في أحد الأيام شديدة البرودة بكازاخستان، كان المسؤول السابق في السلك الدبلوماسي الأمريكي أندرو ويبر يتسلم رسالة خارج متجر صيد متداعٍ، كُتبت عليها أرقام تؤكد أن البلاد لديها ما يكفي من اليورانيوم المخصب لصنع 20 قنبلة نووية.
كان ذلك في عام 1993 عندما بدأ "مشروع الياقوت" (Project Sapphire)، أحد أكثر المهمات سرية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، التي تعاونت فيها إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون مع كازاخستان لنقل 600 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 90%، وتحميلها في شاحنات معزولة خصيصًا، ونقلها جوًا إلى ولاية تينيسي، وخلطها للحصول على يورانيوم منخفض التخصيب.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على المشروع، كرّس "ويبر" حياته لمواجهة التهديدات النووية والكيميائية والبيولوجية، إذ شغل منصب كبير المسؤولين النوويين في إدارة باراك أوباما لمدة خمس سنوات، قبل أن يصبح زميلًا بارزًا في مجلس المخاطر الإستراتيجية (CSR) عام 2017.
وفي حديث لصحيفة "ذا تيلجراف" البريطانية، أشار "ويبر" إلى أن "مشروع الياقوت" يمكن أن يكون بمثابة مخطط للرئيس دونالد ترامب، في سعيه لإزالة اليورانيوم المخصب من إيران، لكنه حذر من أن مثل هذه العملية قد تستغرق أسابيع، وإذا تم تنفيذها دون اتفاق دبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، فإنها "ستكلف آلاف الأرواح الأمريكية".
إزالة اليورانيوم
حتى أبريل 2026، أفاد مفتشون دوليون بأن إيران تمتلك ما يقارب 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء 60%. وهذا، بحسب ويبر، يكفي لصنع "10 أسلحة نووية".
ووفق معايير مركز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي، يُعتبر اليورانيوم عالي التخصيب -أي يورانيوم- تزيد نسبة تخصيبه على 20%، أما اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة، فيُعتبر عادةً يورانيوم تزيد نسبة تخصيبه على 90%.
ومع ذلك، تستخدم بعض مفاعلات الأبحاث اليورانيوم المخصب بنسبة 90% لإنتاج النظائر الطبية -التي تستخدم للمساعدة في الكشف عن أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان وعلاجها- ما يثبت وجود تطبيقات مدنية للوقود النووي أيضًا.
وحسب ما ذكر الدبلوماسي الأمريكي السابق، فربما تكون عملية عسكرية تفاوضية بين إيران والولايات المتحدة لإزالة اليورانيوم "ممكنة"، لكن القيام بذلك في الوقت الذي لا تزال فيه الولايات المتحدة في حالة حرب "يُمثل مخاطرة كبيرة في بيئة معادية".
وقال إنه من غير المرجح أن تسمح إيران للولايات المتحدة بإزالة اليورانيوم بنفسها، مقترحًا بدلًا من ذلك دولة طرف ثالث "تربطها بها علاقات جيدة"، مثل كازاخستان أو باكستان، وسيكون وجود فريق دولي مفيدًا من حيث الصورة العامة، فلن تكون الولايات المتحدة هي من تأتي وتزيله، مضيفًا أن العملية برمتها قد تستغرق ما بين شهرين وستة أشهر.
ولفت ويبر إلى أن "مشروع الياقوت" يوضح أن إزالة اليورانيوم من حكومة أجنبية أمر ممكن، لكن في ظل ظروف محددة للغاية.
وأشار إلى أن الخيار الأفضل الحصول على اليورانيوم عن طريق التفاوض كما هو الحال في "مشروع الياقوت"، وأن "لدى الإيرانيين الكثير ليكسبوه من خلال تسوية هذا الأمر وعدم استئناف الصراع المسلح".
انتحار سياسي
في تسعينيات القرن الماضي، كانت كازاخستان حريصة على التخلص من اليورانيوم. فبعد عقود من التجارب النووية خلال الحقبة السوفيتية، اعتبرت الدولة الواقعة في آسيا الوسطى الأسلحة النووية إرثًا غير مرغوب فيه وخطيرًا عند حصولها على الاستقلال عن موسكو.
وكان من أوائل قرارات نور سلطان نزارباييف، الرئيس الكازاخستاني آنذاك، إصدار أوامر بإغلاق موقع "سيميبالاتينسك" للتجارب النووية.
لكن ترامب كان يفكر في إرسال قوات إلى إيران للاستيلاء على اليورانيوم بالقوة، حسبما ذكرت تقارير غربية، أواخر مارس الماضي، إلا أن وقف إطلاق النار، 7 أبريل الجاري، حال دون التمادي في هذا المخطط المزعوم.
وتنقل "ذا تليجراف" عن ويبر تحذيره من أنه إذا انهارت المفاوضات بين البلدين، وقرر ترامب الحصول على اليورانيوم بالقوة "فإن العواقب قد تشير إلى نهاية إدارة ترامب"، حسب تعبيره.
وقال: "سيكون الأمر أكثر تكلفة بكثير، خاصة من حيث الأرواح"، مضيفًا أن "الآلاف قد يموتون"، لأن الولايات المتحدة ستحتاج إلى قوة قوامها آلاف الجنود لتأمين المواقع على مدى أسابيع، وربما حتى شهر "وهذا من شأنه أن يخلق ثغرة كبيرة أيضًا، إذ يمكن للإيرانيين إطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ قصيرة المدى عليه".