كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، عن خطة عسكرية معقدة للغاية قدمها الجيش الأمريكي للرئيس دونالد ترامب بناءً على طلبه الشخصي، تتضمن إرسال قوات كوماندوز خاصة للاستيلاء على ما يقرب من ألف رطل من اليورانيوم عالي التخصيب المدفون عميقًا تحت الأرض في إيران، فيما تنطوي على مخاطر هائلة، إذ وصفها خبراء عسكريون بأنها "أكبر وأعقد عملية خاصة في التاريخ"، قد تتطلب أسابيع أو حتى شهورًا لتنفيذها.
أكبر وأعقد عملية في التاريخ
كشفت "واشنطن بوست"، نقلًا عن شخصين مطلعين على الأمر تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتهما بسبب حساسية الموضوع، أن الخطة المعقدة قُدمت للرئيس خلال الأسبوع الماضي بعد أن طلب اقتراحًا بهذا الشأن، مع توضيح كامل لمخاطرها التشغيلية الكبيرة.
وتتضمن العملية نقل معدات حفر ثقيلة جوًا وبناء مدرج لطائرات الشحن لنقل المواد المشعة، في مهمة قد تتطلب نقل مئات أو آلاف الجنود والمعدات الثقيلة لدعم عمليات الحفر واستعادة المواد المشعة.
ووصف ميك مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع السابق والضابط المتقاعد في وكالة الاستخبارات المركزية ومشاة البحرية، العملية للصحيفة بقوله: "ستكون هذه واحدة من أكبر وأعقد العمليات الخاصة في التاريخ، إن لم تكن الأكبر على الإطلاق. إنها مخاطرة كبرى على القوة العسكرية بأكملها".
وتمثل هذه الخطة، وفق خبراء تحدثوا لواشنطن بوست، مسعى صعبًا بشكل استثنائي من نوع لم يُحاول قط أثناء الحرب.
وتأتي في سياق سعي إدارة ترامب لتحقيق هدف رئيسي يتمثل في الحد من قدرة إيران على بناء سلاح نووي، إذ قدم مسؤولو الإدارة أخيرًا لإيران مقترحًا من 15 نقطة لإنهاء الحرب يطالب، من بين أمور أخرى، بأن تتخلى طهران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، إلا ان إيران رفضت المقترح الأمريكي، رغم أنها اقترحت في مفاوضات قبل بدء الحرب مباشرة إمكانية "تخفيف" المواد المخصبة إلى مستوى أقل.
كنز مشع تحت 300 قدم
بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خزّنت إيران نحو 970 رطلًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، أي أقل بقليل من مستوى الأسلحة النووية.
ويوجد أكثر من نصف هذه الكمية في منشأة نووية خارج أصفهان، مخزنة في أنفاق يزيد عمقها عن 300 قدم، وفق مدير عام الوكالة رافائيل جروسي، بينما يقع الباقي في موقع نطنز النووي وربما مناطق أخرى، كما ذكرت "واشنطن بوست".
وأظهرت صور الأقمار الصناعية من أوائل يونيو الماضي، نشرتها صحيفة "لوموند" الفرنسية، وحللها معهد العلوم والأمن الدولي، شاحنة مسطحة كبيرة تحمل 18 برميلًا أزرق باتجاه المدخل الجنوبي لمنشأة أصفهان.
ورغم عدم التمكن من الوصول لنتيجة قاطعة حول محتوياتها، قيّم المعهد أن "التطابق الأفضل" هو أن البراميل تحتوي على أسطوانات يورانيوم عالي التخصيب، وكانت تُنقل للتخزين داخل مجمع الأنفاق قبل أيام من شن إسرائيل ثم الولايات المتحدة غارات جوية مدمرة على أهداف إيرانية، وفق واشنطن بوست.
والأمر أكثر تعقيدًا لأن موقع التخزين في أصفهان، بحسب "جروسي" في تصريحات لصحفيين خلال زيارة واشنطن في منتصف مارس الماضي لاجتماعات رفيعة المستوى، لا يزال مدفونًا تحت الأنقاض التي خلّفها القصف الأمريكي في يونيو الماضي.
ومنذ ذلك الحين، أضاف: "لم نشاهد تحركات كبيرة" تشير لجهود للوصول إليه، ربما "سيارة أو شاحنة" في المنطقة، لكن "ليس جرافات تحفر الأشياء".
"احتلال مؤقت" وليس ضربة خاطفة
أوضح أحد الشخصين المطلعين على الخطة للصحيفة الأمريكية أن الوصول لمخزون أصفهان المدفون يتطلب: "إحضار معدات حفر، واختراق الخرسانة والدرع الرصاصي وأي غطاء واقٍ آخر، ثم بطريقة ما عليك الوصول لقاع هذه الصومعة وإزالة الحاويات المليئة بالمواد النووية ونقلها جوًا للخارج"، وتتراوح التقديرات حول المدة الزمنية من أسابيع إلى عدة شهور.
