تتواصل الجهود الدبلوماسية الدولية للتوصل إلى اتفاق سلام دائم بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لإنهاء حالة الضبابية التي تسيطر على المشهد الإقليمي، وتأتي هذه التحركات في إطار من التفاؤل الحذر، دون ضمانات حقيقية للنجاح، وعبر شاشة "القاهرة الإخبارية"، تُطرح وجهات نظر عدد من السياسيين حول هذا الملف.
وفي هذا السياق، أكد أستاذ العلوم السياسية، ستيفن زونس، أن الاستراتيجية الأمريكية القائمة على القصف لم تنجح في فرض تسوية حقيقية لصالح واشنطن، موضحًا أن التاريخ يثبت أن القدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تعني بالضرورة تحقيق النصر أو فرض الإرادة السياسية عليه.
وقال زونس، لـ"القاهرة الإخبارية"، إن إيران تتبنى رؤية واضحة تعتبر ما تقوم به حقًا سياديًا، سواء فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم أو تطوير القدرات الصاروخية ودعم حلفائها في المنطقة، لافتًا إلى أن هذه الملفات تمثل جوهر الخلاف مع الولايات المتحدة، التي تسعى إلى فرض نوع من الاستسلام الإيراني.
وأضاف أن القيادة الإيرانية تبدو مستعدة لتحمل خسائر بشرية ومادية كبيرة، في إطار ما تعتبره دفاعًا عن سيادتها، موضحًا أن هذا النهج يعزز من سرديتها الداخلية، حتى في ظل الأضرار التي تلحق بالمواطنين.
وأكد أن الصراع لا يزال مفتوحًا، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية، ما يقلل من فرص الوصول إلى حل سريع، ويجعل المواجهة مرشحة للاستمرار دون حسم واضح في المدى القريب.
التأثيرات لن تقتصر على إيران
وأكد ستيفن زونس أن الحرب الأمريكية الإيرانية تحمل تبعات اقتصادية بالغة الخطورة، مشيرًا إلى أن تصعيد واشنطن عبر الحصار في مضيق هرمز سيفاقم هذه التداعيات بشكل أكبر، خاصة مع تعطل حركة الملاحة أمام السفن بمختلف جنسياتها.
وأوضح زونس أن التأثيرات لن تقتصر على إيران، بل ستمتد إلى دول كبرى مثل الصين، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة مع طهران، لافتًا إلى أن بكين ترى أن الضرر الواقع عليها قد يفوق تأثيره على الولايات المتحدة، رغم تأثر الأخيرة أيضًا بارتفاع أسعار النفط والطاقة.
وأشار إلى أن تعطيل حركة التجارة عبر المضيق يؤدي إلى ارتباك سلاسل الإمداد العالمية، خاصة فيما يتعلق بإمدادات الغاز المسال القادمة من دول الخليج، التي تدخل في صناعات حيوية، من بينها المعدات الطبية والتقنيات المتقدمة.
وأضاف أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب راهنت على أن التصعيد العسكري والاقتصادي سيدفع إيران إلى الاستسلام، إلا أن هذا الرهان لم يتحقق، مؤكدًا أن هذه السياسات لم تكن واقعية في تقديرها لطبيعة الموقف الإيراني.
وأشار إلى أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية عالميًا، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على تراجع أي من الطرفين أو الوصول إلى تسوية قريبة.
واشنطن تصعّد الخناق الاستراتيجي
ومن جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور رامي عاشور، إن الولايات المتحدة تستغل الأوضاع التي تمر بها إيران في الفترة الأخيرة، خاصة ما خلفته من تداعيات اقتصادية سلبية، مشيرًا إلى أن أكثر من 50% من الشعب الإيراني بات تحت خط الفقر.
وأوضح أن واشنطن تعتمد على الحصار كأداة ضغط تدريجي، ضمن ما يُعرف باستراتيجية "الخنق الاستراتيجي"، التي تهدف إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية داخل إيران، بما يهدد الاستقرار الداخلي بشكل كبير.
وأضاف أن هذه السياسة تضغط على الجانب الإيراني لدفعه نحو إبداء قدر من المرونة، أو تقديم تنازلات، وربما الرضوخ لبعض الشروط الأمريكية، مؤكدًا أن سياسة الخنق تُعد واحدة من عدة أوراق تمتلكها الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران.
وأشار إلى أن التصعيد المحتمل، في ضوء تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قدرته على تدمير البنية التحتية في إيران خلال ساعة، يمثل بمثابة إنذار بخطوات أكثر حدة قد تلي سياسة الحصار، بما يزيد من الضغوط على طهران للاستجابة للمطالب الأمريكية.
وتابع: "إقدام إيران على تنفيذ تهديدها بإغلاق الممرات البحرية، ردًا على أي إغلاق محتمل لموانئها، قد يمنح الولايات المتحدة مبررًا لتصعيد عسكري واسع وغير محدود".
وأوضح أن هذه الخطوة تمثل انتهاكًا للقانون الدولي، لا سيما اتفاقية قانون البحار، فضلًا عن تهديدها المباشر لاقتصادات العديد من الدول، خصوصًا الدول المطلة على البحر الأحمر.
وأضاف أن التداعيات الاقتصادية لمثل هذا الإجراء قد تدفع واشنطن إلى تصعيد أكبر، وربما التدخل العسكري المباشر، مشيرًا إلى أن هذا السيناريو قد يتطور إلى حرب شاملة في منطقة الشرق الأوسط، أو حتى تنفيذ عمليات إنزال بري ضمن مواجهة أوسع مع إيران، مؤكدًا أن تنفيذ هذا التهديد من جانب طهران قد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في مسرح العمليات بالمنطقة.
باكستان تلعب دورًا فعّالًا في الوساطة
وحول دور الوساطة بين أمريكا وإيران، تحدث مدير معهد الدراسات الاستراتيجية للسلام والصراعات زاهد محمود، عن استقبال إيران قائد الجيش الباكستاني حاملًا رسالة أمريكية، وما إذا كانت باكستان تملك ضمانات كافية لتقريب وجهات النظر بين طهران وإدارة ترامب، خاصة في الملف النووي وتعويضات الحرب.
وقال: "باكستان تعمل بشكل بنّاء وفعّال في الوساطة من أجل التعامل مع النزاع المستمر عبر عقود طويلة، وتحديدًا منذ 47 عامًا، وبالتأكيد سيستغرق بعض الوقت حتى يتم حله".
وتابع: "كداعم قوي لهذه المباحثات، تلعب باكستان دورًا محوريًا في التهدئة، والآن سنشهد إلى أي مدى ستصل هذه المباحثات. وكان رئيس أركان الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، يعمل على تهدئة هذه الأوضاع من قلب النزاع، للمساعدة في سد الفجوات بين الدولتين".