تحتفل مصر في 25 أبريل من كل عام بعيد تحرير سيناء، كما تحتفل في كل عام في 19 مارس بعيد تحرير طابا، وهو التاريخ الذي ارتبط باستعادة تحرير كامل التراب الوطني بعودة طابا ورفع العلم المصري عليها في 1989، كآخر جزء محرر من الأراضى التي احتلتها إسرائيل، بعد أن وظفت مصر مصادر قوتها الذاتية لاستعادة الأرض، من الحرب إلى التفاوض وصولًا إلى التحكيم الدولي.
واستندت هذه الثلاثية على توظيف العلم لخوض الحرب تخطيطًا وتنفيذًا، لكسر إرادة العدو واستعادة الأرض بعد أن أقرت الإستراتيجيات العسكرية باستحالة اقتحام خط بارليف، وهو الساتر الترابى بتحصيناته على الضفة الشرقية لقناة السويس. ونجحت مصر بإخلاص رجالها والتحام الشعب بجيشه ليقدما معًا واحدة من أساطير البطولات العريقة، التي لا تزال تُكتَب بمداد من الفخر والكبرياء الوطني.
كما وظفت مصر العلم والتاريخ وما تمتلكه من وثائق ثرية في المفاوضات بدءًا من محادثات الكيلو 101 بطريق مصر-السويس، لوقف إطلاق النار بدءًا من 24 اكتوبر 1973، والتي قادها الجنرال "النحيف المخيف" كما كان يلقبه قادة إسرائيل، وهو المشير محمد عبدالغني الجمسي، الذي كان يتولى رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة، ثم تولى بعد ذلك رئاسة الأركان بعد تنحية سعد الدين الشاذلي، ثم وزيرًا للحربية بعد حرب أكتوبر 1973، مرورًا بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 26 مارس 1979 برعاية أمريكية خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات.
وجاءت مرحلة التحكيم الدولي لاستعادة طابا في بداية عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، والتي دمجت بين التفاوض والتحكيم الدولي، بتشكيل فريق وطني من الكفاءات المصرية في كل المجالات، مثل القانون الدولي والتاريخ والجغرافيا والمساحة، وعرض القضية على هيئة تحكيم دولية التي اتخذت قرارها في 19 مارس 1989 باعتبار طابا جزءًا من الأراضى المصرية.
وتقع طابا على بعد 7 كيلومترات غرب ميناء إيلات الإسرائيلي، وعلى بعد 245 كيلومترًا في الاتجاه الشمالي الشرقي من شرم الشيخ ذات الأهمية الكبرى في المرور داخل خليج العقبة وعبر مضيق تيران على مدخل الخليج، كما تقع طابا في مواجهة الحدود السعودية في اتجاه مباشر لقاعدة تبوك، علاوة على تمتع آبارها بمخزن ضخم من المياه العذبة.
مسار المفاوضات
مرت عملية المفاوضات بشأن عودة طابا بالعديد من المراحل التي يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي:
(*) متوالية الأزمة: في أكتوبر 1981 وعقب تولى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك مقاليد السلطة في مصر، بدأت معركة استرداد طابا خلال اجتماع الجانب المصرى مع الجانب الإسرائيلي لتفعيل انسحاب جيش الاحتلال من سيناء، واتفق الطرفان على كل العلامات الحدودية باستثناء العلامة 91 الخاصة بمدينة طابا، حيث رفض الوفد الإسرائيلى تنفيذ الانسحاب بشكل كامل. وفي مارس 1982، أعلنت مصر عن وجود خلاف مع الجانب الإسرائيلى حول بعض العلامات الحدودية حيث توسع الخلاف مع إسرائيل حتى شمل 13 علامة أخرى، مؤكدة تمسكها بموقفها المدعوم بالوثائق الدولية والخرائط التي تثبت تبعية تلك المناطق للدولة المصرية.