وقال مسؤول دفاع سابق لديه معرفة مباشرة بخطط حرب إيران وقدرات العمليات الخاصة لـ"واشنطن بوست": "باستثناء ضربة سريعة رمزية إلى حد كبير لإظهار أننا قادرون على فعل المزيد، فإن استعادة الكثير أو كل المواد يتطلب احتلالًا مؤقتًا".
وأضاف أن حجم العملية وتعقيدها سيجعلانها صعبة للغاية، لكنها ممكنة.
ووصف الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، الذي قاد القيادة المركزية الأمريكية وقيادة العمليات الخاصة الأمريكية، الموقف للصحيفة قائلاً: "أفضل طريقة لاستعادة المواد ستكون بعد وقف إطلاق النار وبرفقة أفراد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن إذا اضطررت للقتال في طريقك للداخل، فقد يكون ذلك ممكنًا".
وأضاف: "هناك الكثير من المخاطر المرتبطة بذلك. هذا مستوى عالٍ جداً من التعقيد. من المحتمل جدًا أن تكون هناك خسائر. لكن هذه هي مجموعة المشكلات التي تواجه قوات العمليات الخاصة الأمريكية، إنه ما نفعله، لدينا أشخاص مدربون تحديدًا للدخول في هذه الأنواع من البيئات".
بناء قاعدة عسكرية مؤقتة
وصف قادة كوماندوز سابقون ومسؤولون للصحيفة التعقيدات الاستثنائية المحيطة بالعملية، أن اللوجستيات ستبدأ بضرب الدفاعات والمعدات الإيرانية لخلق ممر أكثر أمانًا للقوات البرية، التي ستطير مئات الأميال داخل البلاد لإقامة محيط دفاعي عند المنشآت.
وأحد الخيارات المتوقعة، بحسب تكهنات الخبراء، هو قيام الفرقة 82 المحمولة جوًا وقوات الرينجرز بالقفز بالمظلات للسيطرة على الأرض، التي قد تكون ضمن نطاق المدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة المعادية.
ومن هناك، سيبني المهندسون على الأرجح مدرجًا جويًا لجلب الإمدادات والمعدات، التي قد يتم إنزال بعضها جوًا من طائرات الشحن أو تعليقها من المروحيات، وكلا الخيارين سيترك طائرات النقل الأبطأ عرضة لنيران العدو، وفق "واشنطن بوست".
وأوضح مسؤولون أن استمرار أعمال الحفر الثقيلة سيتطلب عددًا كبيرًا من قوات الدعم، إذ إن الميكانيكيين والسائقين وعمال التزويد بالوقود وآخرين سيعملون على مدار الساعة.
وستحتاج الأطعمة والمياه لإعادة إمداد مستمرة، كما أن متخصصين نوويين مدنيين من وزارة الطاقة ووكالات أخرى سيكونون على الأرجح في الموقع، وفق مسؤولين سابقين، لتقييم المخاطر والإشراف على إزالة اليورانيوم.
وستبدو عمليات إيواء وإطعام وحماية الأفراد أشبه بقاعدة صغيرة منها بمهمة سرية منخفضة المستوى.
خطر الإشعاع
أوضحت الصحيفة أن الجهود لتفجير الصخور ودخول منطقة التخزين ستكون بداية عملية شاقة مترًا تلو الآخر للكوماندوز لدخول منشأة مليئة بالمجهول.
وستستخدم فرق الاقتحام، ربما من قوة دلتا بالجيش أو قوات نيفي سيلز، مناشير وشعلات اللحام للتغلب على العوائق داخل المنشأة تحت الأرض بينما يغطيهم القناصة، وفق عميل عمليات خاصة سابق ذي خبرة في التدريب على مثل هذه المهام.
وسيرتدي الكوماندوز بدلات واقية وأجهزة تنفس، حاملين أجهزة استشعار لكشف التهديدات الإشعاعية.
وعليهم الانتباه لأن أي شيء يطلقونه أو يفجرونه أو يقطعونه قد يزعج مواد خطرة، كما أن المخاوف من التعرض الإشعاعي ستتطلب إزالة تلوث شاقة ومتكررة للأفراد والمعدات، مع احتمال وجود أفخاخ متفجرة.
وقال العميل السابق: "إنها عملية بطيئة ودقيقة ويمكن أن تكون قاتلة للغاية".
وستعرض عملية الانسحاب أيضًا القوات والمعدات والمواد النووية لهجمات إيرانية محتملة بينما يتم نقل عشرات الأفراد جوًا عائدين عبر الأجواء المعادية، بحسب "واشنطن بوست".