تسعى ألمانيا إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع البرازيل، في خطوة تعكس توجهًا أوروبيًا لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين، في ظل التغيرات المتسارعة في النظام الدولي وتداعيات الأزمات الجيوسياسية.
وأعلن المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، اتفاقًا لتعميق التعاون بين البلدين، مع توقيع سلسلة من الاتفاقيات تشمل مجالات الدفاع والطاقة المتجددة والمعادن الإستراتيجية، مؤكدين أن تعزيز الشراكة يأتي في وقت يشهد فيه النظام العالمي تحولات جوهرية، بحسب تقارير إعلامية أوروبية.
شراكة موسعة
أكد "ميرز" أن بلاده تستهدف مضاعفة حجم التبادل التجاري مع البرازيل، خلال السنوات المقبلة، بعدما بلغ نحو 20 مليار يورو عام 2024، معتبرًا أن هذا الرقم لا يعكس حجم الاقتصادين، في الوقت نفسه أشار إلى أن برلين تسعى لتوسيع علاقاتها مع ما وصفه بـ"القوى المتوسطة" حول العالم.
وأوضح أن تعزيز العلاقات مع البرازيل يأتي ضمن إستراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة والصين، دون الإشارة المباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل التوترات التجارية والسياسية القائمة.
وحذّر "ميرز" من أن تداعيات الحرب في إيران لن تقتصر على منطقة الشرق الأوسط، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن هذه التطورات تهدد الاستقرار الاقتصادي وقد تؤدي إلى اضطرابات سياسية أوسع.
تعاون تقني
وأكد أن ألمانيا والبرازيل تشتركان في دعم نظام دولي قائم على الاتفاقيات والتعاون متعدد الأطراف، بما يسمح بمواجهة التحديات العالمية بشكل مشترك، في ظل بيئة دولية أكثر تقلبًا.
وأشار الرئيس البرازيلي إلى أن بلاده تسعى بالتعاون مع ألمانيا لتعزيز الاستقلال في قطاع التكنولوجيا، الذي تُهيمن عليه شركات أمريكية، مؤكدًا أهمية تطوير البنية التحتية الرقمية مثل مراكز البيانات وأشباه الموصلات.
في الوقت نفسه؛ شدد على ضرورة تقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، التي تستفيد من بيانات المستخدمين دون ضمانات كافية للخصوصية والأمن، في إطار توجه أوسع لتعزيز السيادة الرقمية.
واتفق الطرفان على توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب تعزيز التعاون في سلاسل توريد المعادن النادرة، التي تُمثل عنصرًا أساسيًا في الصناعات الحديثة.
وأكد الرئيس البرازيلي أهمية تطوير القدرات الصناعية المحلية وعدم الاكتفاء بدور المورد للمواد الخام، مشيرًا إلى أن بلاده تسعى لتحقيق قيمة مضافة من مواردها الطبيعية عبر نقل التكنولوجيا وتعزيز التصنيع.
اتفاقيات إستراتيجية
شملت الاتفاقيات الموقعة بين البلدين التعاون في مجالات متعددة، من بينها المشتريات الدفاعية والحوسبة الكمية والمعادن النادرة، إلى جانب تعزيز التعاون في الطاقة المتجددة، ما يعكس تنوع مجالات الشراكة بين الطرفين.
وسرعان ما ربطت برلين هذه الخطوات باتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول "ميركوسور"، الذي يبدأ تطبيقه المؤقت، مايو المقبل، في خطوة تهدف إلى توسيع العلاقات الاقتصادية مع أمريكا اللاتينية، وتعزيز موقع أوروبا في سلاسل الإمداد العالمية.
كما ركزت الاتفاقيات الموقعة على تعزيز التعاون في مواجهة التغير المناخي، إذ تعهدت ألمانيا بدعم مشروعات بيئية وتمويل مبادرات مرتبطة بالطاقة النظيفة، إلى جانب تعزيز الحوار حول التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات.
وأكد الجانبان التزامهما بتعزيز النظام المناخي العالمي والعمل المشترك لحماية البيئة والغابات، مع دعم مبادرات دولية تستهدف تقليل الانبعاثات وتحقيق التنمية المستدامة، في إطار تعاون طويل الأمد بين البلدين.
جاءت هذه التحركات في ظل بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار، إذ حذّر ميرز، من أن الأزمات الجيوسياسية، بما في ذلك الحرب في إيران، تهدد الاقتصاد العالمي وقد تؤدي إلى تداعيات تتجاوز منطقة الشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه الدول الكبرى إلى إعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية.
وسرعان ما عكست هذه الشراكة توجهًا أوسع لدى ألمانيا نحو تنويع شركائها الدوليين وتقليل الاعتماد على قوى كبرى، في حين ترى البرازيل في هذا التعاون فرصة لتعزيز دورها الاقتصادي والتكنولوجي على الساحة الدولية، بما يدعم مساعي البلدين لمواجهة التحديات العالمية المشتركة.