وبحلول 25 أبريل 1982 ووفقًا لجدول الانسحاب المرحلي الملحق بمعاهدة السلام، كان من المقرر أن تكمل إسرائيل انسحابها من سيناء بالكامل بحلول ذلك التاريخ، وقد تم الانسحاب بالفعل من معظم الأراضي حينها، إلا أن مفاجأة غير متوقعة حدثت في اللحظات الأخيرة، وفق مذكرات السفير نبيل العربي بعنوان "شهادتي للتاريخ" الذي يروي فيها أن جيش الاحتلال ظل متمركزًا في منطقة طابا، وقال العربي: "عندما طالبنا بالانسحاب الفوري وفقًا للمعاهدة، رد الإسرائيليون بأن طابا ليست جزءًا من الأراضي التي يغطيها الانسحاب، لأنها في نظرهم تقع خارج الحدود المصرية.. كان هذا أول إنذار حقيقي بوجود أزمة كبرى".
وتحولت قضية طابا من نزاع حدودي إلى أزمة دبلوماسية وقانونية استمرت سبع سنوات كاملة، حيث استمرت المفاوضات المباشرة بين مصر وإسرائيل من 25 أبريل 1982 إلى يناير 1986، في محاولة للوصول إلى حل توافقي للخلاف حول طابا.
وعقدت هذه المفاوضات في عدة جولات، في القاهرة وتل أبيب وواشنطن، برعاية أمريكية، ولكن المفاوضات اصطدمت بجدار التعنت الإسرائيلي المسنود بوجود عسكري على الأرض، وبعد أربع سنوات من المفاوضات العقيمة، أدركت مصر أن الطريق الوحيد لاسترداد الحق هو التحكيم الدولي الملزم.
(*) اللجوء للتحكيم الدولي: على خلفية هذا التعنت طالبت مصر باللجوء إلى التحكيم الدولي لحل النزاع كما تنص المادة السابعة من معاهدة السلام بين البلدين نتيجة لرفض إسرائيل الانسحاب من طابا، والتي جاء نصها "على أن تحل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير هذه المعاهدة عن طريق المفاوضات، فإذا لم يتيسر ذلك، فتحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم".
واستندت مصر في تبريرها لعرض قضية طابا على محكمة العدل الدولية بأن معاهدة السلام أقرت تسوية الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية بدلًا من النزاعات المسلحة، ويقصد بالتحكيم إجراء قانوني منظم تتم بموجبه إحالة النزاع الدولي إلى هيئة تحكيم خاصة مكونة من أعضاء (قضاة) يختارهم أطراف النزاع أنفسهم، تتولى الفصل في النزاع وفقًا لقواعد وشروط وإجراءات يتفق عليها أطراف النزاع مسبقًا، وفقًا لقواعد القانون الدولي، وتصدر حكمًا ملزمًا للأطراف بناء على موافقتهم المسبقة على الالتزام به.
مسار التحكيم
أخذ مسار التحكيم الدولي العديد من المحطات نذكر أبرزها على النحو التالي:
(&) اتفاقية مشارطة التحكيم: في سبتمبر 1986 وتطبيقًا لنص المادة السابعة من المعاهدة، تم التوقيع على اتفاقية مشارطة التحكيم بشأن طابا في سبتمبر 1986، وذلك بعد قبول وموافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي على التحكيم بضغط من الولايات المتحدة، وقد هدفت مصر من تلك المشارطة إلى إلزام الجانب الإسرائيلي بحكم التحكيم وفقًا لجدول زمني محدد بدقة.
(&) تشكيل الوفد المصري: شكلت مصر فريقًا دبلوماسيًا وقانونيًا رفيع المستوى لإدارة التفاوض مع إسرائيل برئاسة وزير الدولة للشؤون الخارجية د. بطرس بطرس غالي، وضم هذا الفريق أسماء تركت بصماتها على تاريخ الدبلوماسية المصرية، أبرزهم: رئيس الإدارة القانونية بوزارة الخارجية السفير مراد غالي، والمستشار القانوني لوزارة الخارجية السفير نبيل العربي، والخبير بالقانون الدولي د. مفيد شهاب، ومدير إدارة إسرائيل بوزارة الخارجية السفير أحمد أبو الغيط، ونائب مساعد وزير الخارجية للشؤون القانونية السفير شوقي إسماعيل، والمستشار القانوني بمجلس الدولة المصري المستشار عمر زين الدين، وأستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة د. جمال زهران، المستشار القانوني للوفد، وخبير القانون الدولي د. محمد الحسيني، وسفير مصر في إسرائيل خلال المفاوضات السفير محمد شاكر، ومدير المساحة العسكرية الأسبق اللواء عبدالفتاح محسن، وأستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة حامد سلطان.
