار أنها تشارك ترامب هوسه بانتخابات 2020، ولكن الآن وقد تورط في حرب اختيارية حمقاء، فإن مواقفها السابقة بشأن الحرب مع إيران أهم من تحقيقاتها الشكلية في أجهزة التصويت".
وأضافت: "يبدو أن جابارد، في هذه المرحلة، قد تم تهميشها بالكامل واستبدالها براتكليف كمصدر رئيسي للمشورة الاستخباراتية للرئيس".
غياب الأهمية
يثير غياب جابارد عن الأنظار خلال أكبر حرب خاضتها أمريكا منذ عشرين عامًا، تساؤلًا مهمًا: هل تحتاج الولايات المتحدة أصلًا إلى مدير للاستخبارات الوطنية؟
وربما كان تعيين جابارد محفوفًا بالمخاطر منذ البداية؛ بسبب خلفيتها، لكن تأثيرها المحدود على مسائل السياسة الفعلية قد يكون سببًا إضافيًا لتقليص البنية التحتية المتضخمة للأمن القومي التي تم إنشاؤها خلال حالة الذعر التي اجتاحت أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر، وفق التحليل.
كانت هجمات عام 2001 أثارت مخاوف من قدرة الإرهابيين على التسلل عبر الفجوة بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية الخارجية والداخلية. يتولى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) الأمن الداخلي، بينما تعمل وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في الخارج، وهو ترتيب كان منطقيًا خلال الحرب الباردة، عندما كان التركيز في مكافحة التجسس مُنصَبًّا على ملاحقة الجواسيس السوفيت والتعامل مع الجريمة المنظمة.
بعد محاولات لإعادة هيكلة وكالة الاستخبارات المركزية، أُنشئ مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في أواخر عام 2004. وكان من المفترض أن يكون مديره هو الرئيس الجديد الذي سيشرف على مجتمع استخباراتي، أصبح خليطًا من أكثر من اثنتي عشرة وكالة مختلفة. وكُلِّف مدير الاستخبارات الوطنية بمهمة جعل هذه الوكالات تعمل معًا بشكل أكثر فعالية، وتوفير شخصية واحدة تمثل جميع هذه المنظمات للرئيس.
على أي حال، لم يسيطر مدير الاستخبارات الوطنية على عالم الاستخبارات بأكمله، فقد احتفظ الجيش بالسيطرة على وكالة استخبارات الدفاع (DIA). الأهم من ذلك، أن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية يفتقر إلى القدرة التشغيلية الحقيقية، ولا يمتلك ما يُعادل العملاء الذين يُنفذون مهامًا لصالح مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية.
ولعلّ هذا النقص في القدرات هو ما دفع جابارد، في وقت مبكر، إلى محاولة انتزاع السيطرة على عمليات مكافحة التجسس من كاش باتيل في مكتب التحقيقات الفيدرالي، وهي محاولة باءت بالفشل.