ووقعت مصر وإسرائيل في 11 سبتمبر 1986، اتفاقية خاصة للجوء إلى التحكيم الدولي، نصت على تشكيل هيئة تحكيم دولية تتكون من خمسة أعضاء للفصل في نزاع طابا. وقد تم توقيع هذه الاتفاقية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، بحضور الأمين العام للمنظمة خافيير بيريز دي كوييار.
(&) مرحلة إعداد المذكرات: بدأ عرض المذكرات من قبل الجانبين على المحكمة التي اطلعت على المذكرات، واستمعت إلى المرافعات الشفوية، وقدم الفريق المصري أسانيد ووثائق تؤكد حق مصر التاريخي في منطقة طابا، تمتد من عام 1274، وأيضًا مجموعة من الأسانيد والوثائق التاريخية من المندوب السامي البريطاني إلى الخارجية المصرية عام 1914 وتقارير مصلحة الحدود في عام 1931.
(&) حكم هيئة التحكيم الدولية: أعلن رئيس هيئة التحكيم الدولية في جلسة علنية عُقِدت في قاعة المجلس الكبير بالمقر الرسمي لحكومة مقاطعة جنيف في حضور وكيلي الحكومتين، وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الجانبين بأن هيئة التحكيم أقرت بأغلبية أربعة أصوات مقابل صوت واحد، أن الحدود الدولية بين مصر وإسرائيل في منطقة طابا هي الحدود الموضحة في الخريطة المرفقة بالحكم، والتي تضع المنطقة المتنازع عليها داخل السيادة المصرية، وبناءًا عليه فإن إسرائيل ملزمة بالانسحاب من المنطقة المتنازع عليها وتسليمها لمصر في موعد أقصاه 15 مارس 1989.
(&) اتفاق روما التنفيذى نوفمبر 1988: بعد مفاوضات وعقب إصدار حكم المحكمة بتبعية طابا للأراضي المصرية، تم التوصل إلى اتفاق روما التنفيذي في 29 نوفمبر 1988 والذي نص فيه على تحديد علامات الحدود الأربعة عشرة وفقًا للحكم الصادر عن محكمة التحكيم، وعلى الانسحاب الإسرائيلى من الأرض المصرية إلى ما وراء هذه العلامات فور تحديدها، وتم انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي عن طابا في 19 مارس 1989، ورُفِع العلم المصرى واعتُبِر هذا اليوم عيدًا لتحرير طابا.
والخلاصة: يعكس انتصار مصر واستعادة طابا انتصارًا لتاريخ أمة ومسيرة وطن تمكن من استعادة أرضه بالحرب والمفاوضات والتحكيم الدولي، وربما تجسد شهادة كل من الدكتور مفيد شهاب توصيفًا دقيقًا للمشهد المصرى في لحظة إعلان سيادة مصر على طابا قائلًا "عندما سمعت كلمة مصرية تخرج من فم رئيس هيئة التحكيم، شعرت بشيء لا يوصف، كان شعورًا يجمع بين الفرحة العارمة والإحساس بالإنجاز والتعب والسعادة، لقد انتصرنا، انتصرنا بالحق والعلم والوثائق". أما شهادة السفير نبيل العربي فقد عكست الشعور بالفخر ممزوجًا بدموع الانتصار قائلًا "بكيت في تلك اللحظة.. بكيت فرحًا لمصر، بكيت فخرًا بفريقي، بكيت لأن الحق انتصر أخيرًا، كانت لحظة لا تنسى في حياتي".